ما الذي يعيق تدفّق قدر كاف من المساعدات الإنسانية إلى غزة؟
تقول منظمات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية إن المساعدات المقدمة إلى غزة منذ وقف إطلاق النار قبل شهرين قد زادت، لكنها لا تزال غير كافية. في 1 يناير، منعت إسرائيل 37 وكالة إنسانية من العمل في غزة.
ما الذي تضمّنه اتفاق وقف إطلاق النار، وما حجم المساعدات التي تدخل غزة حاليًا؟
تعهدت إسرائيل بإعادة السماح بدخول ما يصل إلى 600 شاحنة مساعدات يوميًا إلى قطاع غزة، وهو العدد نفسه الذي كان يدخل خلال فترة وقف إطلاق النار السابقة في يناير الماضي.
إلا أن منظمات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية تشير إلى أن هذه التعهدات لم تُترجم بالكامل على أرض الواقع، وأن المساعدات، رغم زيادتها الشكلية، لا تزال تصل بوتيرة بطيئة ومتقطعة، لا تتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية القائمة.
وفي هذا السياق، صرّح المدير العام لمنظمة الصحة العالمية (WHO)، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) في أواخر أكتوبر، بأن متوسط عدد الشاحنات التي كانت تدخل غزة يوميًا تراوح بين 200 و300 شاحنة. أما في الأسبوع الأول من ديسمبر ، فقد تراجع هذا الرقم إلى معدل وسطي لا يتجاوز 140 شاحنة يوميًا ضمن قوافل الأمم المتحدة، بحسب بيانات منظمات أممية.
ويشير نظام التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي (IPC)، وهو آلية دولية معتمدة لرصد مستويات الجوع، وانعدام الأمن الغذائي ومدعومة من الأمم المتحدة، في تقرير صدر في ديسمبر، إلى أن المجاعة التي أُعلنت في غزة خلال أغسطس قد انتهت رسميًا. غير أن منظمات الإغاثة تحذر من أن انتهاء المجاعة بوصفها تصنيفًا تقنيًا لا يعني زوال آثارها؛ إذ لا يزال سوء التغذية واسع الانتشار، وتبقى المضاعفات الصحية الناجمة عن الجوع المزمن، ونقص التغذية مصدر قلق بالغ.
ووفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، لم يحصل سوى 65% من سكان غزة على مساعدات غذائية خلال شهر نوفمبر.
كما تفيد منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” (UNICEF) بأن ثلثيْ الأطفال والطفلات دون سن الخامسة تناولوا.ن في أكتوبر أطعمة تقتصر على مجموعة غذائية واحدة أو مجموعتين فقط من أصل ثماني مجموعات غذائية أساسية، يُوصى بها لضمان النمو السليم، وغالبًا ما تمثلت هذه الأطعمة في الحبوب أو الخبز أو الدقيق.
ومع تعذّر تقديم الخدمات الصحية على نحوٍ شامل، ونقص إمدادات المياه الصالحة للشرب، وسوء شبكات الصرف الصحي، وما يترتب عليه من أخطار صحية وبيئية، تؤكد اليونيسف أن جميع الأطفال والطفلات البالغ عددهم.هنّ نحو 320 ألف طفل وطفلة دون سن الخامسة في قطاع غزة لا يزالون.ن عرضة لخطر سوء التغذية الحاد، وهو شكل من أشكال الحرمان الغذائي الذي يهدد الحياة، ويتطلب تدخلًا طبيًا عاجلًا.
في المقابل، نفى منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية (COGAT)، وهو الجهاز العسكري الإسرائيلي المسؤول عن التحكم في المعابر المؤدية إلى غزة، وجود قيود متعمدة على المساعدات باعتبارها ”تتعارض مع الحقائق على الأرض، والتنسيق المستمر الذي يجري يومياً“. وتقول إن ما بين 600 و800 شاحنة تحمل إمدادات إنسانية تدخل غزة يومياً.
في 1 يناير، قالت إسرائيل إن 37 وكالة إنسانية تقدم المساعدات في غزة لم تلتزم بالموعد النهائي لتلبية ”معايير الأمن والشفافية“، وسيتم حظرها من الأراضي.
المنظمات غير الحكومية الدولية، التي أُمرت بالكشف عن معلومات مفصلة عن موظفيها الفلسطينيين، ، ورفضت تلبية ذلك، سيُطلب منها الآن وقف عملياتها بحلول 1 مارس.
المزيد
نطاق المجاعة ينحسر في غزة لكن شبح الجوع يهدد مستقبل القطاع
كيف تصل المساعدات إلى غزة؟
تدخل المساعدات إلى قطاع غزة برًا عبر نقاط تفتيش خاضعة للسيطرة، إما من خلال إسرائيل أو عبر مصر. وخلال الحرب، شددت إسرائيل قبضتها على هذه المعابر، فأغلقتها كليًا أو جزئيًا، وفرضت قيودًا صارمة على نوعية المساعدات المسموح بمرورها، وكمياتها.
وعند توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، لم يكن متاحًا سوى معبرين حدوديين مفتوحين في جنوب قطاع غزة.
وفي هذا الإطار، تصرّح المتحدثة باسم اليونيسف، تيس إنغرام، لموقع سويس إنفو (Swissinfo.ch) : “لكي تكون عملية إيصال المساعدات فعّالة، ينبغي أن تكون جميع المعابر الحدودية مفتوحة بشكل دائم. وهذا الشرط يمثل اليوم أحد أكبر العوائق أمام العمل الإنساني في غزة”.
وتحت وطأة الضغوط الدولية المتزايدة الرامية إلى تحسين تدفق المساعدات الإنسانية، أعلنت (COGAT) في منتصف شهر نوفمبر المنصرم نيتها فتح معبر إضافي في شمال القطاع. غير أن منظمات الأمم المتحدة، والمنظمات غير الحكومية تؤكد أن هذه النية بقيت حبيسة الإطار النظري إلى حد بعيد، إذ إن معبرًا واحدًا فقط من معابر الجنوب يعمل في كل يوم. وتوضّح إنغرام قائلة: “في اليوم الذي يُفتح فيه أحد المعابر، يُغلق الآخر”.
ولا يزال معبر رفح، وهو المنفذ الوحيد للفلسطينيين.ات الراغبين.ات في مغادرة غزة، وأحد أهم الشرايين الحيوية لإدخال المساعدات الإنسانية، مغلقًا بالكامل أمام مرور شحنات الإغاثة.
وعلى الرغم من أن اتفاق وقف إطلاق النار ينص على فتحه الكامل، فقد ربطت إسرائيل ذلك بتسليم حركة حماس جثامين الرهائن، والرهينات الإسرائيليين.ات الذين واللاتي ما زالوا.ن محتجزين.ات لديها.
وفي الثالث من ديسمبر، أعلنت إسرائيل أنها ستفتح معبر رفح من جانب واحد أمام الفلسطينيين.ات الراغبين.ات في مغادرة القطاع لتلقي العلاج الطبي، غير أن مصر رفضت العمل بهذا الإجراء الأحادي، مؤكدة أن فتح المعبر يجب أن يتم في الاتجاهين.
رقابة مشددة وإجراءات مُنهِكة
تخضع جميع السلع التي تسعى الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية إلى إدخالها إلى قطاع غزة لرقابة صارمة من قبل السلطات الإسرائيلية. وقد تمتد عملية تنظيم إيصال المساعدات أسابيع أو حتى أشهر، بحسب ما أفاد به موظف في إحدى المنظمات غير الحكومية لموقع سويس إنفو، فضّل عدم الكشف عن هويته.
وتُلزم السلطات الإسرائيلي المنظمات بإعداد قوائم تفصيلية بالمواد المراد إدخالها قبل شرائها، ثم إعداد قوائم إضافية بالشاحنات الناقلة، تخضع بدورها لسلسلة من الموافقات الرسمية المتعددة.
كما تحظر السلطات الإسرائيلية إدخال السلع المصنفة على أنها “مزدوجة الاستخدام”، أي تلك التي يمكن أن تُستخدم لأغراض مدنية وعسكرية في آن واحد، فضلًا عن مواد لا تعترف بها كمساعدات إنسانية.
المزيد
عشر دول تحذر من استمرار الوضع الإنساني “الكارثي” في غزة
ووفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ، رُفض نحو 10% من طلبات إدخال المساعدات في شهر أكتوبر 2025 لهذا السبب. وشملت المواد المرفوضة سلعًا مثل اللحوم المجمدة، والمبيدات الحشرية، والمركبات، ومواد البناء. كما تؤكد إنغرام أن إدخال المستلزمات المدرسية ظل مستحيلًا لأشهر، لأن إسرائيل لا تصنفها ضمن “المواد الأساسية”.
وتخضع الشاحنات لفحص إضافي عند المعابر الحدودية، وقد تُرفض في هذه المرحلة لأسباب إجرائية طفيفة. وتوضح إنغرام: “أحيانًا تُرفض الشحنات لأن حجم العبوة يختلف اختلافًا بسيطًا عمّا ورد في القوائم المعتمدة”.
وفي حال رُفض أحد الأصناف، تُمنع الشاحنة بأكملها من العبور، ويُطلب تفريغها وإعادة فحصها من جديد.
تسجيل المنظمات غير الحكومية شرط إلزامي للعمل في غزة
في شهر مارس من العام الماضي، أقرت الحكومة الإسرائيلية إرشادات جديدة تُلزم المنظمات غير الحكومية بعدم العمل أو الارتباط بأشخاص يدعون إلى مقاطعة إسرائيل أو يطالبون بملاحقة جنود وجنديات إسرائيليين.ات جنائيًا. كما فرضت إعادة تسجيل جميع المنظمات، بما فيها تلك التي كانت تحمل تصاريح سابقة.
وفي شهر أكتوبر، رُفضت 10% من المساعدات لأن المنظمات المعنية لم تكن مسجلة رسميًا في إسرائيل.
إضافة إلى ذلك، تطالب السلطات الإسرائيلية المنظمات بتقديم قوائم تتضمن معلومات شخصية عن موظفيها وموظفاتها، ولا سيما إذا كانوا.نّ فلسطينيين.ات، وهو ما تتردد المنظمات غير الحكومية في الامتثال له. ويقول أحد موظفي.ات إحدى هذه المنظمات، في حديثه إلى موقع سويس إنفو: “لا يمكننا القيام بذلك. نحن لا نزوّد أيًّا من طرفَي النزاع بأسماء موظفينا وموظفاتنا”.
وقد فضّل المصدر الذي تحدث عن الصعوبات التي تواجه إيصال المساعدات، عدم الكشف عن هويته. وبسبب إجراءات التسجيل المعقّدة والمُرهِقة، أصبحت منظمته، شأنها شأن منظمات أخرى، أكثر ترددًا في توجيه انتقادات علنية للحكومة الإسرائيلية.
وفي شهر مايو، أصدرت 55 منظمة إغاثة بيانًا مشتركًا حذرت فيه من أن إجراءات التسجيل الجديدة تهدد جوهر العمل الإنساني ذاته، مؤكدة أن “هذه التدابير ليست إجراءات روتينية، بل تمثل تصعيدًا خطيرًا في القيود المفروضة على العمل الإنساني وعلى الحيز المدني، أي المجال المتاح للمجتمع المدني للعمل بحرية واستقلال”.
تحرير: فيرجيني مانجان
ترجمة: جيلان ندا
مراجعة: عبد الحفيظ العبدلّي
المزيد
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.