Navigation

Skiplink navigation

"هل يستـقيـم الـظل والعـُود أعــوج"؟

يعقد منتدى الستقبل أشغال دورته الأولى بالرباط يومي 10 و11 ديسمبر 2004 Keystone

تهب رياح التغيير على البلدان العربية وفيها، دون أن يحدث التغيير المأمول في واقعها.

هذا المحتوى تم نشره يوم 10 ديسمبر 2004 - 13:55 يوليو,

فبعض الرياح تلفح وجه المواطن العربي بنسائم لا تنعش يومه، وبعضها يُـشبه الصّـفعة التي تذكّـره بوضع يتميّـز بتضاؤل الآمال بمستقبل أفضل له أو لأبنائه على الأقل.

في الجغرافيا التي تمتدّ على المساحة المتصلة من البحرين إلى موريتانيا، ينظر أكثر من ثلاثمائة مليون نسمة، إلى تحركات خارجية وداخلية متتالية ومتواترة تتحدّث عن تغيير نحو مستقبل أفضل قادم بعين الشك والحذر.

وفيما تلعب سلطات بلدانهم على وتر الوطنية والهوية، لتمنع "الآخر" ممثلا في الأطراف الخارجية من التدخل، يُـهدد "الخارج" بملفات حقوق الإنسان والديمقراطية والحريات، مُـلوحا بالعقاب الشديد للمتقاعسين أو المتمنّـعين.

في هذه الأجواء، يُـعقد في الرباط، العاصمة المغربية منتدى المستقبل للإصلاح السياسي والاقتصادي، الذي انطلقت فكرته الأولى من مبادرة كولن باول، وزير الخارجية الأمريكي للشرق الأوسط المعلنة في ديسمبر 2002.

هذه المبادرة نجمت أساسا من استنتاجات أمريكية رسمية وأكاديمية بأن "الإرهاب" الذي ضرب نيويورك وواشنطن يوم 11 سبتمبر 2001، كان نتاج حالة قهر وتخلف وحرمان تعيشه بلدان عربية وإسلامية عديدة لم تتردّد الإدارة الأمريكية في وضعها جميعا تحت مُـسمى "الشرق الأوسط الكبير".

وعلى مدى ساعات قليلة، يناقش وزراء الخارجية والمالية من 23 دولة عربية وإسلامية مع نظراءهم في دول مجموعة الثماني الأكثر تصنيعا في العالم، إصلاح النظام السياسي في الدول العربية والإسلامية، وكأن بنية هذا النظام موحّـدة أو متشابهة، رغم ما تعُـجّ به من تناقضات وفوارق في المكونات والتوجهات والخصوصيات.

مقاييس واشنطن

والملفت أن المجتمعين يتجاهلون، في نفس الوقت وعن عمد، أحد المكونات الرئيسية والأساسية للتخلّـف الاجتماعي والاقتصادي والقمع واللاديمقراطية السائدة في معظم أنحاء هذه المنطقة، والمتمثل في تدخل الدول الكبرى (بمن فيها الولايات المتحدة، التي لم تتحرك إلا بعد أن أفرز هذا المسخ عنفا أصابها على أرضها وفي كبريائها)، منذ عدة عقود في شؤون بلدانها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وعلى مدى هذه العقود لم يتحدد موقف الولايات المتحدة الأمريكية من أي نظام سياسي عربي أو حكومة عربية، بناء على انتهاج هذا النظام أو هذه الحكومة، سياسة ديمقراطية تعتمد الشفافية في تدبير شأن بلدها أو احترامها لحقوق الإنسان والحريات العامة أو الخاصة، بل بناء على تبعية هذا النظام وهذه الحكومة إلى السياسة الأمريكية ومصالحها.

فعلى امتداد أكثر من نصف قرن، حمت واشنطن أنظمة وحكومات ديكتاتورية تحرم شعوبها من أبسط الحقوق المدنية والسياسية، أقلها حق تشكيل الأحزاب والنقابات وحريات التعبير والصحافة، بل دافعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة عن هذه الحكومات، مع علمها بأنها ترفض أي شكل من أشكال الانتخابات النزيهة، وأي تداول سلمي للسلطة أو للمحاسبة، وأي تأسيس جدي للمجتمع المدني الفاعل والمستقل، ولم تكن واشنطن تتذكّـر مثالب هذه الحكومات، إلا عندما تتعارض بعض مواقفها أو توجهاتها مع مصالحها.

والأدهى من ذلك، أن الإدارة الأمريكية حاربت لعشرات السنين أنظمة وحكومات عربية بتُـهمة أنها فاسدة ولاديمقراطية، وتنتهك حقوق الإنسان والحريات، وعندما قلبت هذه الأنظمة وهذه الحكومات سياساتها، ودنت لما يخدم السياسة الأمريكية، أعلنت واشنطن رضاها عليها وأدرجتها في قائمة الدول التي تستحق التشجيع.

جغرافيات محتلة وأخرى فقيرة

وإذا كان القاسم المشترك للدول العربية والإسلامية، المشاركة في منتدى المستقبل (حسب الرؤية الأمريكية) متمثلا في غياب الديمقراطية وشيوع الفساد الإداري والسياسي والمالي، إضافة إلى التخلف التربوي والاقتصادي والاجتماعي، فإنه يصعُـب وضعها جميعا في سلة واحدة بدون أي تمييز، حيث أن قراءة متمعّـنة لدول هذه الجغرافيا الممتدة من باكستان إلى موريتانيا، تجد أنها، إما جغرافيات خاضعة للاحتلال، أو أنها جغرافيات فقيرة، أو أنها جغرافيات غنية متخلفة.

ومن الجغرافيات المحتلة، ما هو خاضع للاحتلال الأمريكي المباشر، مثل العراق وأفغانستان، أو شبه المباشر في بلدان أخرى تنتشر فيها القواعد العسكرية الأمريكية وتتحكم فيها واشنطن في تفاصيل الحياة اليومية لمواطنيها من خلال المستشارين الأمريكيين في ميادين التعليم والاقتصاد وما شابه.

وفي الجغرافيات الفقيرة، دول كثيفة السكان وقليلة الإمكانيات المادية، حاولت خلال العقود الماضية أن تعوض مواطنيها عن فقرهم بانفتاح نسبي، وحريات نسبية، وإقامة مؤسسات تشريعية منتخبة بحد أدنى من النزاهة، وهي أيضا حريصة على رضى واشنطن، وتسعى للانسجام مع سياساتها وحماية مصالحها، وإن كانت تسمح أحيانا لأصوات في داخلها تندد بما تقترفه واشنطن من انتهاكات بحقها أو حق دول عربية أخرى.

ولأن اقتراب هذه الدول الفقيرة من الديمقراطية كان اقترابا حذرا ومحسوبا، فإن حكوماتها انتهجت سُـبُـل الاستيعاب بدل مواجهة المطالبين بالمزيد من الإصلاحات، أما من استعصى عليها منهم، فقد شتّــتت تنظيماتهم من خلال زرع وإنعاش بذور فتنة أو تقديم رشاوى سياسية، وأحيانا مالية لمن تستهويه مثل هذه الرشاوى في صفوفها، كما سارعت السلطات إلى سلوك مثل هذا النهج مع منظمات المجتمع المدني الوليدة قبل أن يصلب عودها، وهو ما أفقد هذه الأحزاب والمنظمات مصداقيتها وثقة المواطن بها، فاتجه نحو تيارات متشددة ترفض، بدرجات مختلفة، الحاكمين والأحزاب، ومعهما منظمات المجتمع المدني.

تجاهــل الأسبــاب

أما الجغرافيات الغنية فقد ضمّـت دولا قليلة السكان، وهائلة الإمكانيات الطبيعية، وتحديدا النفط، لكن جشع الحاكمين وفسادهم وسوء تدبيرهم للشأن العام، واحتكارهم لكل السلطات، وحظرهم جميع أشكال التنظيم المجتمعي، المدني والسياسي، ولّـد تذمّـرا تحوّل شيئا فشيئا إلى عنف مسلح يهدد الحاكمين والمصالح الأمريكية في آن معا.

وعلى امتداد الجغرافيا المتّـجهة من تخوم آسيا شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا، قاد التيار الإسلامي، باتجاهاته المتفاوتة التشدد، حركة الرفض الشعبي الواسع للحاكمين ولحلفائهم الغربيين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة.

لذلك، تحوّلت مواجهة هذا التيار، بغض النظر عن الأساليب المتبعة أو المقترحة، هدفا مشتركا للجميع. وفيما يحاول المجتمعون في الرباط وضع الخطط التفصيلية لسياسات هذه المواجهة المتعددة الجوانب ، تحوم شكوك واسعة حول إمكانية نجاح حقيقي لها، ولا يعود سبب ذلك إلى تجاهُـل واشنطن وشركائها للأسباب الحقيقية التي أدّت إلى توليد العنف الداخلي والخارجي، بل لأن القائمين على إعداد هذه المواجهة، هم أنفسهم صنّـاع البيئة الملائمة لنشوء هذا العنف.

محمود معروف - الرباط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة