توجّـه لإقامة منطقة تبادل حر بين سويسرا والجزائر
تحولت السيدة ماري غابرييل إينيخن – فلايش، كاتبة الدولة السويسرية للإقتصاد إلى الجزائر من 9 إلى 11 نوفمبر الجاري رفقة وفد يُمثل القطاع الخاص وبمشاركة السيد كلود هاش، رئيس مجلس الشيوخ السويسري. وقد سمحت الزيارة بـ "بتعزيز العلاقات الإقتصادية الثنائية وبإطلاق المسألة المتعلقة بالمفاوضات حول التبادل الحر" بين البلدين، كما جاء في البيان الرسميرابط خارجي الذي صدر عقب اختتام الزيارة في برن.
الزيارة اختتمت بوعود قدمها الطرف الجزائري لتسهيل شروط الإستثمار، على اعتبار أن مرتبة الجزائر على المستوى الدولي من حيث تسهيلات مناخ الإستثمار هي 164 من أصل 189 دولة حسب تصنيف أصدره البنك الدولي في يونيو 2015، لكن يبدو أن الجانب السويسري – حسب ما بدا من التصريحات الصادرة عن أعضاء الوفد – يرى أن الأسباب الكامنة وراء هذه الرتبة المتدنية “مفتعلة، بل ويُمكن حلّها بجرة قلم”.
زيارة وأرقام
خلال الزيارة، استقبلت كاتبة الدولة السويسرية للإقتصاد من طرف رئيس الوزراء ووزراء الصناعة والطاقة والمالية والتجارة والنقل والصحة وإصلاح المستشفيات.
التقى الوفد السويسري أيضا مع ممثلين عن القطاع الخاص الجزائري خلال منتدى اقتصادي جزائري – سويسري التأم بالمناسبة.
خلال الزيارة، تم التوقيع على مذكرة تفاهم بين الشركة الوطنية للنقل بالسكك الحديدية ونظيرتها السويسرية، يتم بموجبها إنشاء شركة مختلطة جزائرية – سويسرية، لتركيب وصناعة القطارات الكهربائية على مستوى الجزائر.
تعتبر سويسرا من الشركاء الإقتصاديين الرئيسيين لسويسرا في القارة الإفريقية. وطبقا للمكتب الفدرالي للإحصاء، بلغ الحجم الإجمالي للمبادلات التجارية بين البلدين 676 مليون فرنك في عام 2014.
في الأثناء، وصلت قيمة الصادرات السويسرية (منتجات صيدلانية وآلات بالأساس) إلى 486 مليون فرنك.
فقد حضر الصحافيون الجزائريون يوم 10 نوفمبر الجاري نقاشا مفتوحا ونادرا جمع بين علي حداد، رئيس منتدى رؤساء المؤسسات الجزائرية، والطرف السويسري ممثلا بكاتبة الدولة للشؤون الإقتصادية ماري غابرييل إينيخن – فلايخ، وماريال كوهان السفيرة السويسرية في الجزائر.
رئيس “منتدى رؤساء المؤسسات الجزائرية” طالب سويسرا والشركات السويسرية بـ “عدم الاكتفاء بتصدير الشوكولاطة السويسرية للجزائر، والعمل في مقابل هذا على تصدير المزيد من التكنولوجيا السويسرية”، وأضاف أن “الإقتصاد الجزائري في الوقت الحالي مستعد أكثر من أي وقت مضى للإنفتاح على العالم و على سويسرا بشكل خاص، لأن الحكومة قدمت كل التسهيلات للمستثمرين في مجال العقارات الاستثمارية و تسهيل الإجراءات الإدارية”، على حد قوله.
في المقابل، ردت السفيرة السويسرية بالقول: “سنستمرّ في تصدير الشوكولاطة السويسرية إلى الجزائر، وسنعمل كل ما بوسعنا لتصدير التقنيات والتكنولوجيا إلىها أيضا”. أما كاتبة الدولة للشؤون الإقتصادية فكانت أكثر صراحة مع علي حداد والوزراء الجزائريين الذين قابلوها، و كررت أفكارها لوسائل الإعلام قائلة: “نطالب الحكومة الجزائرية بإعادة النظر في قاعدة 51/49% التي تجعل من المستثمر الأجنبي في الجزائر أقلية، ونحن لا نقبل هذا الأمر بالنسبية للمؤسسات السويسرية المتوسطة والصغرى بشكل خاص”.
مطالبة بالإصلاحات
بمعنى آخر، بدا واضحا أن المسؤولة السويسرية فهمت مطلب قطاع واسع من المهتمين بالشأن الاقتصادي الجزائري داخل وخارج الجزائر، والمطالب بإلغاء هذه القاعدة التي فُرضت عام 2009 لكبح تهريب العملة الصعبة، إلا أن الذي حدث هو العكس فقد تضخم نشاط الإستيراد ليصل إلى 60 مليار دولار أمريكي، ثلثها مهرب “عبر تضخيم الفواتير”، حسب تصريح وزيرة التجارة بختي بلعايب خلال نفس فترة تواجد الوفد السويسري في الجزائر. في مقابل ذلك، انكمش الإستثمار المنتج من قبل الجزائريين والشركات الدولية ومن بينها السويسرية.
المسؤولة الأولى في كتابة الدولة للشؤون الإقتصادية رابط خارجيطالبت أيضا بـ “تسهيل وتخفيف الإجراءات الإدارية”، وهذا مطلب جزائري قبل أن يكون دوليا. وفي هذا الصدد، يرى معظم الخبراء الإقتصاديين أن سبب بطء الآلة الإدارية الجزائرية يتلخص في “المركزية وتداخل صلاحيات الوزارات والمؤسسات الإدارية” التي ضخمتها الدولة عمدا لخدمة استقرار الجهاز الحكومي المسير، إلا أنها أضرّت في المقابل بمجمل الأداء الإقتصادي في البلاد.
وقد عبرت السفيرة السويسرية عديد المرّات لنظرائها الجزائريين عن تعجبها من تمسك الإدارات المركزية بصلاحياتها التسييرية لمناطق تبعد عن العاصمة الجزائرية بمئات أو بآلاف الكيلومترات في حين أن الإستثمار المنتج يحتاج إلى اللامركزية والمرونة في التسيير. ويبدو أن الطرف الجزائري قد أحس بأهمية المسألة، حيث أقرت الحكومة الجزائرية في الأيام الأخيرة لامركزية الإدارات والقرارات التي تخص الشأن الفلاحي والزراعي، وهي خطوة غير مسبوقة لم تحدث منذ استقلال البلاد عن فرنسا في عام 1962.
تعاني الجزائر من تدني مستويات الإنتاج والإنتاجية وضعف أداء القطاع الصناعي فهي تستورد ثمانية عشر دولارا وتصدر دولارا واحدا
رابح هوادف، محلل اقتصادي
منطقة التبادل الحرّ
الغرض الثاني لزيارة الوفد الإقتصادي السويسري فهو التباحث مع الطرف الجزائري لإنشاء منطقة تبادل حر بين سويسرا والجزائر، وهذا عمل شجاع ومغامرة دبلوماسية كبيرة حسب المحلل الاقتصادي رابح هوادف الذي يقول متحدثا إلى swissinfo.ch: “كجزائري فإني متحير من الخطوة السويسرية لإقناع الجزائر بإنشاء منطقة تبادل حر، لأن سويسرا بلد صناعي حقيقي لديه ما يبيعه ويقدمه للجزائر وللعالم، في حين أن الجزائر تعاني من تدني مستويات الإنتاج والإنتاجية وضعف أداء القطاع الصناعي فهي تستورد ثمانية عشر دولارا و تصدر دولارا واحدا”.
ويضيف رابح هوادف: “أعتقد أن الطرف السويسري يريد جني الثمار من خلف الاتحاد الأوروبي الذي أجبرته حالة الاقتصاد الجزائري وانهيار أسعار النفط وخشية تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الجزائر إلى مراجعة اتفاق الشراكة مع الجزائر وتأجيل التفكيك الضريبي ما بين الجزائر والاتحاد الأوربي إلى أجل غير مسمى حتى يتسنى للمؤسسات الجزائرية تحسين أداءها ورفع تحدي تصدير المنتجات الجزائرية إلى أوروبا بجودة تنافسية مقبولة”.
في المقابل، يرى المحلل السياسي غمراسة عبد الحميد أن الجزائر “قد أقنعت فيما يبدو كل شركائها بأن ساعة التغيير الاقتصادي قد دقت بما أن أسعار النفط قد هوت وأن عدد السكان قد بلغ 40 مليونا وبعد عشر سنوات سنصبح 50 مليونا، ما أدى إلى الضغط على القرار السياسي الذي أرخى سطوته على المستثمرين الجزائريين وسيرخي ضغطه على المستثمرين الأجانب ومنها رغبة الطرف السويسري في إلغاء قاعدة 51/49 بالنسبة للمؤسسات المتوسطة والصغيرة التي هي مسألة وقت فقط، لأن الدولة مُدركة بأنها قاعدة تطرد المستثمر الأجنبي”.
في نفس السياق، قال رئيس منتدى رؤساء المؤسسات الجزائرية لنظرائه السويسريين: “اشتروا المنتجات الجزائرية و اقبلوها في سوقكم لأننا نصنع موادا ذات جودة في الجزائر”. ويرى محللون كثيرون أن دعوة علي حداد تحمل في طياتها العديد من الإشارات السياسية والاقتصادية رغم عدم اتساقها مع الواقع الانتاجي الجزائري.
في الأثناء، علمت swissinfo.ch أن الوفد السويسري قد أحيط علما بمشروع نسيج تركي جزائري بقيمة 28 مليار دولار يقع في ولاية مستغانم 350 كلم غرب العاصمة، سيجعل من الجزائر أكبر منتج للقماش والألبسة في الشمال الإفريقي، كما حاول الطرف الجزائري إفهام نظيره السويسري أن تصنيف البنك الدولي المتدني للجزائر قد تم على أساس القوانين والإجراءات الجزائرية ما قبل صدور التصنيف في يونيو من عام 2015، ولو صدر التصنيف بعد هذا التاريخ لتغيرت رتبة الجزائر بالتأكيد.
شراكات دولية
ويبدو أن فتح النقاش بشأن إقامة منطقة للتبادل التجاري الحر ما بين البلدين في عز تدهور أسعار النفط له دلالاته الكبيرة، فقد أصبح سرا شائعا داخل مؤسسات القرار الجزائرية أن آلة التغيير الإقتصادي الجزائري لن تتوقف حتى ولو تغيرت القيادة السياسية الحالية، ومن الأدلة على ذلك، وجود مشاركة سويسرية غاية في الدقة وحسن التكوين في المعهد الفندقي الوطني الذي يمنح لخريجيه شهادات جزائرية لن تكون سارية المفعول إلا بعد مصادقة المعهد السويسري الفندقي بلوزان عليها. هذا إلى جانب قيامه بالإشراف على إدارة المعهد الجزائري أساسا.
وقد عبر الوفد السويسري عن إعجابه بهذا المعهد وتعهد برفع مستوى الكادر السياحي في الجزائر، خاصة بعد قرار الحكومة إلغاء شرط الحصول على رخصة عمل لكل التونسيين الراغبين في العمل بالجزائر، وهي – بحسب مراقبين – رسالة واضحة لامتصاص العمالة التونسية الزائدة في المجال السياحي للإستفادة من خبرتها الكبيرة في هذا الميدان.
في الوقت الحاضر، يبدو جليا أن مسألة ارتفاع وتيرة الإستثمار السويسري ليست سوى مسألة وقت، لأن بإمكان الجزائر الترفيع في إنتاجيتها عن طريق الشراكة الدولية والمجهود الخاص في ظرف ثلاثة أعوام، كما أنه من المنتظر أن تسمح لها المنطقة الحرة المرتقبة مع سويسرا في السنوات الثلاث الأولى بتسويق المنتجات الزراعية التي بدأت كمياتها في الإرتفاع مثل الزيتون واللوز والحمضيات والتفاح.
وفي هذا السياق، لا يُستبعد اهتمام شركات سويسرية دولية بالقطاع الفلاحي الجزائري كما اهتمت به مؤخرا شركات أمريكية قررت إنتاج الحليب داخل الجزائر بقيمة استثمارية تقدر بمائة مليون دولار، فيما قررت شركات روسية إنتاج البطاطا في الجزائر بقيمة استثمارية تقدر بخمس مائة مليون دولار.
في المحصلة، لم تتمخض زيارة الوفد السويسري للجزائر عن نتائج ملموسة، إلا أن أهمية الوفد في حد ذاته وحجم الإهتمام الرسمي به، يؤكد أن قرارات هامة ستتخذ من طرف الجانبين في المستقبل القريب.
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.