Navigation

Skiplink navigation

الجزائر في عهد بوتفليقة

تواصل الجزائر على مدى عام كامل الإحتفال بمرور خمسين عاما على اندلاع الثورة التحريرية التي استعاد على إثرها الشعب الجزائري حريته واستقلاله.

هذا المحتوى تم نشره يوم 19 أبريل 2005 - 09:27 يوليو,

مراسل سويس إنفو في المغرب الأقصى الذي زار الجزائر مؤخرا ينقل مشاهداته وانطباعاته عن بلد بوتفليقة الذي بدأ يتغير رغم كل شيء.

شهدت الجزائر احتفالات ضخمة بمناسبة الذكرى الأولى لإعادة انتخاب عبد العزيز بوتفليقة رئيسا للجمهورية وهي احتفالات لم تشهد الجزائر مثيلا لها بمناسبات مشابهة. كانت الاحتفالات الضخمة مخصصة فقط لذكرى مرور خمسين عاما على انطلاقة ثورة الفاتح من نوفمبر 1954، التي حققت للبلاد استقلالها بعد استعمار استيطاني دام أكثر من مائة وثلاثين عاما.

الاحتفالات التي كانت مثار استغراب، سلبي وايجابي، تنوّعت بين مهرجانات في مختلف الولايات والمدن، أو اليافطات والزينة التي ملأت الشوارع، أو ما خصصته الإذاعة والتلفزيون والصحف الموالية من تِـعداد للإنجازات التي حقّـقتها البلاد بعد أكثر من عشر سنوات من حرب حقيقية في عهد الرئيس بوتفليقة الذي كان أحد رموز مرحلة يستذكرها الجزائريون ايجابيا، وهي مرحلة الرئيس هواري بومدين، مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة.

وإذا كان للحظ مكان في الحياة، فإنه كان ينتظر في الجزائر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، إذ دخل قصر المرادية عام 1999 في وقت كانت فيه الحرب بين الجماعات الأصولية المسلّـحة تدخل مرحلة النهاية (مع أنها لم تنته تماما حتى الآن)، إذ كانت قيادة الجيش قد شارفت على التوصل إلى اتفاق هُـدنة مع "الجيش الإسلامي للإنقاذ"، أقوى تلك الجماعات، وكانت الجزائر تستعد لاستضافة القمة الإفريقية، التي دعا لاستقبالها الرئيس اليمين زروال، فيما كانت أسعار النفط تبدأ في الإرتفاع بشكل تصاعدي دون أن تعرف حتى الآن انخفاضا.

مكاسب بوتفليقة

ثلاثة مكاسب حققها الرئيس بوتفليقة، داخليا وخارجيا واقتصاديا، قبل أن "يسخّـن"، كما يُـقال، كرسي الرئاسة، وهي مكاسب شكّـلت أساسا لانطلاقة نحو جزائر جديدة تنفض عنها غُـبار الحرب، وتنفتح على استثمارات خارجية يشجِّـعها سن تشريعات وقوانين انفتاحية تنسجم مع العولمة ومنظمة التجارة الإعلامية، ونشاط دبلوماسي رئاسي لا يهدأ، إقليمي وعربي ودولي لا يفوت مؤتمرا إلا ويشارك فيه شخصيا، ولا يتردّد في حضور أية مناسبة يكون فيها رؤساء دول.

وقد تكون الصُّـدفة في أن زيارتي قبل الأخيرة للجزائر في أبريل 2000، كان الرئيس بوتفليقة في القاهرة يرأس الجانب الإفريقي في أول قمة إفريقية أوروبية، وعاد إلى الجزائر ليوم واحد، توجّـه بعدها لتونس للمشاركة في تشييع الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة.

وفي أبريل 2005، كان يرأس إلى جانب الرئيس الإيراني محمد خاتمي في مقر اليونيسكو في باريس ندوة حول حوار الحضارات، ثم أجرى محادثات مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك، وعاد إلى الجزائر ليوم واحد، توجّـه بعد ذلك إلى روما للمشاركة في تشييع البابا يوحنا بولس الثاني.

كان الرئيس بوتفليقة يشغل الإعلام بحركيته، وفي الداخل، بدّل كثيرا خلال السنوات الخمس من عُـهدته الأولى من تحالفاته، اقترب وابتعد، وقرّب وأبعد سياسيين وحزبيين، لكن عينه كانت على المؤسسة العسكرية، التي يتفق الجميع على دورها الأساسي منذ الاستقلال، وهو دور تضخم (منذ وقف المسلسل الانتخابي في يناير من عام 1992)، في صناعة القرار السياسي والاقتصادي.

وهنا أيضا، كان للحظ دوره، فجُـل (إن لم يكن كل) الجنرالات، كانوا على أبواب التقاعد والخروج من المؤسسة، لتُـصبح القمة مقتصرة عليه، وليقول دون تردد في الذكرى الأولى لإعادة انتخابه لعهدة ثانية، إنه "كان يستطيع أن يكون ملكا للجزائر لو أراد"!.

صورة وردية، ولكن..

إن أي زائر للجزائر في هذه الأيام، يلمس بصمات الرئيس بوتفليقة عليها دون جهد كبير. فالفنادق مملوءة بكبار رجال الأعمال وممثلي الشركات، وحين أعلن الرئيس أنه خصّـص 50 مليار دولار لإعادة تجديد البنية التحتية، كان يضع يده في صندوق عرف تدفقا لأموال النفط، التي حرص اقتصاديوه خلال السنوات الماضية على توفير ما عرفته أسعاره من ارتفاع، ومتوقع استمراره لتصبح الجزائر ورشا لا تتوقف على مدى السنوات الأربع القادمة.

ولعل منطقة بيرمراد رايس، ومطار هواري بومدين الجديد، ومشروع ميترو الجزائر العاصمة، نماذج لما يطمح إليه بوتفليقة، إذ جعل من ضاحية بيرمراد رايس نموذجا لحي "لا ديفانس" (La Défense) الباريسي من مبان شاهقة لمؤسسات إعلامية واقتصادية وشركات كبرى، ومبنى مطار هواري بومدين الجديد، الذي توقف العمل به طوال العقد الأخير من القرن الماضي، يقترب موعد افتتاحه، ومشروع الميترو، حُـلم سكان العاصمة، سوف يُـدشَّـن في عام 2006.

هذه الصورة الوردية للجزائر الآن، ليست كل الصورة، لكنها وردية مقارنة بما كانت عليه مع بداية القرن الحالي. فأزمات الجزائر المتفاقمة لازالت تحمل في طياتها مخاطر الانفجار وتبديد كل الحلم "البوتفليقي".

فالعشرية السوداء، نسبة إلى العقد التاسع وما عرفه من فساد وتبديد وهدر للمال العام، ثم العشرية الحمراء، نسبة إلى سنوات الدم الذي تدفق خلال العقد العاشر نتاج الحرب الطاحنة بين الدولة والجماعات الأصولية المسلحة، التي ذهب ضحيتها رسميا أكثر من مائة وخمسين ألف قتيل وعشرات الألوف من الجرحى والمعطوبين والمفقودين، تركت أثارها السلبية الواضحة على الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الجزائرية.

فالسّـكن والماء والمواصلات العامة والبطالة، خاصة في العاصمة، أزمة حقيقية قائمة ولها انعكاساتها السلبية على مستقبل الاستقرار السائد حاليا والاستثمارات المستقبلية.

قضية الصحراء

قضية أخرى لا تشغل الرأي العام الجزائري حاليا بقدر ما تشغل صانع القرار السياسي، إنها قضية العلاقات مع المغرب. فالحدود البرية بين البلدين، لازالت مغلقة، رغم أجواء الانفراج التي تطبع العلاقات منذ مشاركة العاهل المغربي الملك محمد السادس في قمة الجزائر العربية، وقرار رفع التأشيرة عن المواطنين المغاربة الذين يزورون الجزائر.

والقضية لم تعد تشغل الرأي العام الجزائري، لأن سنوات القطيعة والتوجه الجزائري الرسمي، التي طالت، شرقا وشمالا، جعلت المغرب يبتعد جغرافيا في الحياة اليومية الجزائرية، والقضايا العالقة في العلاقات لم تعد تثير اهتمامه اليومي، خاصة قضية الصحراء الغربية.

فنزاع الصحراء لم يعد ساخنا، وسياسيا، يتعاطى معه الجزائري كأي نزاع لا يمس يومه، ويبدو أن هذا سيطول على الأقل لشهور، فالآمال التي بناها المغرب على فتح قريب للحدود، بدّدها الرئيس بوتفليقة بتصريحاته في العاصمة الفرنسية، حيث أعاد ملف الحدود إلى مربعه الأول، أي إبقائه ضمن المقاربة الشاملة للعلاقات بين البلدين الجارين الشقيقين.

محمود معروف – الرباط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة