مجلس حقوق الإنسان يقرّر إجراء تحقيق عاجل في قمع الاحتجاجات في إيران
أدان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ومقرّه جنيف، إيران بسبب انتهاكات لحقوق الإنسان. وقرّر فتح تحقيق في حملة القمع الأخيرة التي استهدفت احتجاجات مناهضة للحكومة، وأسفرت عن مقتل آلاف الأشخاص في يناير.
في جلسة خاصة انعقدت في جنيف بعد ظهر الجمعة، قرر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إطلاق “تحقيق عاجل” عقب حملة قمع طالت الاحتجاجات التي شهدتها إيران خلال الأسابيع الأخيرة. وأعربت الدول الأعضاء، وعددها 47، عن “عميق قلقها إزاء المستوى غير المسبوق” لأعمال العنف التي ارتكبتها قوات الأمن الإيرانية.
وشهدت إيران، منذ 28 ديسمبر، موجة احتجاجات بسبب ارتفاع كلفة المعيشة. وقد واجه هذا الحراك المعارض للنظام، وغير المسبوق من حيث الاتساع، قمعًا شديدًا. وأكَّدت منظمة “حقوق الإنسان في إيران (Iran Human Rights)، ومقرّها النرويج، سقوط نحو 3،428 ضحية. كما أعربت عن خشيتها من أن الحصيلة الحقيقية قد تتجاوز 20 ألف قتيل وقتيلة.
وأمام الضرورة الملحّة، طالبت نحو خمسين منظمة غير حكومية بعقد جلسة خاصة، ما يتطلب موافقة ثلث الدول الأعضاء في المجلس.
وعقب انعقاد الجلسة، صدر قرار، حصد 25 صوتًا مؤيدًا، مقابل 7 أصوات معارضة، وامتناع 15 عن التصويت، بتمديد ولاية بعثة تقصي الحقائق المستقلة بشأن الوضع في إيران لمدة عامين، وتوسيع تحقيقها ليشمل الأحداث الأخيرة. أمّا تفويض المقرّرة الأممية الخاصة المعنية بحقوق الإنسان في إيران، فمُدَّد لعام واحد.
وكان المجلس قد أنشأ بعثة تقصّي الحقائق في نوفمبر 2022، لتكون أساسًا للتحقيق في قمع مظاهرات اندلعت بعد وفاة الشابة الإيرانية مهسا أميني أثناء احتجازها. ومنذ ذلك الحين، خلصت البعثة إلى أنّ السلطات الإيرانية ارتكبت جرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك القتل، والسجن، وأعمال التعذيب، والاغتصاب.
أزمة إفلات من العقاب
وعقب التصويت، قالت رها بحريني، الباحثة المعنية بإيران لدى منظمة العفو الدولية، إنها رحّبت بتمديد آلية التحقيق. وبرأيها، يجب على المجتمع الدولي أن “يعترف” بأن “أزمة الإفلات من العقاب” في إيران، تقوّض تحقيق العدالة على المستوى الوطني.
وأضافت: “ندعو جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى الانضمام إلى ندائنا لإحالة إيران إلى المحكمة الجنائية الدولية. لقد حان الوقت للمضي أبعد من الإدانات، وإيجاد سُبل ملموسة لتحقيق العدالة على المستوى الدولي”.
وفي افتتاح الجلسة، دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، السلطات الإيرانية إلى “وضع حدٍّ لقمعها الوحشي”. وأكَّد أن القمع “لا يحل أيًّا من مشاكل البلاد. بل على العكس، فهو يخلق ظروفًا مواتية لانتهاكات جديدة لحقوق الإنسان، وعدم الاستقرار، وسفك الدماء”. وفي معرض حديثه عن “آلاف الضحايا، بمن فيهم أطفال”، شدَّد على الصعوبات التي تواجه مكتبه في التحقّق من الوقائع بسبب انقطاع الاتصالات، وعدم تمكّن فرقه من الوصول إلى البلاد.
وعند اعتلائه المنصة للدفاع عن موقف حكومته، قال سفير إيران لدى الأمم المتحدة في جنيف إنه “حاضر هنا لكشف الحقائق، والدفاع عن الشعب [الإيراني]”. ووصف الاحتجاجات التي تصاعدت ابتداءً من 8 يناير بأنها “عنف منظَّم، شمل هجمات إرهابية، وتدمير ممتلكات، وأعمالًا مسلحة ضد المدنيين وقوات الأمن”.
ومستندًا إلى “تحقيق وطني”، قال الدبلوماسي إن 3،117 شخصًا فقدوا حياتهم، بينهم “2،427 قُتلوا كنتيجة مباشرة لعمليات إرهابية”. وأضاف: “إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تعترف بشرعية هذه الجلسة الخاصة، ولا بصلاحيتها، ولا بالقرار المنبثق عنها”.
>> اقرأ.ي أيضًا: كيف تلجأ بعض الدول إلى مجلس حقوق الإنسان في جنيف لتمرير قرارات لا تمرّ في نيويورك:
المزيد
هل بات مجلس حقوق الإنسان “نسخة مصغّرة عن مجلس الأمن”؟
انقسام بين شمال الكوكب وجنوبه
رغم أن الجلسة الخاصة حظيت بدعم أكثر من نصف أعضاء المجلس، عبّرت بعض الدول عن رأي مخالف خلال المناقشات.
إذ ندّدت دول من أفريقيا، وأمريكا الجنوبية، وآسيا، “باستغلال حقوق الإنسان”، وباستخدامها ذريعةً “للتدخل” في شؤون دول ذات سيادة. وبرأي هذه الدول، فإن “الحوار” و”التعاون”، لا المواجهة، هما ما يعزّزان احترام حقوق الإنسان.
كما ندّدت هذه الدول “بازدواجية المعايير” داخل مجلس حقوق الإنسان، مشيرة إلى أن تاريخ التحقيقات يظهر غالبًا استهدافه للدول النامية. ويعكس ذلك انقسامًا آخذًا بالاتساع بين الدول الغربية، ودول “الجنوب العالمي”، لا سيما منذ الحرب في غزة.
وهنا، بدت الصين من بين أكثر الدول حدة في لهجتها. إذ شدد ممثلها على أن بكين “تدافع عن حق جميع الدول في اختيار مسارها الخاص بشكل مستقل في مجال تطوير حقوق الإنسان”. وأضاف أن الصين تعارض “فرض آليات محددة لحقوق الإنسان على دول، دون موافقتها”، في إشارة إلى تحقيقات المجلس.
ومن جهتها، رحّبت سويسرا بعقد الجلسة، وحثّت “السلطات الإيرانية على وضع حد فوري لعنف الاعتقالات الجماعية وحجب الإنترنت، وعلى الامتناع عن تطبيق عقوبة الإعدام، بما في ذلك على خلفية الاحتجاجات، واتخاذ خطوات ملموسة لخفض التصعيد”.
أمَّا الولايات المتحدة، التي لم تعد عضوًا في مجلس حقوق الإنسان منذ عودة دونالد ترامب، فلم تكن حاضرة في قاعة الاجتماعات داخل قصر الأمم، مع أنها لا تزال قادرة على إلقاء كلمات بصفة مراقِب.
>> اقرأ.ي أيضًا: تحقيقنا الذي يكشف كيف عزَّزت الصين نفوذها داخل مجلس حقوق الإنسان خلال السنوات الأخيرة:
المزيد
الصّين وإعادة صياغة معايير حقوق الإنسان
موارد إضافية
أفاد مسؤول في مكتب حقوق الإنسان بأن تمديد ولاية بعثة تقصّي الحقائق في إيران، وكذلك تمديد ولاية المقرّرة الخاصة، سيستلزمان موارد إضافية.
وستحتاج آلية التحقيق إلى 2،97 مليون دولار، منها 2،92 مليون مدرجة في الميزانية بالفعل، في حين ستبلغ كلفة ولاية المقرّرة الخاصة 452،700 دولار سنويًا بدلًا من 440،500 دولار كانت متوقعة حتى الآن.
وفي وقت تواجه فيه الأمم المتحدة أزمة خطيرة في الميزانية والسيولة، بسبب تأخر المدفوعات، وتراجع مساهمات عدة دول، من بينها الولايات المتحدة، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الأمم المتحدة ستصرف هذه المبالغ، ومتى ستصرفها.
ففي فبراير 2025، قرَّر مجلس حقوق الإنسان إنشاء لجنة تحقيق لتوثيق الانتهاكات المرتكبة في جمهورية الكونغو الديمقراطية. وفي ديسمبر، أشاررابط خارجي فولكر تورك إلى أن اللجنة لم تتمكن من بدء عملها بسبب نقص الموارد. كما أطلقت بعثات تحقيق أخرى، بينها البعثة المعنية بميانمار، تحذيرات مماثلة بشأن نقص التمويل.
تحرير: فرجيني مانغن
ترجمة: ريم حسونة
مراجعة: عبد الحفيظ العبدلي
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.