‏ انفراج مغاربي؟

swissinfo.ch

هل ستشهد بداية عام 2003 نقلة نوعية في العلاقات المغاربية وفي مسيرة اتحاد المغرب العربي المجمّدة منذ سنوات عديدة؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 27 ديسمبر 2002 - 17:28 يوليو,

الجواب على هذا السؤال قد تتضح معالمه يوم 3 يناير، حيث سيعقد وزراء خارجية اتحاد المغرب العربي اجتماعا في الجزائر قد يتم خلاله الإعلان عن موعد القمة المغاربية المؤجلة منذ سنوات.

يحق للمتفائلين بانفراج قريب في العلاقات المغربية الجزائرية أن يشهروا تفاؤلهم ويعلنوه، ليس فقط لأن العلاقات تسير منذ بضعة أسابيع نحو الانفراج، بل أيضا لأنه لم يعد إعلان التفاؤل وإشهاره هنا أو هناك، محرجا لأصحابه.

العلاقات المغربية الجزائرية تسير نحو الانفراج، ليس لأن المتفائلين في الجزائر والرباط، يعتقدون ذلك، وبعضهم يسعى لتحقيقه، بل لأن التأثيرات الإقليمية والدولية وانعكاساتها على الاوضاع الداخلية للبلدين الجارين، تفرض عليهما التعاطي الإيجابي مع أي مبادرة مصالحة أو جهود لتحسين العلاقات الفاترة بينهما.

والتأثيرات الفرنسية والأمريكية تبقى الأبرز في هذا الميدان، بغض النظر عن التنافس والتعارض أحيانا بين الرؤيتين الفرنسية والأمريكية للمنطقة، وصياغتها الجديدة بما يخدم مصالح باريس أو واشنطن.

المحطات في العلاقات بين الرباط والجزائر منذ بداية الستينات كثيرة، وكل محطة نقلت العلاقات من الحميمية الى الخصومة لدرجة العداء الذي يكون الموقف منه مقياسا للعلاقات مع أطراف أخرى، أو من التوتر إلى الحميمية.

فجأة كانت العلاقات تتحول من النقيض إلى النقيض، ويكون التحول لأسباب معلنة مفهومة وإن كانت غير مقبولة، أو حادثة ما، في زمن ومكان ما، يخفي الموقف منها حقيقة رؤية كل طرف للآخر.

كثيرة الأمثلة التي باتت في تاريخ العلاقات الجزائرية المغربية محطات انتقالية أساسية، وكل منها كان في وقته حقيقيا لكل طرف لدرجة المطلق ومقتنعا به لدرجة العقيدة والإيمان، ويحاول إقناع المعنيين إن كانوا تحت سلطته لتصبح العقيدة بوصلة السلوك، أما إذا كانوا خارج سلطته، فيحاول كسب تأييدهم ودعمهم أو على الأقل تفهمهم.

ظروف إقليمية متغيرة

منذ 1994، عرفت العلاقات المغربية الجزائرية محطات تحول متعددة لكنها اختلفت عن المحطات التي سبقتها كونها بقيت في نفس السياق الذي وضعت حادثة هجوم مسلح على فندق في مراكش في أغسطس 1994، العلاقات في قالبه، التوتر لدرجة الاقتراب من التصادم والفتور لدرجة البرودة. وفي أحسن الحالات، التجاهل لدرجة النسيان، نسيان التاريخ وأيضا، حتى لو كان ذلك على حساب المستقبل، نسيان الواقع والحاضر من حدود مشتركة وتداخل في المصالح وتشابك في العلاقات العائلية.

ولم تعد التحولات الدولية تسمح لطرفين إقليمين، في أي إقليم من العالم، أن يتحكما في أمن ومستقبل هذا الإقليم. قد يسمح لكل منهما أو لكليهما، أن يتخاصم لدرجة العداء مع جاره، لكن ليس مسموحا له الوصول بالخصام الى درجة الحرب او ما شابهها.

والقطيعة الاقتصادية والتوترات السياسية بين الجزائر والمغرب تكون في احدى تجلياتها حربا، لان تكاليف ما يدفعه، هذا الطرف او ذاك، نتاج هذا التوتر او الفتور يصل احيانا الى تكاليف الحرب بالمعنى المادي للكلمة.

كانت فرنسا، منذ خروج قواتها من منطقة المغرب العربي، تعتبر دول المنطقة جزءا من نفوذها. شجعها على ذلك أن الحروب التحريرية التي خاضتها شعوب دول المنطقة ضد القوات الفرنسية وما أسفرت عنه من جراح، لم تمنع نُخب هذه الدول، الحاكمة أو المعارضة، من إبقاء فرنسا، الثقافة والاقتصاد ونمط الحياة، مرجعية لها.

وشجع فرنسا كذلك مساعدة الولايات المتحدة، إبان الحرب الباردة، للحفاظ على نفوذها وتطويره في مواجهة المد الشيوعي، وأيضا عدم شعور الاتحاد السوفياتي، بعد التحولات التي عرفتها السياسة الفرنسية الدولية في عهد الرئيس شارل ديغول في منتصف الستينات وبعد ذلك، بعداء فرنسي تجاهه، جعله لا يرى ضرورة لمحاربتها في منطقة المغرب العربي، التي تعتبرها باريس حديقتها الخلفية.

لكن في السياسة والمصالح لا شيء يدوم. انتهت الحرب الباردة وانهار المعسكر الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفيتي وأُعِيدت صياغة العالم ضمن الحسابات والرؤى الأمريكية، مما جعل الولايات المتحدة تزاحم فرنسا على مجموع مناطق نفوذها، لاسيما الإفريقية، وإن كانت في دول المغرب العربي لم تأخذ شكل التصادم بين أطراف محلية.

توافق أم تنافس؟

العداء الفرنسي للظاهرة الأصولية الإسلامية الذي دفعها لاحتضان الانقلاب على المسار الديمقراطي الجزائري، وتشجيع المغرب على المزيد من الانفراج والانفتاح السياسي الداخلي، والتغاضي عن التشدد التونسي في التعاطي مع هذه الظاهرة، من منطلق رؤيتها لمصالحها، لم يحظ بداية، في أوج مرحلة التنافس، بحماس أمريكي، لكنه بعد ذلك كان محل تأييد وتشجيع واشنطن، ومن خلاله محاولة الدخول المكثف إلى المنطقة، سواء كان ذلك بالوسائل الاقتصادية والتجارية، أو بالوسائل السياسية والدبلوماسية.

التوافق الفرنسي الأمريكي الممزوج بالتنافس، أوصلهما إلى ضرورة إخراج العلاقات بين المغرب والجزائر من دائرة التوتر والفتور إلى دائرة الوئام، حتى وإن كان في مراحله الأولى بدون حميمية ودفء.

بين الجزائر والمغرب، رغم أن أسباب أزمة 1994 لا زالت قائمة، فإن الأوضاع الداخلية في البلدين، خاصة وصول أزمات كل منهما الاقتصادية والاجتماعية إلى مأزق التنمية المنفردة، فرضت عليهما النظر إلى العلاقات بينهما من زاوية مختلفة والدفع باتجاه إدخالهما دائرة الاتصالات الممهدة لإعادة الوئام.

من هذه الزاوية، يمكن رؤية اللفتة الجزائرية في مواساة المغرب بما تعرض له من نكبات في شهر رمضان الماضي، من فيضانات وحرائق، ورؤية الحميمية التي رد بها المغرب. وفي غمار اللفتة والحميمية ظهرت مؤشرات الانفراج التي ما كانت لتظهر في ظروف سابقة. فالجزائر، قيل أن ذلك جاء لأسباب تقنية، أرسلت إمدادات الغاز إلى المغرب عبر الحدود البرية المغلقة منذ 1994، وأعلنت عن مواصلة توسيع أنبوب غاز المغرب العربي- أوروبا الذي ينقل الغاز الجزائري إلى إسبانيا عبر التراب المغربي.

ومن هذه الزاوية أيضا، يمكن رؤية إعلان المغرب مشاركته في اجتماعات وزراء خارجية اتحاد المغرب العربي التي تعقد في الجزائر في الأسبوع الأول من عام 2003 تمهيدا لعقد قمة مغاربية مؤجلة منذ ثمان سنوات. كما توقفت الحملات الإعلامية المتبادلة بين البلدين.

هذه مؤشرات إيجابية، تؤخذ في الاعتبار إذا ما أراد البلدان الشقيقان تجاوز حساباتهما الضيقة والنظر إلى المستقبل.

محمود معروف - الرباط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة