" من ينقلب على من ..؟"

يرى بعض المراقبين أن ما يحدث في لبنان لا ينفصل عما يحدث في نزاع الشرق الأوسط swissinfo.ch

"إنقلاب" على "إنقلاب"؟.بهذه الكلمات بررت مصادر سياسية موالية للحكم اللبناني ، حملة الأعتقالات الواسعة التي قامت بها السلطات مؤخرا وشملت 250 من اعضاء وقيادات تنظيمي " القوات اللبنانية " والتيار الوطني الحر " المسيحيين المحظورين( أطلق منهم 75 مؤخرا ) . لكن ما يحدث في لبنان ليس محصورا عليه، فالبعد الإقليمي يظل، كما العادة، مهيمنا.

هذا المحتوى تم نشره يوم 22 أغسطس 2001 - 18:27 يوليو,

وأوضحت هذه المصادر ل " سويس أنفو " أن ما أسمته ب " الانقلاب " الذي كان يعده المعارضون لكل من الحكم اللبناني الراهن وللوجود السوري في لبنان ، تضمن السيناريو الاتي :
أولا، الإفادة من زيارة البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير إلى الجبل الدرزي وما رافقها من انتقال الزعيم الدرزي وليد جنبلاط من " المعسكر السوري " الى المعسكر المسيحي المعارض ، لأطلاق سلسلة من التظاهرات والاضرابات المتصلة ضد الحكم اللبناني ودمشق . .
ثانيا، العمل على اختراق الاجهزة العسكرية والامنية اللبنانية ، بهدف شقها وتقسيمها .
ثالثا، الاعتماد على " دعم لوجستي " ( على حد تعبير المصادر ) من الولايات المتحدة وفرنسا أساسا ، ومن إسرائيل جزئيا ، لدعم حركة الانقلاب إعلاميا وسياسيا .
رابعا، التخطيط لبعض العمليات الأمنية المحدودة بهدف إثارة البلبلة والاضطرابات في البلاد ، وصولا إلى طلب التدخل الدولي لتطبيق قرار مجلس الأمن الرقم 520 الداعي إلى انسحاب كل القوات الأجنبية من لبنان .

هل يستند هذا السيناريو الى معلومات دقيقة ، أم انه مجرد فبركة سياسية لتجاوزات أمنية ارتكبتها السلطات اللبنانية ؟.
" سويس انفو " طرحت هذا السؤال على السياسي اللبناني البارز نجاح واكيم ، رئيس " حركة الشعب " العلمانية ، فأكد أن المعلومات المتوافرة لديه تشير الى ان الاميركيين ( والفرنسيين ) هم الذين يقفون بالفعل وراء نشوء التحالف الدرزي – المسيحي الجديد ، وهم الذين يشجعون المعارضة على المضي قدما في تحدي النفوذ السوري في لبنان .
وأوضح أن أسباب هذه الحملة الاميركية ، تعود الى الامتعاض الشديد الذي تشعر به الولايات المتحدة من السياسات السورية في الشرق الاوسط ، خاصة في العراق وفلسطين وجنوب لبنان . ولذا فهي قررت ، على ما يبدو ، الرد على هذه السياسات بقلب الطاولة على رؤوس السوريين في لبنان .
وكما هو معروف ، لبنان يعتبر الان معقل النفوذ الاقليمي الرئيس لسوريا في المنطقة .
وتابع واكيم : " ما جرى مؤخرا من اعتقالات وملاحقات ومحاكمات ، كان ببساطة ردا سوريا على الرد الاميركي " .

لبنان " المرآة "

هذه القراءة الإقليمية – الدولية للتطورات المحلية في لبنان ، تحظى بموافقة العديد من المحليين السياسيين اللبنانيين ، الذين يشيرون الى ان احداث لبنان الداخلية كانت ، تاريخيا ، انعكاسا لموازين القوى الخارجية .

وهكذا فأن الخلافات البريطانية – الفرنسية حول شق قناة السويس ، أدت في العام 1840 الى نشوب " حرب اهلية " طاحنة بين الدروز والموارنة ، لم تتوقف الا في العام 1860 حين اتفقت الدولتان العظميان آنذاك على تقاسم النفوذ في كل من الشرق الاوسط والمنافذ المؤدية الى الهند .

كذلك ، حين احتاج السلام العربي – الاسرائيلي الذي رعته اميركا الى حروب داخلية – اقليمية لتحقيقه ، نشبت حرب لبنان العام 1975 التي لم تتوقف إلا عشية انعقاد مؤتمر مدريد للسلام الشرق أوسطي العام 1989 .

ويضيف المحللون أن الصراعات التي تجري الان على أرض لبنان ، ليست سوى رجع صدى للصراع بين الغرب واسرائيل وبين سوريا، حول دور هذه الاخيرة الاقليمي . اذ ان واشنطن تريد تحويل سوريا الى مجرد " دولة عادية " لا طموحات اقليمية لها ، ومندمجة كليا في النظام الرأسمالي
العالمي . فيما لا تزال دمشق ترى الى نفوذها الاقليمي ، بصفته الورقة الرابحة الرئيس لحماية نظامها في الداخل

دور إسرائيلي؟

أين إسرائيل من كل هذا الذي يجري ؟.
السلطات اللبنانية اعتقلت كلا من توفيق الهندي المستشار السابق لميليشيات القوات اللبنانية المنحلة، والإعلاميين انطوان باسيل ( محطة " أم . بي . سي . التلفزيونية ) وحبيب يونس ( جريدة " الحياة " ) والمحاميين ايلي كيروز وسلمان سماحة ، بتهمة " الاتصال بالعدو الاسرائيلي في قبرص وباريس "، والتنسيق معه ضد لبنان وسوريا .

وتقول مصادر مطلعة ل " سويس أنفو "إنه برغم أن السلطات قد تعتقل المزيد من الشخصيات الاعلامية والسياسية بالتهمة نفسها، إلا انه يبدو واضحا ان حجم التدخل الاسرائيلي المباشر في الشأن اللبناني يبدو محدودا ببعض النشاطات الاستخبارية الموضعية . وهذا يعود ، برأي المصادر ، إلى سببين : الاول ، ان اسرائيل لا ترغب في الظهور كلاعب رئيس على خشبة المسرح ، لان هذا قد يورطها مجددا في وحول المستنقع اللبناني الذي لم تخرج منه الا مؤخرا وبصعوبة .

والثاني ، أن الكتل المسيحية الكبرى التي تحالف بعضها سابقا مع اسرائيل ، ادارت الظهر نهائيا لهذه الاخيرة بعد ان قامت الدولة العبرية ب " بيع الجلد المسيحي" مرات عدة خلال الحرب ، حين اقتضت المصالح الاسرائيلية ذلك .

وتلفت المصادر إلى أن هذا الحذر الاسرائيلي في التعاطي مع الشأن اللبناني ، يشبه ايضا حذر واشنطن وباريس من دفع الامور الى مرحلة الصدام العلني والمباشر مع دمشق ، بسبب حاجتهما اليها لضبط الحركات الاصولية الاسلامية في منطقة الهلال الخصيب ، من جهة ، وللحفاظ على الاستقرار الاقليمي الراهن، من جهة اخرى .

بيد أن الحذر لا يلغي الصراع . وهذا ما يجعل الكثير من المراقبين يتوقعون المزيد من الاحداث المفاجئة في لبنان . إذ برغم أن السلطة اللبنانية ، ومعها دمشق ، حققتا نصرا واضحا مؤخرا ، بعد أن أدت الضربة الأمنية إلى تشتيت المعارضة وتشديد قبضة الجيش والاجهزة الامنية الموالية لدمشق على السلطتين التنفيذية والتشريعية ، الا ان هذه قد لا تكون سوى جولة قد تتبعها جولات . فالكر والفر سيستمران طالما استمر " الصراع على سوريا " وعلى دورها الاقليمي في الشرق الاوسط . وهذا الصراع لا يزال ، على ما يبدو ، في بداياته الاولى !


سعد محيو - بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة