Navigation

 يا فرحة ما تمت!

السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة (من اليمين) في حديث مع الأمين العام للأمم المتحدة والسفير البريطاني لدى الأمم المتحدة قبل إنعقاد جلسة مجلس الأمن حول تجديد عملية حفظ السلام في البوسنة Keystone

لم تكد المحكمة الجنائية الدولية تبدأ عملها حتى وجدت نفسها تواجه تحديا خطيرا. كأن قدرها مواجهة الصعاب منذ لحظة مولدها. ولم يكن مستغربا أن تكون الولايات المتحدة مصدر التهديد لكيانها من جديد.

هذا المحتوى تم نشره يوم 04 يوليو 2002 - 18:52 يوليو,

انتقى السكرتير العام للأمم المتحدة كوفي أنان كلمات جميلة احتفاءا بتأسيس المحكمة الجنائية الدولية. حيث قال: "نأمل (من المحكمة) أن تتمكن من تقريبِ يومٍ لن يستطيع فيه أي حاكم، أو دولة، أو قيادة عسكرية، أو جيش أن ينتهك حقوق الإنسان وُيفلت من العقاب."

وعلى ما يبدو، فأن هذا اليوم لا يلوح على مشارف الأفق القريب. ليس فقط لأن انتهاكات حقوق الإنسان ترتكب يوميا في الوقت الراهن، وبعضها يمر مرور الكرام دون ملاحقة أو إدانة دولية، بل لأن الدولة العظمي في المعمورة تعمل جاهدة على تهميش تلك المحكمة حتى قبل أن تبدأ عملها.

 مرة أخرى تقف الولايات المتحدة وحدها!

قبل يوم واحد من بدء المحكمة لعملها رسميا، أي يوم الأحد، استخدمت الولايات المتحدة حق الفيتو لمنع تجديد عملية حفظ السلام في البوسنة. كان غريبا أن تمنع الدولة التي رعت اتفاقية دايتون عام 1995، والتي استثمرت الكثير من أجل إقرار السلام في البلقان، أن تقف هي نفسها حجر عثرة أمام استمرار عمل قوات حفظ السلام في المنطقة.

لكن علامات الاستفهام سرعان ما تتلاشى متى ما ُعرف السبب. منعت واشنطن مجلس الأمن من تجديد ولاية قوة حفظ السلام في البوسنة لأن الأخير رَفضَ منح الأعضاء الأمريكيين في القوة حصانة من أية ملاحقة قانونية ممكنة من المحكمة الجنائية الدولية.

المسألة لا تتعلق إذن بتجديد روتيني لقوة حفظ سلام. هي ترتبط أساسا بمستقبل عمل المحكمة الجنائية الدولية بأسرها. فلو تمكنت الولايات المتحدة من إملاء رغبتها على مجلس الأمن لخلقت سابقة قانونية كفيلة بنسف مصداقية المحكمة ومقدرتها على ممارسة مهامها في المستقبل.

ستتحول السابقة إلى تكتيك روتيني تلجأ إليه واشنطن أو أي دولة كبرى لاستصدار قرار من مجلس الأمن بحصانة مواطنيها من ملاحقة المحكمة الجنائية الدولية. ولتصبح الأخيرة جزءا من لعبة المعايير المزدوجة في العلاقات الدولية.

 سابقة من نوع اخر!

لم يكن من الغريب إذن أن تسارع منظمة العفو الدولية إلى إرسال بيان ناشدت فيه دول المجلس "الوقوف صفا واحدا وعدم السماح للحكومة الأمريكية النجاح في محاولاتها الالتفاف على اتفاق روما والمحكمة الجنائية الدولية". فالمنظمة على قناعة أن تأسيس المحكمة سيمُكن، إذا ما تُركت تمارس عملها، من ملاحقة من يرتكبون أسوأ الجرائم وتقديمهم إلى العدالة.

كما كان الموقف الذي اتخذته كل من فرنسا وبريطانيا في رفضهما الرضوخ للضغوط الأمريكية لتمرير القرار متوقعا. فكلتاهما شاركت بصورة فعالة في وضع أسس الميثاق التأسيسي للمحكمة ودفعتا بقوة لإنشائها.

صحيح أنهما تمكنتا من انتزاع التزام من الحكومة الأفغانية بحصانة قواتهما من أية ملاحقة قانونية، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى استغلال الفرصة للتأكيد على أنها لم تفعل أكثر مما فعله شركاءها.

إلا أن لندن وباريس شددتا على ضرورة عدم الخلط بين الأمرين. فالحصانة الخاصة بقواتهما إقتصر نطاقها على المحاكم الأفغانية لا المحكمة الجنائية الدولية كما تطلب الولايات المتحدة.

 لكل أسبابه!

غير أن الغريب فعلا هو تصويت كل من روسيا والصين إلى جانب الدول المؤيدة لتجديد ولاية قوة حفظ السلام. فبموقفهما هذا صّوت البلدان بصورة غير مباشرة على حماية مصداقية المحكمة الوليدة.

يبدو الأمر عصي على الفهم لأن موسكو وبكين رفضتا التوقيع على اتفاق روما. وقد وقفتا موقفا معارضا للمحكمة منذ بدء الحديث عن إنشاءها، كلٌ لأسبابه الخاصة. موسكو تخشى من أن يتم جرها أمام المحكمة بسبب حربها في الشيشان. أما الصين فتقف مترددة، ليس فقط لأن سجلها حافل في مجال انتهاكات حقوق الإنسان، بل أيضا بسبب بعض بنود ميثاق روما التي قد تُفسَر بصورة قد تُجرم فرضَها سياسة الطفل الواحد السكانية.

في ظل تلك الأسباب، لا يعتبر تصويت البلدين تأييدا للمحكمة الجنائية الدولية. لعله اقتراع اضطرتا إليه اضطرارا بسبب تزايد النزعة الأحادية الجانب للولايات المتحدة. كما أن تجديد ولاية قوة حفظ السلام في البوسنة في حد ذاته لا يتصل لا من قريب أو بعيد بجوهر اعتراضاتهما على عمل المحكمة. على العكس من ذلك، فإن من مصلحة موسكو استمرار عمل تلك القوة في ظل سياساتها المعروفة الداعمة لاستقرار منطقة البلقان.

 المسألة ليست قانونية فقط!

لعل الأجدى إذن هو التساؤل عن المبررات الحقيقية التي تجعل الولايات المتحدة تأخذ من جديد موقف الناشز على الإجماع الدولي. فالحجة التي أستخدمها سفيرها في الأمم المتحدة، وهي خشية بلاده من تعرض مواطنيها لخطر المساءلة من قبل المحكمة، لا تبدو مقنعة، لان ميثاق المحكمة شمل العديد من الضمانات التي تحمي دولة مثل الولايات المتحدة من أية ملاحقة قانونية دون سند فعلي.

على سبيل المثال، لا تستطيع المحكمة النظر في أية قضية إلا إذا َثبُتَ أن محاكم الدولة الوطنية المعنية غير قادرة أو غير راغبة في النظر فيها. ولإثبات ذلك، على المدعي العام أن يقنع لجنة قضائية مكونة من ثلاثة قضاة، أن المحاكمة التي جرت على مستوى وطني كانت صورية. هذا ناهيك عن أن نطاق سلطة المحكمة يقتصر على الجرائم التي ارتكبت في أراض دولة صادقت على الاتفاق، أو أقترفها أحد مواطنيها، بعد الفاتح من شهر يوليو الجاري.

هناك العديد من الثغرات والمواد المطاطية التي تم وضعها في ميثاق روما التأسيسي، الكفيلة بطمأنة دولة مثل الولايات المتحدة تخشى من إستهدافها بسبب "دورها كقوة عظمى". والمفارقة الحقيقية أن هذه الضمانات، التي تنظر إليها منظمة العفو الدولية بعين التشكك، تحققت أصلا بفضل الضغوط التي مارستها إدارة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون أثناء مفاوضات روما الماراثونية عام 1998.

لكن الكثير تغير منذ ذلك الحين. فعلى عكس الأدارة الأمريكية السابقة التي أبدت إستعدادا مبدئيا، من خلال توقيعها على ميثاق روما، على التعامل مع المحكمة، لا ترغب إدارة الرئيس بوش حتى في الأقرار بوجودها. ألم تلغي توقيع الرئيس كلينتون على ميثاق روما، لتدخل بذلك التاريخ من خلال هذه السابقة غير المعروفة قانونا؟

لم تعد المشكلة تتعلق بمدى إمكانية تعرض واشنطن لملاحقة قانونية. هي تتصل جوهريا بوجود المحكمة الدولية من أساسه. فقيام هيئة قضائية تتعدى الحدود الوطنية للولايات المتحدة، ولا تخضع لمقدرتها على ممارسة حق الفيتو، يقف على طرف نقيض مع توجهات إدارة بوش الجمهورية المحافظة.

وقد برهنت تلك الأدارة منذ إنتخابها على أنها لاتعترف بوجود قيود خارجية عليها، و تنظر بعين الشك إلى كل منظمة ذات طابع دولي بما فيها الأمم المتحدة. فأنى لها بعد ذلك أن تقبل بوجود منظمة لهاصلاحية مساءلتها؟ القضية تدخل في عمق الرؤية الراهنة لإدارة الرئيس بوش لدور الولايات المتحدة كدولة عظمي.

ولأن الأمر كذلك، فإن واشنطن لا ترغب في تحجيم عمل المحكمة الجنائية الدولية الوليدة. بل تريد عوضا عن ذلك أن تخنقها في المهد.

إلهام مانع

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.