تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

إعادة انتشار تحسّـبا لكل الاحتمالات

وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد في الندوة الصحفية التي عقدها يوم 29 أبريل 2003 مع نظيره السعودي في الرياض إثر الإعلان عن سحب القوات الأمريكية من المملكة العربية السعودية

(Keystone)

على الرغم من أن أصوات الرصاص لا زالت تدوي من حين لآخر في العراق، لم تنتظر قيادات وزارة الدفاع الأمريكية طويلاً

فاستناداً على ما يوجد من توافق حول خطوط عامة لخطة لا تزال قيد البحث في البنتاغون، بدأت عملية واسعة النطاق لإعادة ترتيب أوضاع القوات الأمريكية في منطقة الخليج.

إن عملية إعادة ترتيب أوضاع القوات الأمريكية في الخليج تعتمد على "مبدأ"، كان وزير الدفاع دونالد رامسفيلد قد بدأ بطرحه قبل وقوع هجمات 11 سبتمبر 2001 بشأن "إعادة تنظيم أوضاع القوات الأمريكية العاملة خارج الولايات المتحدة الأمريكية".

وفي ذلك السياق، طرحت وقتها أفكار بشأن تخفيض أعداد القوات الأمريكية في شرق آسيا، وسحب القوة الأمريكية المشاركة في عملية "حفظ السلام " « MFO » في شبه جزيرة سيناء، إلا أن عقبات مختلفة حالت دون ذلك.

لكن تطبيق هذا المبدأ حاليا في الخليج يرتبط، إضافة إلى خلفيته السابقة، بحقائق ما بعد الحرب على العراق، في ظل قدرة غير محدودة لرامسفيلد على تحويل تصوراته إلى واقع.

فالعراق، الذي كان مصدر التهديد الرئيسي لمصالح الولايات المتحدة في الخليج، قد انتهى اليوم، بحيث أصبحت المنطقة، حسب تصريحاته، أكثر أمناً. كما تمت عملية إسقاط النظام العراقي واحتلال العاصمة بغداد بقوة عسكرية برية محدودة وفي زمن قياسي، وبخسائر بشرية يمكن اعتبارها "صفراً"".

وفي إطار ذلك، بدا من التصريحات الصادرة عن المسؤولين في البنتاغون، والتي تزامنت مع بداية عملية ترتيب أوضاع القوات فعلياً، أن التفكير يتجه نحو "عملية شاملة" تتضمن ثلاثة اتجاهات فرعية هي: تقليص حجم الوجود العسكري الأمريكي، وإعادة نشر (تمركز) القوات التي سيتم الإبقاء عليها، وإعادة هيكلة التشكيلات العسكرية العاملة في المنطقة خلال الفترة القادمة.

حجم القوات

بالنسبة للحجم، كان ثمة إدراك دائم لدى المسؤولين الأمريكيين بوجود تناقض كبير بهذا الشأن في الخليج. فهناك حساسية من جانب بعض الدول كالسعودية بشأن "التواجد كبير الحجم" للقوات الأمريكية بها، أو بصورة أدق "الظهور الواضح" لها على نحو أدى إلى نشرها في قواعد منعزلة نسبياً، والحد من الاحتكاك بالمواطنين.

في المقابل، يؤدى تقليص حجم القوات الأمريكية إلى بروز قلق لدى بعض الدول إزاء مدى الالتزام الأمريكي تجاه أمنها، في ظل وجود تصورات مختلفة لدى بعض العواصم الخليجية بشأن "مصادر تهديد" أمنها الخاص.

وتشير الاتصالات التي جرت بهذا الشأن بين المسؤولين الأمريكيين والخليجيين خلال الفترة القصيرة الماضية، إلى توجه أمريكي واضح لإشراك العواصم الخليجية في مشاورات إعادة ترتيب أوضاع القوات، بحيث يتم ذلك "عبر تفاهمات متبادلة" في ظل التأكيد على أن القوات الأمريكية ستبقى في المنطقة، وأن التقليص سوف يعتمد على مبدأ "الخفض"، وليس سحب القوات، إضافة إلى أن ذلك سيتم بشكل تدريجي، وليس مفاجئ، وعبر تقييم مستمر للأوضاع الأمنية في الخليج.

ومن الناحية العملية، يرتبط تقليص الحجم بخفض أعداد القوات، وخفض أعداد القواعد. وتشير التصريحات الأمريكية إلى أن ما سيحدث هو "خفض كلي لمستويات كل القوات"، سواء البرية أو الجوية أو البحرية التي بدأ سحب وحدات منها بالفعل، كما أن الخفض سيشمل كل الدول كالسعودية (التي تم إنهاء الوجود العسكري الأمريكي فيها)، والكويت وعُـمان وقطر والبحرين والإمارات العربية.

أما خفض القواعد، فإنه يرتبط عادة بإغلاق بعضها أو تقليص حجمها على نحو ما يثار منذ فترة بشأن إعادة ترتيب أوضاع القوات الأمريكية في أوروبا. وقد تم إغلاق قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية عمليا.

وتكتسب إشارات رامسفيلد حول "قواعد العراق" دلالة ما في هذا الاتجاه كذلك، في الوقت الذي بدأ فيه الاعتماد على قيادة العمليات الجوية " المحدودة" بقاعدة العيديد القطرية بدلاً من مركز العمليات الجوية الضخم (الذي كان يمكنه إدارة عمليات تشمل 3000 طلعة يومياً) في قاعدة الأمير سلطان الجوية. أخيرا قد يتم تقليص عدد القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة في الكويت.

نشر القوات

على صعيد آخر، تتسم مسألة إعادة نشر أو تمركز القوات الأمريكية بقدر أكبر من الوضوح. فعلى الرغم من أن الجنرال تومي فرانكس يشير إلى أنها لا تزال قيد الدراسة، فيما يتعلق باختيار "الأماكن" التي تحقق أقصى عائد عسكري، فإن التصريحات غير الرسمية الصادرة عن مسؤولي البنتاغون بشأن معايير نشر القوات تشير إلى محددات واضحة لذلك، أهمها:

- مستوى المشاعر المعادية للولايات المتحدة الأمريكية في الدول المستضيفة.

- مدى سماح "الدول المستضيفة" بحرية حركة القوات البرية والجوية في استخدامها لأراضيها.

- حجم الاستثمارات المالية العسكرية التي تم إنفاقها (من قبل) في كل موقع.

- الأهمية " الجيوسياسية" للدولة المضيفة.

وقد أوضحت التفاعلات التي أحاطت بعملية نقل مركز العمليات الجوية التابع للقيادة المركزية من السعودية إلى قطر أهمية تلك المعايير في تحديد اتجاهات رياح نشر القوات، كما هو واضح في مسألة المشاعر الداخلية المعادية، والسماح باستخدام القواعد في العمليات الحربية، في الوقت الذي يتم التجاوز فيه عن بعضها، كالإنفاق المالي في ظل وجود تصور أمريكي بأن قاعدة "العيديد" في قطر أكثر ملاءمة من الناحية السياسية على المدى الطويل، مع أهمية المعيار الأخير في استكشاف اتجاهات التفكير في البنتاغون بشأن "عمل القوات" في المستقبل.

فاتجاهات إعادة نشر القوات في اتجاه الكويت والعراق تشير بوضوح إلى اقتراب من إيران وسوريا، ولو عبر الاحتفاظ بقوة قريبة تتيح خياراً عسكرياً نظرياً يعمل طوال الوقت لدعم الضغوط السياسية العنيفة ضد الدولتين، مع ضبط الأمور بين دول الخليج ذاتها.

هيكلة القوات

ولا توجد في هذا السياق اتجاهات شديدة التحديد بشأن إعادة هيكلة القوات في الخليج، لكن خبرة الحرب وتقارير البنتاجون، والتصريحات القليلة الصادرة، تشير إلى احتمالات حدوث عملية خفض واسعة النطاق في عدد " القوات غير المقاتلة" العاملة ضمن أفرع الوحدات المختلفة، خاصة وأن حجم "المتعاقدين الفنيين"، وهم من المدنيين أساسا يصل إلى ما بين 25 و30% من قوة الجيش الأمريكي.

يضاف إلى ذلك أنه قد يتم إبدال وحدات المدرعات (الدبابات) الضخمة، كما يحدث في ألمانيا، بوحدات عسكرية أصغر حجماً، وأخف حركة، مجهزة بعربات مدرعة أخف وزناً مع أسلحة متطورة.

لذلك، فإن القواعد العسكرية قد تتحول خلال الفترة القادمة إلى "قواعد معدات عسكرية" وليس " قواعد قوات مسلحة"، أي أنها ستكون قواعد مجهزة بمراكز قيادة وسيطرة واتصال، ومخازن ذخيرة، وأنظمة تسليح رئيسية ومواقع تموين في الأساس مع قوات محدودة العدد يمكن إجراء عملية نقل وتدعيم واسعة لها وقت الحاجة بشكل سريع لمواجهة حالات الطوارئ.

معادلة جديدة

إن التشكيل الذي سيتم على أساسه إعادة ترتيب الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، سوف يعتمد على الأرجح، على صيغة وسط بين ما كان يعرف باسم قوات الانتشار السريع قبل حرب الخليج الثانية (1991)، وبين الهيكل "الديناصوري" الضخم للقيادة المركزية.

لكن المسألة برمتها لا تبدأ وتنتهي عند جوانبها العسكرية. فمع تحول خريطة الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، سوف تتحول المعادلات الحاكمة لشكل العلاقات والتحالفات الاستراتيجية الأمريكية فيها.

فعلى الرغم من الحرص الشديد الذي أحاط بالتصريحات الأمريكية - السعودية خلال عملية إنهاء الوجود العسكري الأمريكي في قاعدة الأمير سلطان الجوية، والذي تم، حسب ما قيل، باتفاق الجانبين بفعل عدم وجود حاجة لبقاء القوات، لم يتمكن الطرفان من إخفاء أن ما حدث "شيء كبير" (لا يتردد البعض في وصفه بالتصدع) بينهما.

د. محمد عبد السلام – القاهرة


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×