تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

الإتحاد الأوروبي يُحاول مُـواكبة الثورات العربية.. لكن شيخوخته تخذله

بقلم

يُتابع الإتحاد الأوروبي بانتباه شديد التطورات الجارية في جواره العربي لكن انشغالاته الأساسية لا زالت متركزة على الأمن والهجرة.

عندما انتَـصرت أول ثورة شعبية على نظام استبدادي في الضفة الجنوبية للبحر المتوسط مطلع العام الجاري، فرك السياسيون الأوروبيون عُـيونهم متسائلين: هل تغير الشرق الذي لم نكُـن نرى فيه سوى موئل للإستبداد ومرتع لانتهاكات حقوق الإنسان؟

اجتمع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل بعد أسبوعين من تقويض نظام الحليف المُـزعج زين العابدين بن علي، في إطار الدورة العادية لمجلس الشؤون الخارجية الأوروبي، وأشادوا برغبة التونسيين في إقامة "نظام ديمقراطي مُـستقِـر ودولة قانون وتعدُّدية سياسية، في كَـنَـف الاحترام الكامل لحقوق الإنسان والحريات الأساسية".

كانت هذه الجملة تُلخِّـص وتُكثِّـف رُؤية الأوروبيين للوضع الذي يتمنَّـون أن تَـؤُول إليه الأوضاع في بلدان الضفة الجنوبية، أقلّـه من خلال خطابهم الرّسمي، على أمل الانتقال إلى "المنزلة المتقدِّمة من الشراكة"، التي تنص الاتفاقات الثنائية على أنها سقْـف العلاقات بين الاتحاد وبلدان الحوض المتوسطي، على خلاف بلدان البلقان أو تركيا مثلا، التي فتحت في وجهها أبواب العضوية الكاملة للاتحاد.

خطاب جديد

ومع تمَـدُّد الشَّـرارة الثورية غربا نحو مصر فليبيا ثم سوريا، باشر الأوروبيون مراجعة خطابهم السابق وإعداد رُؤية تتكيَّـف مع الخريطة الجديدة، مفادها التَّـحفيز على الإصلاحات السياسية والاقتصادية، إن بواسطة ثورات سِـلمية أم بإصلاح تدريجي.

لكن المعروض لم يتغيَّـر جوهريا، فسقفه ظلّ دوْما "المنزلة المتقدِّمة" وليس أكثر، وهذا ما تضمَّـنه بشكل واضح بيان وزراء خارجية الاتحاد في أول اجتماع لهم بعد الثورة التونسية. أكثر من ذلك، أعلنت الرئاسة البولندية للاتحاد الأوروبي مطلع الشهر الجاري، أن المفاوضات بين الاتحاد وتونس من أجل مَـنح الأخيرة "المنزلة المتقدِّمة"، لن تُستأنف إلا بعد استكمال انتخابات المجلس التأسيسي المقرَّرة في الثالث والعشرين من أكتوبر المقبل. وعزا كريستوف أولندسكي، السفير البولندي في تونس في تصريح لـ swissinfo.ch سبب تأجيل التوقيع على الاتفاق إلى أنه يحتاج لوُجود حكومة مُـنتخبة شرعيا في الجانب التونسي.

غير أن نائب رئيس بِـعثة الاتحاد الأوروبي في تونس الألماني ديرك بودا قال لـ swissinfo.ch: إن إرجاء التَّـوقيع لم يمنَـع الإتحاد من زيادة الهِـبات الممنوحة لدعم الإصلاحات الاقتصادية والإجتماعية في تونس من 80 مليون يورو في العام الماضي إلى 140 مليونا في السنة الجارية، وكأن هذه الزيادة مكافَـأة على إنجاز الثورة.... 

أتت هذه الدّفعة القوية للعلاقات الثُّـنائية بعد تعثُّـر المفاوضات بين الجانبيْـن، التونسي والأوروبي، في آخر جلسة عقداها قبل الثورة التونسية والتي استضافتها بروكسل في الحادي عشر من مايو الماضي، بسبب ملف حقوق الإنسان الشائك، الذي تزود ممثلو بن علي بتوجيهات صارمة تخُـص رفض أيّ تنازل في شأنه للأوروبيين.

ومع انهيار النظام السابق، هوت تلك العراقيل، بل أن الحكومة الانتقالية التي يقودها الباجي قائد السبسي مهَّـدت السبيل للحكومة المقبلة (المُـنتخبة) بالتصديق على وثائق المحكمة الجنائية الدولية ووثائق أخرى تخُـص حماية حقوق الإنسان يوم 29 يونيو الماضي. وأثنت كاثرين أشتون، وزيرة خارجية الاتحاد على تلك الخطوة، مُعبِّـرة عن ارتياحها لذلك التصديق.

كرواتيا قبل العرب

لكن عمليا، يبدو أن الأوروبيين سيكونون مشغولين باستكمال ترتيبات انضمام كرواتيا إلى الاتحاد قبل نهاية العام الجاري، بوصفها العُـضو الثامن والعشرين، أكثر من اهتمامهم بتطوير العلاقات مع بلدان الضفة الجنوبية للمتوسط. أما تركيا فصارت المفاوضات حول انضمامها للاتحاد نوعا من النقاشات البيزنطية. من هذه الزاوية، تبدو أهمية الضفة الجنوبية للمتوسط في تراجُـع.

غير أن ديرك بودا، نائب رئيس بِـعثة الاتحاد الأوروبي في تونس نفى في تصريح لـ swissinfo.ch أي تراجُـع للأهمية التي يُـوليها الاتحاد لتلك المنطقة، واستَـدلّ بتبنِّـي المفوضية الأوروبية إعلاناً حول الميزانية الخاصة بإطار العمل المالي للفترة 2014 - 2020. وبموجب هذا الإعلان، سيتِـم تخصيص إجمالي 16.1 مليار يورو لآلية الجوار الأوروبية (European Neighborhood Instrument).

وبناءً على ذلك، سيزيد التمويل الجديد لسياسة الجوار الأوروبية بأكثر من 40% عن التمويل الموجَّـه لآلية الجوار والشراكة الأوروبية القديمة (ENPI) والذي يُـقدَّر بحوالي 11.4 مليار يورو، وهو يُـغطي الفترة المالية الحالية 2007 - 2013.

وكان لافتا للنظر، أن ستيفان فولي، مُـفوِّض التوسع وسياسة الجوار الأوروبية قال يوم 30 يونيو الماضي، تعليقا على تلك الخطوة: "اقترحت المفوضية اليوم زيادة التمويل الموجَّـه إلى سياسة الجوار الأوروبية بحوالي 4.7 مليار يورو (لأننا) على اقتناع بأن دعم الاتحاد الأوروبي لشُـركائنا في الجنوب والشرق، هو أمر جوهري لضمان نجاح عملية التحوُّل الديمقراطي وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية".

ويمكن القول أن السياسة الأوروبية تُـجاه البلدان المتوسطية المجاورة، باتت تتشكَّـل اليوم من عنصريْـن، أحدهما يمثل الثوابت الكُـبرى، والثاني المتغيِّـرات التي فَـرَضها انبلاج فجْـر الثورات الشعبية في المنطقة، بهذا المعنى، سوف تستمِـرُّ آلية الجوار الأوروبية المستقبلية في تقديم الجُـزء الأكبر من التمويل لدول الجوار، عن طريق برامج التعاون الثنائية والإقليمية والعابِـرة للحدود أساسا، لكنها ستعطي ميزات أكبر للدول التي تَـقدُم على إصلاحات سياسية واقتصادية، مع إقرار حوافز لصالحها ووضع شروط أكثر صرامة على الشركاء الذين سيتمتَّـعون بتلك الامتيازات.

وانسجاما مع التصوُّر الجديد لسياسة الجوار الأوروبية، ستُـركِّـز آلية الجوار الأوروبي المستقبلية في الفترة المالية القادمة (2014 - 2010) على خمسة محاور، حسبما قال أحد الخبراء الأوروبيين، هي تعزيز الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بلدان الجوار ودعْـم التقارب مع سياسات ومعايير الاتحاد الأوروبي وتقوية اتصال الناس مع بعضهم البعض وتسريع تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية.

اتحاد افتراضي

لا يكتفي الأوروبيون بآلية الجوار، وإنما يعرضون على بلدان الضفة الجنوبية للمتوسط آلية موازية، تتمثل في "الاتحاد من أجل المتوسط"، الذي وُلِـد مَـيِّـتا في باريس في مثل هذا الشهر من سنة 2008، لكن الأوروبيين وخاصة الفرنسيين، يبذُلون جهودا مكثَّـفة لضخِّ دماء جديدة في شرايينه. وشكَّـل اختيار المغربي يوسف العمراني أمينا عاما جديدا للاتحاد في مكان الأردني أحمد مساعدة مؤخرا،  خطوة لافتة في هذا الاتجاه.

ولوحظ أن العمراني شَـرع في جولة على البلدان الأعضاء في الاتحاد، للبحث عن الوسائل الكفيلة بإخراجه من الشَّـلل الذي تردَّى فيه بفعل تداعيات الصِّـراع العربي الإسرائيلي. ويُعزى اختيار دبلوماسي مغربي لخلافة زميله الأردني، إلى أن حكومتَـيْ البلدين تحتفظان بعلاقات جيِّـدة مع الدولة العِـبرية، التي أسنِـد لها أحد مقاعد الأمناء العامين المساعدين للإتحاد.

صحيح أن بيانات الاتحاد الأوروبي ووثائقه تحرص على ذِكر "الاتحاد من أجل المتوسط"، لكن الجميع يعلم أنه ما زال هيكلا افتراضيا، وهذا ما يجعل عرب الضفة الجنوبية للمتوسط يُشيحون ببصرهم عَـماَّ يُسمُّـونه "اتحاد ساركوزي" ويتطلَّـعون إلى فضاءات أخرى. وشكك سمير العيطة، الاقتصادي السوري في جدوى الشراكة المتوسطية نفسها، إذ أشار إلى أن اعتبار بُـلدان مثل تونس أو المغرب مصانِـع لأوروبا، ضربٌ من المبالغة، وإلا لَـما وجدنا نِـسب بطالة في تلك البلدان تصِـل إلى 20% وتجارة موازية مزدهِـرة.

واعترف العيطة، الذي يُدير الطبعة العربية لمجلة "لوموند ديبلوماتيك" الفرنسية، في تصريح  لـ swissinfo.ch بوجود قطاع صناعي صغير يقوم بالتصدير إلى أوروبا، مُحتمِـيا بالامتيازات الجبائية الممنوحة للمستثمرين الأجانب. وأوضح أنه يمكن أن يُـساهم في تحقيق التّـنمية، لو حصل نقل للتكنولوجيا إلى المناطق الداخلية واجتراح درجة جيدة من الاندماج.

وذهب إلى أبعَـدَ من ذلك، مُعتبرا أن "على البلدان العربية المتوسطية أن تُيَـمِّـم وجهها صَـوْب الصين وإفريقيا وأمريكا في السنوات الخمس المقبلة، بالنظر إلى أن أوروبا باتت مريضة وتُـعاني من الشيخوخة وتُـعادي المهاجرين وتجنح نحو اليمين". واستدل بأن الشركات التركية صارت تنشط في إفريقيا الجنوبية.

وبحسب العيطة، حلم العرب، بعد اندلاع الثورات، بإطلاق خطة مارشال، على غِـرار تلك التي استفادت منها أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية لإعادة البناء، إلا أن أوروبا عاجِـزة اليوم عن القيام بعملية بهذا الحجم. وكل ما تقدر عليه هو "محاولة تفعيل "الاتحاد من أجل المتوسط" أو المصرف الأورومتوسطي، الذي يلتقط الدُّيون العمومية للبلدان العربية، ليضعها في السوق الدولية، وهي مجرَّد لُـعبة مالية ولا تمتُّ للتنمية بصلة". وشدّد العيطة على أن مستوى التنمية في أوروبا، سيكون متواضعا خلال السنوات العشر المقبلة، مما يجعلها أبعد من أن تكون مُحرِّكا للتنمية في البلدان العربية.

وعلى رغم إعلان الأمين العام الجديد لـ "الإتحاد من أجل المتوسط"، موقفا مُغايرا، مؤكِّـدا أن الإتحاد يستمع إلى صدى الثورات العربية ويرى أن التنمية لا تسير إلا بالتوازي مع الديمقراطية، مثلما كان الحال في أوروبا، فإن قليلين يُشاطرونه هذا الرأي، وأقل منهم من يعمَـلون في ذلك الاتجاه.

أمين عام الاتحاد من أجل المتوسط يريد المشاركة في "الربيع العربي" بفاعلية

يوم الثلاثاء 5 يوليو 2011، أكد يوسف عمراني، الامين العام الجديد للاتحاد من اجل المتوسط، في مدريد المبادرة التي نشأت في الاصل لإيجاد دينامية سلام في الشرق الأوسط، أن الاتحاد يريد المشاركة في "الربيع العربي" بفاعلية، لكن من دون "أن يعطي شهادات بالديمقراطية".  وقد تسلم عمراني مهامه نفس اليوم في برشلونة في حضور وزير الخارجية الفرنسية ألان جوبي، الذي دعمت بلاده هذا الترشيح.

وقال عمراني، الذي شغل حتى الآن منصب الأمين العام لوزارة الخارجية المغربية، في مقابلة مع صحيفة آل بايس، "في عام 2008 (عندما تأسس الاتحاد من أجل المتوسط)، كان الوضع مختلفا تماما. أما اليوم، فإن الإصلاحات والتحديث الديمقراطي، هما موضع اهتمام في معظم بلدان" هذه المنطقة. وأكد أن "الاتحاد سيعمل ويقترح مشاريع فيما يتعلق بالديمقراطية والمجتمع المدني".

لكن حيال القمع التي تمارسه بعض الدول، مثل سوريا، "ليس للاتحاد من أجل المتوسط ولا لأي منظمة دولية أن تعطي شهادات في الديمقراطية. إن الحقبة التي كان بإمكان أوروبا أن تملي فيها معايير قبول بلد، قد ولّـت".

وعندما سُـئل عن "مشروعه الأول" في هذا المنصب، أجاب الدبلوماسي المغربي "توطيد المؤسسة، وأن تكون مفيدة ومحترمة وأن تنفذ سياسات ومشاريع، لكي يصبح الفضاء الأوروبي المتوسطي واقعا".

وتابع أن "الاندماج الإقليمي والديمقراطية، ينبغي أن يكونا متلازميْـن في (منطقة) المتوسط، كما كان الحال في أوروبا"، وفي هذا المجال "يمكن للاتحاد من أجل المتوسط أن يمارس دورا هاما".

وفيما يتعلق بالنزاع العربي – الإسرائيلي، قال عمراني إن "الاتحاد ليس الإطار للتفاوض بشأن السلام، بل هو مكان الالتقاء الوحيد بين جميع أطراف النزاع".

وفي المناسبة نفسها، قال جوبي، إن الاتحاد من أجل المتوسط يبدو بمثابة "مبادرة منذرة" بالربيع العربي. وأضاف أن الربيع العربي "يظهر إلى أي حدٍّ وِحدة مصيرنا حول المتوسط عميقة، وكم من الضروري إعداد مشروع يشجع التضامن وتحقيق إنجازات مشتركة من أجل تحسين الحياة اليومية للمواطنين".

وقد أنشِـئ الاتحاد من أجل المتوسط في 13 يوليو 2008 ويعد 43 عضوا، بينهم خصوصا دول الاتحاد الأوروبي وتركيا وإسرائيل والدول العربية الواقعة في حوض البحر المتوسط.

وتطمح هذه المنظمة إلى إعطاء دفع جديد للتعاون الأوروبي المتوسطي، الذي أطلِـق في 1995 في برشلونة وبقي حِـبرا على ورق.

(المصدر: وكالة الصحافة الفرنسية أ. ف. ب. بتاريخ 5 يوليو 2011).

نهاية الإطار التوضيحي

swissinfo.ch


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×