المُدُن في بؤرة اهتمام المعونة السويسرية للتنمية

طبقاً لما ورد في إحدى الدراسات، ستشهد الصين حتى عام 2050 تركيب 30 مكيفاً للهواء كل عشر ثوانٍ. على سبيل المثال، زُوّد هذا المبنى السكني ذي الخمسة وعشرين طابقاً في المدينة الساحلية فوزهو بجنوب الصين بالفعل بـ 600 مكيّف. Imaginechina

لم يسبق في التاريخ أن عاشت كل هذه الأعداد من البشر في المدن والتجمعات الحضرية. فاليوم يبلغ عدد سكان المدن بالفعل أربعة مليارات نسمة، وحتى عام 2050 سيصبحون خمسة مليارات. فما الذي يجب عمله، حتى لا يؤدي التمدن إلى المزيد من اللامساواة وتلوث البيئة؟ تبحث المعونة السويسرية للتنمية عن إجابات.

هذا المحتوى تم نشره يوم 28 يونيو 2018 - 21:00 يوليو,
كريستينا شتوكي

ستشهد كل من الهند والصين حتى عام 2050 تركيب ثلاثين جهاز تكييف جديد كل عشر ثوانٍ. إلا أن النمو السريع المتزامن مع الإفتقار إلى التخطيط العمراني والهياكل المالية الضعيفة أو سوء الإدارة، يجعل من المدن أكبر سبب لتلوث البيئة في الحاضر. في الوقت نفسه تتزايد اللامساواة بين السكان: فالأحياء الفارهة تعيش جنباً إلى جنب مع الأحياء العشوائية.

إذن، فالتحدي المتمثل في تحقيق تمدن يأتي في صالح الجميع يُصبح هائلاً في الدول النامية والناشئة. إذ تنمو المدن هناك بسرعة فائقة، لا يكاد يتمكن التخطيط العمراني من مُجاراتها. فقبل 60 عاماً كان حوالي 15% فقط من سكان أفريقيا وآسيا يعيشون في المدن، ولكن بحلول عام 2050 سترتفع هذه النسبة لتصل إلى ما بين  60 و 65%، بينما ستزيد في عدة مدن عن هذه التقديرات بكثير.

تمثل "التنمية المستدامة للمدن والأرياف"، موضوع المؤتمر السنوي الذي تعقده الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون بالإشتراك مع أمانة الدولة للشؤون الإقتصادية يوم الجمعة 29 يونيو الجاري في العاصمة برن. وسوف يعرض المؤتمر كل من تشاد وجنوب أفريقيا كنموذجين للكيفية التي تناولت بها المعونة السويسرية للتنمية التحديات المختلفة في هذين البلدين وكيف أبقت على مكافحة الفقر في بؤرة اهتمامها.

صحيح أن الفقر يسود في المناطق الريفية بصفة خاصة، لكن هذا الإتجاه بصدد التغيّر. فهناك فقر يتزايد باستمرار حول المدن وداخلها

توماس غاس، من الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون

End of insertion

الفقر يؤدي إلى نمو المدن

أما في تشاد، وهي بلد يبدو أنها ستظل محافظة على طابعها الريفي في المستقبل، فإن الأمن الغذائي يشكل تحدياً كبيراً، خاصة نتيجة للتداعيات الخطيرة الناجمة عن الإحتباس الحراري.

في الأثناء، يُظهر نموذج جنوب أفريقيا التحديات التي يتوجب على المدن مواجهتها. فبخلاف أوروبا، فإن "التمدن لا يحدث هناك بدافع التوجّه نحو الصناعة، وإنما بسبب فقر الريف"، مثلما يقول سيتهول مبانغا، المدير التنفيذي لـ شبكة المدن الجنوب أفريقية. "نظرياً يؤدي التمدن إلى توفير فرص للعمل. لكن هذا ليس هو الحال في جنوب أفريقيا. فنحن لا نرى مزايا للتحضر على نفس النحو الذي يحدث في أوروبا. ففي جنوب أفريقيا، ينزح الكثير من البشر من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية، لكن حينما يصلون إلى هناك يُصابون بخيبة أمل".

على سبيل المثال، هل أن التخطيط العمراني في مدينة مثل جوهانسبرغ التي تشهد نمواً سكانياً شهرياً يصل إلى عشرين ألف نسمة مسألة مُمكنة؟ ترى دافوركا شيبرد أن هذا مُمكن فعلا. وبصفتها رئيسة لقسم التعاون والتنمية الإقتصاديين في ممثلية أمانة الدولة للإقتصاد السويسرية في بريتوريا، فإنها مسؤولة أيضا عن المشروع الذي يُنجزه البنك الدولي تحت مُسمّى "برنامج دعم المدن"، والذي يدعم ثمانية مدن كبرى في جنوب أفريقيا ويقدم لها المشورة.

"إن التخطيط العمراني الذي يغطي فترة زمنية تتراوح بين 20 إلى 30 عاماً يُعدّ أمراً ممكناً جداً"، بحسب قولها. "إلا أن الضغوط التي تمارس على المسؤولين عن المدن تعتبر هائلة: فلا بد أن يتماهوا يومياً مع المتطلبات الملحة، ويقوموا بتقديم الخدمات، ويديروا مشروعات ويُحافظوا في نفس الوقت على تقليص الميزانية".

مساكن على مد البصر في ضاحية "آلكساندرا" قرب مدينة جوهانسبرغ، حيث تنمو أكبر مدن جنوب أفريقيا ـ بحسب إحدى الدراسات ـ بمعدل يصل إلى عشرين ألف نسمة شهرياً. Getty Images

الإرتباط المتبادل

بصفة عامة يُعتبر التمدن المستدام أمراً ممكناً، إلا أنه يتطلب عدم النظر إلى المناطق الريفية والحضرية منفصلة عن بعضها البعض، وطبقاً لتصريحات كريغ هاتشر، الذي يعمل مستشارا لما يُعرف بالحوكمة (الإدارة الحكومية) لدى المؤسسة الإغاثية السويسرية "هيلفيتاس"، التي وضعت "خطة للتنمية الحضرية".

إن تزايد الارتباط المتبادل يغير الأدوار التقليدية لكل من المدن والريف، بحسب قول هاتشر. فمن ناحية لا تزال الزراعة تلعب دوراً هاماً في الريف، مثلما كانت من قبل، إلا أن هذا الدور تستكمله الصناعة وكذلك قطاع الخدمات في الحواضر. "من ناحية أخرى فإن هناك ممارسات ريفية مثل الزراعة، تجري كذلك في المناطق الحضرية وتساهم هناك أيضاً في تحقيق الأمن الغذائي".

ينص الهدف الحادي عشر للتنمية المستدامة على تصميم "المدن والتجمعات السكانية بصورة شاملة وآمنة وصلبة ومستدامة" حتى عام 2030. ففي عام 2017 قدم المجتمع الدولي من خلال "جدول الأعمال الحضري الجديد" رؤية لمدن ومجتمعات محلية مستدامة، يمكن لجميع سكانها على قدم المساواة الإستفادة من النمو الحضري. "فإذا ما تم تخطيط المدن وإدارتها بصورة جيّدة، فقد تصبح وسيلة فعالة للتنمية المستدامة، وهذا سواء في الدول النامية أم في الدول الصناعية"، بحسب النص الوارد في جدول أعمال المدن العالمية الجديد.

End of insertion

"كما أن تناول مسألة التمدن في السياقات المتباينة تماماً لكل من المدن والريف، يجري بصورة مختلفة"، يقول توماس غاس، نائب مدير الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون ومدير قسم التعاون مع دول الجنوب بها. "لذلك ينبغي أن تكون الإجابات محددة وملائمة لكل حالة".

تركز الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون على الفئات السكانية الأشد فقراً، سواء كانت تعيش في المناطق الريفية أم الحضرية، بحسب قول غاس. "صحيح أن الفقر يسود في المناطق الريفية بصفة خاصة، لكن هذا الإتجاه بصدد التغيّر. فهناك فقر يتزايد باستمرار حول المدن وداخلها".

فرصة لتحديث صورة بالية

في السياق، يُعتبر انخراط مؤسسة هيلفيتاس في المدن والتجمعات الحضرية فرصة "لتحديث الصورة البالية للتعاون من أجل التنمية"، كما يقول هاتشر. فبسبب "زحف الفقر نحو المدن"، أصبح من الضرورة بمكان تغيير هذه الصورة في أذهان الداعمين وتوفير موارد إضافية لدعم المبادرات الحضرية، ولكن بدون أن يحصل هذا على حساب سكان الريف المظلومين.

ويضيف هاتشر: "إننا ننظر إلى الارتباط بين المناطق الريفية والمناطق الحضرية كفرصة لتناول التنمية المستدامة بصورة أكثر فعالية، مما يخدم كل من سكان الريف وسكان الحضر، سواءً بسواء".

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة