“فيلة وسناجب”: فيلم يكشف صعوبة استرداد الكنوز الأثرية المنهوبة في سويسرا
يسجّل الفيلم الوثائقي "فيلة وسناجب"، الحائز على جوائز، للمخرج السويسري غريغور براندلي، اكتشاف فنانة سريلانكية لقطع أثرية منهوبة في مدينة بازل السويسرية، وسعيها لإعادتها إلى سريلانكا. ويسلط الضوء على صعوبة مواجهة سويسرا لتراثها المرتبط بالفترة الاستعمارية.
تسعى الفنانة السريلانكية دينيث بيوماكشي فيدا أراتشيغي، المقيمة في فرنسا، لتحقيق هدف محدد. فقد اكتشفت قطعًا أثرية مسروقة تعود إلى شعب ونييالا-إيتّو، أحد الشعوب الأصلية في سريلانكا (المعروف أيضًا بشعب الفيدا). وذلك في أرشيف متحف الثقافات، ومتحف التاريخ الطبيعي في مدينة بازل. ومن هنا، بدأت جهودها لإعادة هذه القطع الثمينة إلى موطنها الأصلي.
يوثق المخرج السويسري غريغور براندلي، في فيلمه التسجيلي الأول المُلهم، “فيلة وسناجب”رابط خارجي، الجهود الشاقة لاستعادة مقتنيات ثقافية. وتشمل هذه المقتنيات أعمالًا فنية مسروقة، وأقنعة احتفالية، ورفات بشرية، بالإضافة إلى رفات حيوانات، ما يفسر اختيار عنوان الفيلم اللافت.
لقد أصبحت مهمة المواطنة السيريلانكية كبيرة ومعقّدة، وقوبلت بتحفّظات وشكوك في الأوساط الفنية السويسرية. إذ حتى الآن، لم يواجه مسؤولو.ات المتاحف بشكل كامل ماضي سويسرا الاستعماري الخفي.
تحدّث الثنائي إلى سويس إنفو ( Swissinfo.chرابط خارجي) عن تعاونهما الممتد لسنوات، ومهمتهما المشتركة عقب مهرجان لايبزيغ الدولي للأفلام الوثائقية والرسوم المتحركة (DOK Leipzig)رابط خارجي لعام 2025. إذ حاز فيلم “فيلة وسناجب” على جائزة “الحمامة الفضية” لأفضل فيلم وثائقي طويل.لقد أصبحت مهمة المواطنة السيريلانكية كبيرة ومعقّدة، وقوبلت بتحفّظات وشكوك في الأوساط الفنية السويسرية، إذ لم يواجه مسؤولي.ات المتاحف بشكل كامل حتى الآن الماضي الاستعماري الخفي لسويسرا.
قوة روحية
وأوضحت بيوماكشي فيدا أراتشيغي إن “هذه ليست مجرد أشياء”، في إشارة إلى التراث السريلانكي الذي لا يُقدَّر بثمن، وقد نهبه ابنَا العمّ السويسريان بول وفريتز سارازين في أواخر القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين من سريلانكا، التي كانت تُعرف آنذاك باسم سيلان.
وأضافت: “لقد صُنعت بأيدٍ بشرية، وولدت من الحب والطاقة”. واستطردت قائلة: “على سبيل المثال، في العصور القديمة لم تكن الأقنعة المصنوعة يدويًا تُرتدى فحسب، بل كانت تخدم أغراضًا مهمة في العلاج، والطقوس، وتعزيز الهوية الثقافية. وكان على المرء الاعتراف بها أولاً وفقًا للتقاليد، قبل حصوله على الحق في ارتداء مثل هذه الأقنعة وأداء الطقوس. لذا، هذه القطع الأثرية في حدّ ذاتها كيانات مفعمة بالطاقة”.
وفي أحد مشاهد فيلم “فيلة وسناجب” الأكثر إثارة، ترتدي الفنانة قناعًا تقليديًا من الطقوس المدفونة في أرشيفات مدينة بازل؛ إنّها لحظة قوية للغاية. فللمرة الأولى منذ قرون، أتاح هذا الفعل للأبعاد الروحية للفنون المقدسة العودة لتتجلى من خلال شخص من أصول سريلانكية.
وحتى عندما يُحفَظ قناع كهذا بعناية في أرشيف أوروبي، ترى بيوماكشي فيدا أراتشيغي أنه يُسلب من طاقاته الروحية. وقالت: “تُهمَل هذه الصفات عندما يتعامل الباحث مع قطعة أثرية. فلا يراها سوى قطعة زخرفية بسيطة، ويضعها في سياق مختلف تمامًا. ويمكن تشبيه ذلك بإزالة قلب إنسان، والاحتفاظ به بعيدًا. عندما ارتديتُ ذلك القناع، شعرتُ بتردداته، لأنّه استعاد أخيرًا وظيفته الأصلية”.
وتصف الفنانة السريلانكية إحساسها، وهي تمسك لأول مرة جمجمة أحد أسلافها: “كما لو أنّ شخصًا يحدّثني في بُعد آخر، وبلغة أخرى”.
وتجسد هذه الإيماءات الرمزية بشكل مثالي الصراع الدائر في صميم فيلم “فيلة وسناجب”. وكيف يصطدم النداء العاطفي لفنانة تطالب باسترداد قطع أثرية، مع منطق المؤسّسات العلمي. وفي نهاية المطاف، ترغب هذه المؤسسات في مواصلة الاحتفاظ بها في أرشيفاتها باسم العلم، والحفاظ عليها.
الاصطدام بجدار
رغم تطوُّر عالم الفن ببطء للالتحاق بالنقاشات المتعلقة بمرحلة ما بعد الاستعمار، المبرِزة لأهمية استعادة المقتنيات الثقافية، موضوع ماتي ديوب المتناوَل بعمق في فيلمها الوثائقي الشعري، “داهومي” (Dahomey)، عام 2024، يوضّح فيلم “فيلة وسناجب” أنّ العمل الحقيقي يبدأ فقط بعد إجراء هذه المحادثات الأولية. وفي الواقع، كانت سريلانكا قد طالبت منذ السبعينات بإعادة بعض القطع. ولكن لم تستجب سويسرا لهذه المطالب أبدًا…
وفي الفيلم، تشارك بيوماكشي فيدا أراتشيغي في جلسات نقاش ومناظرات، لتكرار النقطة نفسها مرارًا؛ الكلام لم يعد كافيًا. وقالت: “في رأيي، يتّسم النقاش حول الاستعمار ومرحلة ما بعد الاستعمار، بقدر مبالغ فيه من الكلام الدبلوماسي والأكاديمي”. ونتيجةً لذلك، غالبًا ما يُهمَّش نهجها العاطفي، المؤدي لدورٍ جوهريٍّ في عملها كفنانة بصرية.
ألهم هذا الصدام براندلي لتصوير فيلمه الوثائقي الطويل الأول، بعنوان “فيلة وسناجب”. وبدافع الفضول لمعرفة كيف توجد كل هذه القطع الأثرية في الأرشيفات السويسرية ولماذا، لجأ إلى المؤرّخ السويسري برنهارد سي. شار، مؤلّفُ كتابٍ عن ابنَي العمّ سارازين، وحثّه على التواصل مع بيوماكشي فيدا أراتشيغي.
لقد اتّضح أنّ جهودها المُحبَطة في سويسرا كانت مادة استثنائية لفيلم وثائقي. وقال براندلي: “رغم استقبال دينيث في بازل بحفاوة، كفنانة، في البداية، فقد تلاشى ذلك الترحيب ما إن بدأت تطرح أسئلة أكثر إلحاحًا. واضطررتُ في مرحلة ما، إلى إجراء المقابلات في سويسرا بمفردي، لاصطدامنا بجدار لم يُسمح لدينيث بتجاوزه”.
العودة إلى المصدر
وفي المقابل، وجد براندلي نفسه ضائعًا في الترجمة حين غامر الثنائي بالذهاب إلى سريلانكا، حيث كانت بيوماكشي فيدا أراتشيغي هي من تمكنت من فتح الأبواب له. وتذكر ذلك قائلا: “دعانا فيمال، من السكان الأصليين وصحفي، إلى زيارة [قرية] دامبانا. وقال: “لا تتحدثوا فقط عن الماضي، بل تحدثوا أيضًا عن الصعوبات التي نواجهها اليوم”. وكانت تلك نقطة تحوّل بالنسبة إليّ. إذ شعرتُ برغبة قوية لدى الآخرين أيضًا في العمل على هذه القصة”.
ووسع الذهاب إلى سريلانكا نطاق فيلم “فيلة وسناجب”، الذي قالت بيوماكشي فيدا أراتشيغي: ”يتجاوز بكثير مسألة استرداد المقتنيات الثقافية“.
قالت بيوماكشي فيدا أراتشيغي: “نريد أيضًا رواية قصة شعب سريلانكا المعاصرة؛ من هم.ن، وماذا يحتاجون.ن، وماذا يحدث لهم.نّ”.
وقال براندلي: “إحدى الفلسفات التوجيهية كانت وجود سياق وتوافق في الآراء. ويتجسّد ذلك بشكل أساسي في أوروارِغي وانيلا أثّو، زعيم مجتمع الفيدا من السكان الأصليين.ات في قرية دامبانا. وقد رحب بالثنائي، وتحدث بإسهاب عن القيمة الشخصية للمقتنيات الثقافية المسروقة من أسلافهما.
ومع ذلك، حتى أثناء التصوير في سريلانكا، لم تكن بيوماكشي فيدا أراتشيغي تُصدّق تمامًا أنّ المغامرة التي كانت تخوضها بجانب براندلي، ستؤدي إلى إنتاج فيلم فعلي. وقالت: “كان الأمر يتعلق بتوثيق ما كان يحدث فقط. وكنّا نسجل كيف نجري بحثنا، ليس في الأرشيفات فقط، بل أيضًا في الحياة الواقعية. استقللنا القطارات، والطائرات، والتوك توك [وسيلة مواصلات شعبية]، والحافلات، ووثقنا باستمرار ما كان يحدث حولنا في الوقت الفعلي. وحين شاهدتُ الفيلم المُنجَز لأول مرة، رأيت كل هذه الطبقات، وكيف تباين واقعنا في الغرب مع ما عشناه في سريلانكا”.
وفي هذا السياق، وُلد فيلم “فيلة وسناجب” من خلال تعاون، قال براندلي إنّه “نشأ بشكل طبيعي، وكان ضروريًا طوال القصة بأكملها. إذ إنّ قدرتنا المشتركة على مدّ الجسور بين سريلانكا وبازل، هي التي سمحت بفتح كل هذه الأبواب المختلفة. وكان ذلك حاسمًا، لتشابُك مسألة استرداد المقتنيات الثقافية بعمق مع أنماط ثقافية محددة”.
شعر الاثنان بالدعم إثر الاستقبال الحار الذي حصل عليه فيلمهما الوثائقي في مهرجان لايبزيغ الدولي للأفلام الوثائقية والرسوم المتحركة. وأوضحت بيوماكشي فيدا أراتشيغي قائلة: “لاحظت كيف تفاعل الجمهور مع القصة”. وأشارت إلى أن “فنانًا كينيًا من الحضور صرح بعد العرض بأنه استلهم من الفيلم أفكارا كثيرة، وهو الآن يعمل على فيلم يتناول استرداد المقتنيات الثقافية. إذا كان فيلمنا يعكس تلك المواقف المماثلة حول العالم، فأعتقد أننا أننا أبلينا بلاءً حسنًا”.
المزيد
تحرير: كاثرين هيكلي وإدواردو سيمانتوب
ترجمة: أحمد محمد
مراجعة: عبد الحفيظ العبدلّي
التدقيق اللغوي: لمياء الواد
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.