The Swiss voice in the world since 1935
أهم الأخبار
أهم الأخبار
نقاشات
أهم الأخبار
النشرة الإخبارية

مصر تواجه شح المياه… والأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر عالميًا

ريتنو مارسودي
ريتنو مارسودي، المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لشؤون المياه منذ نوفمبر 2024. وهذه وظيفة جديدة ضمن منظومة الأمم المتحدة. SWI swissinfo.ch / Dorian Burkhalter

تسعى ريتنو مارسودي، أوّل مبعوثة خاصة للأمين العام للأمم المتحدة لشؤون المياه، إلى إقناع الدول الأعضاء بوضع هذا المورد الحيوي على رأس أولوياتها السياسية، وتدعو بهذه المناسبة إلى التعاون. وقد أجرى صحفي "سويس إنفو" معها حوارًا في جاكرتا.

نقص المياه، الفيضانات، التلوث… قائمة التحديات طويلة”، هكذا تُقرّ ريتنو مارسودي، المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لشؤون المياه، عندما سألناها عن أبرز ما يقلقها، على هامش منتدى عُقد في أحد فنادق وسط جاكرتا.

في سبتمبر 2024، عيّن أنطونيو غوتيريش وزيرة الخارجية الإندونيسية السابقة كأوّل شخص  يشغل هذا المنصب الجديد. وقد أُنشئ في أعقاب مؤتمر الأمم المتحدة حول المياه، المنعقد في مارس 2023 في نيويورك.

وتوضّح مارسودي: “عندما عرض عليّ الأمين العام هذا الدور، كان بالطبع شيئًا جديدًا بالنسبة لي. أنا دبلوماسية، ولست خبيرة في شؤون المياه. لكنني قلت لنفسي، الماء ضروري لكل كائن حي، للطبيعة، للكوكب – الماء هو الحياة. وهذا ما حفزني على القبول”.

يتمثل دورها في رفع القضايا المتعلقة بالمياه والصرف الصحي إلى أعلى المستويات السياسية، داخل الأمم المتحدة وخارجها، بهدف حشد الدول، وتعبئة التمويل اللازم لدفع هذا الملف قدمًا.

مصر في مواجهة أزمة مائية وجودية

يتجلى أبرز مثال على عمق هذه الأزمة في منطقة الشرق الأوسط، وفي مصر على وجه التحديد، إذ يواجه هذا البلد أزمة مائية غير مسبوقة تهدد الأمن الغذائي لسكانه، والاستقرارالإقتصادي والاجتماعي لهذا البلد.

ويتسع العجز المائي في بلد الفراعنة بسرعة كبيرة، إذ يبلغ إجمالي الموارد المائية المتاحة سنويًا حوالي 60 مليار متر مكعّب، بينما يصل الطلب السنوي إلى حوالي 114 مليار متر مكعّب، مما يخلق فجوة سنوية قدرها 54 مليار متر مكعّب.

وعلى مستوى الفرد الواحد، أصبح الوضع حرجًا للغاية. إذ انخفض نصيب الفرد الواحد من المياه من أكثر من 2500 متر مكعب سنوياً قبل 70 سنة إلى حوالي 600 متر مكعب حاليًا.رابط خارجي وتعتبرالمنظمات الدولية 1000 متر مكعب للفرد الواحد كحد أدنى للأمن المائي، مما يعني أن مصر تعاني بالفعل من “فقر مائي” حاد. وبحلول عام 2025، كان من المتوقع أن ينخفض نصيب الفرد في مصر إلى ما دون 500 متر مكعب سنويًا، وهي حالة تعرّف علميًا بـ”الندرة المائية المطلقة”.

وما سيعمق الأزمة بشكل لا يمكن تحمله، تضاعف عدد السكان من 35.3 مليون نسمة عام 1970 إلى أكثر من 114 مليون نسمة حاليًارابط خارجي، إذ يُضاف حوالي 4،700 مولود جديد كل أسبوع تقريباً، مما يزيد الضغط على الموارد المائية المحدودة بالفعل. يُتوقع أن يصل السكان إلى 150 مليون نسمة خلال العقود القادمة.

فضلا عن ذلك، الانعكاسات الخطيرة لظاهرتي تغيّر المناخ والجفافرابط خارجي، إذ تشير البيانات العلمية إلى أن منطقة حوض النيل ستشهد تطورات مناخية معاكسة. ويُتوقع أن تنخفض الأمطار في هذا الحوض بنسبة تصل إلى 40% بحلول نهاية القرن الحالي. بالإضافة إلى ذلك، يُتوقع أن ينخفض التدفق السنوي إلى بحيرة السد العالي بنسبة 16% نتيجة تغير المناخ.

ومما سيزيد الطين بلة، كما يقال، بناء سد النهضة الأثيوبي العظيمرابط خارجي، والذي استكمل تشييده في سبتمبر 2025، وتبلغ سعة خزانه 74 مليار متر مكعّب، وهو ما سيحرم مصر، بحسب التقديرات الاولية، حوالي 25% من المياه المتدفقة من نهر النيل في العادة. ورغم ذلك، لم يتم التوصّل بعد إلى أي اتفاق قانوني ملزم بين مصر واثيوبيا والسودان بشأن ملء وتشغيل هذا السد.

تعزيز البنى التحتية

تتمثل إحدى أولويات ريتنو مارسودي في تعزيز النفاذ إلى المياه الصالحة للشرب، في وقت لا يزال فيه أكثر من ملياري شخصرابط خارجي في العالم يفتقرون إلى وصول آمن إلى هذا المورد. وترى المبعوثة الخاصة أن ذلك يتطلب تعزيز البنى التحتية، وتحسين استخدام التكنولوجيات، وزيادة الاستثمارات، خاصة من جانب القطاع الخاص.

وتشرح قائلة: “تشكّل البنى التحتية العمود الفقري لتوفير المياه. إلا أن البيانات تشير إلى أن المرافق التي بحوزتنا غير ملائمة في الغالب، أو قديمة ومهترئة، وتكاد تكون منعدمة في بعض الأحيان.  ويؤدي هذا إلى ضياع نحو 30٪ من الثروة المائية على الصعيد العالمي، وتصل إلى 50٪ في بعض البلدان. وهذا أمرٌ مقلق للغاية”.

وفي ظل هذا الواقع، يصبح تحديث البنى التحتية ضرورة ملحة، مع ضرورة الحفاظ على الأنظمة البيئية الطبيعية مثل الأراضي الرطبة والخزانات الجوفية ومستجمعات المياه.

اقرأ.ي أيضًا تقريرنا عن جاكرتا، المدينة الضخمة التي غمرتها المياه:

المزيد
مسجد والادونا في موارا بارو، جاكرتا، إندونيسيا.

المزيد

التكيف مع المناخ

جاكرتا التي تغمرها المياه تصارع من أجل البقاء

تم نشر هذا المحتوى على ارتفاع مستوى سطح البحر وهبوط التربة يهددان مستقبل المدينة الإندونيسية الضخمة، التي تواجه فيضانات متكررة بشكل متزايد. تقرير ميداني.

طالع المزيدجاكرتا التي تغمرها المياه تصارع من أجل البقاء

تكنولوجيات في متناول الجميع

وترى الدبلوماسية، البالغة من العمر 63 عامًا، ضرورة استفادة البلدان النامية بشكل أفضل من التكنولوجيات المتركّزة بشكل كبير في الدول الغنية.

وتؤكد:  “التكنولوجيا مهمة جدًا لحلّ المشكلات المتعلقة بالمياه. ومع ذلك، فمعظم التكنولوجيات المستخدمة قديمة، وتجاوزها الزمن”.

ومن شأن الحلول الأفضل، على سبيل المثال، في مجال الري الزراعي، المستهلك 72٪ من المياه العذبة، أو تبريد مراكز البيانات، إتاحة استخدامٍ أكثر عقلانية للموارد. وتوصي ريتنو مارسودي بالتعاون مع الشركات والبلدان المتقدمة، “حتى تكون هذه التكنولوجيات في متناول الجميع”. 

وتشدد المبعوثة الأممية على ضرورة رصد المبالغ المطلوبة لإجراء التحسينات. وتوضح قائلة: “نحتاج إلى استثمار يتراوح بين 600 و1،000 مليار دولار سنويًا في مجالي إمدادات المياه والصرف الصحي، بينما يتم استثمار ما بين 300 و400 مليار دولار فقط في الوقت الحالي. وتأتي 91٪ من الاستثمارات من الأموال العامة. لذا، يجب علينا استكشاف فرص الشراكة مع القطاع الخاص، مع الحرص على مراعاة المصلحة العامة دائمًا”.

أمام تعدد العوامل المثيرة للمخاوف في المستقبل، تحاول الحكومات المصرية المتعاقبة وضع خطط واستراتيجيات، واعتماد حلول لتخفيف حدة هذه التغيّرات، ومكافحة تداعياتها. ومن بين هذه الحلول:

 تحديث وتطوير أنظمة الري: تعتبر هذه الخطوة من أهم الاستراتيجيات المتوسطة الأجل. الحكومة تستهدف تحويل 3.7 مليون فدّان من الري التقليدي بالغمر إلى أنظمة ري حديثة (التنقيط والرش والمحاور الدوارة) خلال ثلاث سنوات.

تحلية مياه البحر: تملك مصر حاليًا حوالي 100 محطة تحلية بطاقة إنتاجية 1.2 مليون متر مكعب يوميًا، مما يجعلها الدولة صاحبة أكبر عدد من محطات التحلية في الشرق الأوسط.

التدريب واستخدام معدّات حديثة: استخدام تقنيات التحسس الحراري لكشف الاجهاد المائي في المحاصيل، وتحسين جدولة الري، وتحويل القنوات المفتوحة إلى أنابيب مدفونة مبطّنة لتقليل تسرّب المياه وضياعها.

المصدر: circleofblue.orgرابط خارجي

الماء … على رأس جدول الأعمال

وفي إطار مساعيها، تجوب ريتنو مارسودي أنحاء العالم، وتلتقي أطراف فاعلة عديدة، من مسؤولين ومسؤولات سياسيين.ات وغيرهم.

وتقول: “هدفي هو تعبئة جميع الدول الأعضاء، ومطالبتها بوضع المياه على رأس أولوياتها السياسية. وعلينا تنسيق مختلف المبادرات والأنشطة المتعلقة بالمياه، من أجل زيادة تأثيرها في السكان”.

وترى الأمرَ متعلقًا أيضًا بتسريع تنفيذ الالتزامات المتعهّد بها خلال اجتماعات، مثل المؤتمر الأخير حول المياه، المنبثِق عنه أكثر من 800 التزام طوعي. “ما ينتظره الناس هو النتائج، وليس كلامًا”.

مؤتمر في 2026

سيُعقد المؤتمر القادم للأمم المتحدة حول المياه في ديسمبر 2026، في الإمارات العربية المتحدة. وستشارك فيه حكومات، ووكالات تابعة للأمم المتحدة، ومنظمات غير حكومية، وقطاع خاص، وشعوبٌ أصلية.

وسيكون التعاون، وتعددية الأطراف، والاستثمارات من المواضيع المحورية لهذا الاجتماع، الذي تتوقع منه ريتنو مارسودي “قرارات”، لا سيما في ما يتعلق بمسألة إشراك القطاع الخاص.

أهداف التنمية المستدامة (SDGs) للأمم المتحدة.
أهداف التنمية المستدامة (SDGs) للأمم المتحدة. ONU

وتشير المسؤولة الأممية: “إشراك القطاع الخاص أمرٌ لا مفرّ منه. والسؤال هو كيف يمكننا كسب تأييد الناس، وإقناعهم.نّ بأهمية هذه الشراكات، لخشيتهم.نّ أن يؤدي ذلك إلى الخصخصة أو التسويق. يجب أن نثبت لهم أنّ هذا غير صحيح”.

وتضيف ريتنو مارسودي قائلة: “لدينا أهداف”، منها البند السادس من أهداف التنمية المستدامة (ODD 6) للأمم المتحدة، الرامي إلى توفير الماء والصرف الصحي للجميع بحلول عام 2030.

وفي نفس الوقت، تُبدي ريتنو مارسودي أسفها، وقلقها على التأخر الكبير الذي يسجّله هذا الهدف تحديدًا. وتضيف: “إذا لم يتم بلوغ هذا الهدف، فسينعكس ذلك على بقية الأهداف، لأن المياه ضرورية لتحقيقها”. وتستطرد قائلة: “إذا نحن نتحدث عن الطاقة والغذاء وتغير المناخ، يجب أن نفكر أيضًا في المياه”.

التعددية والمياه

تشهد تعددية الأطراف حالةً من الركود. وسواء تعلق الأمر بالمناخ أو التلوث البلاستيكي، تجد الدول صعوبة في التوافق بشأن قضايا تهمّ العالم بأسره، مع ذلك . فهل يمكن للمياه أن تكون عاملًا موحّدًا؟

تقول ريتنو مارسودي: “كلما زادت حالة عدم اليقين في العالم، زادت الحاجة إلى تأكيد أهمية التعددية والتعاون. وإذا سألتَِ الناس عمّا إذا كانوا.نّ يعتقدون.ن أنّ بإمكانهم.نّ حل مشاكلهم.نّ بمفردهم.نّ، فستكون الإجابة بالتأكيد لا”.

وتؤكد الدبلوماسية أنّ المياه “ليست شأنًا محليًا؛ من ناحية لحاجة الجميع إليها، ومن ناحية أخرى بسبب المياه العابرة للحدود. وهذا موضوعٌ حساس بالنسبة إلى البعض، لكن الحقيقة هي أنّ المياه تعبر البلدان، ولا يمكننا منعها. لذا، نحتاج إلى التعاون”.

اقرأ.ي أيضًا مقالنا عن النزاعات المتعلقة بالمياه:

المزيد
إثيوبيا

المزيد

جنيف الدولية

تفاقم النزاعات حول المياه مع تزايد الاحتباس الحراري

تم نشر هذا المحتوى على الماء مورد حيوي لا يعرف الحدود. وتتقاسمه عدة دول، مما قد يؤدي إلى توترات سياسية. ويسبب الاحترار المناخي زيادة ندرته وإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية.

طالع المزيدتفاقم النزاعات حول المياه مع تزايد الاحتباس الحراري

وفي بعض الحالات، تكون المياه مصدرًا للتوتر والنزاعات. وهذا ما يحدث مثلًا بين مصر وإثيوبيا، التي بنت سدًا ضخمًاعلى نهر النيل. فأمام مثل هذه الأزمات، هل هناك حاجة إلى اتفاقيات دولية؟ 

وكان رد ريتنو مارسودي: “هذا موجودٌ، في إطار اللجنة الاقتصادية لأوروبا التابعة للأمم المتحدة (UNECE)، وأغلبية أعضائها وعضواتها من أوروبا. لكن يسعى الأمين التنفيذي إلى استقطاب المزيد من البلدان، على أمل تسوية مسألة المياه العابرة للحدود سلميًا”.

بعد مرور عام

بعد مرور عامٍ على توليها منصبها، تصف ريتنو مارسودي ردود الفعل على مساعيها بأنها “إيجابية جدًّا”.

وتقول: “أنا سعيدة بالتقدّم المحرَز، مع تسجيل مزيدٍ من الاهتمام بمسألة المياه، التي أصبحت تحتل مكانة أكبر في جدول الأعمال السياسي. كما نلمس رغبة متزايدة في تنسيق المبادرات، وتسريع الالتزامات. لكن بالطبع، أمام حجم التحديات، لا يزال هذا التقدّم بعيدًا عن المستوى المنشود. لذلك، علينا مضاعفة جهودنا”.

اقرأ.ي أيضًا تقريرنا عن جزيرة بولاو باري الإندونيسية، التي كانت سببًا في رفع أول دعوى قضائية متعلقة بالمناخ في سويسرا ضد شركة الأسمنت هولسيم:

المزيد
دعوى مناخية ضد هولسيم

المزيد

التكيف مع المناخ

محكمة سويسرية تمهّد لمسار قضائي في دعوى مناخية إندونيسية ضد هولسيم

تم نشر هذا المحتوى على يوم الاثنين 22 ديسمبر، اتخذت محكمة سويسرية قرارًا غير مسبوق بقبول النظر في قضية أثارت اهتمامًا عالميًا واسعًا. فقد قام ثلاثة رجال وامرأة من جزيرة بولاو باري الإندونيسية برفع دعوى مناخية ضد شركة هولسيم السويسرية.

طالع المزيدمحكمة سويسرية تمهّد لمسار قضائي في دعوى مناخية إندونيسية ضد هولسيم

تحرير: فيرجيني مانجان

ترجمة: موسى آشرشور

مراجعة وإضافة: عبد الحفيظ العبدلّي

التدقيق اللغوي: لمياء الواد

قراءة معمّقة

الأكثر مناقشة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية