تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

الحرب على العراق بعيون عربية

تخوض الفضائيات العربية منافسة حادة فيما بينها ومع المحطات الأجنبية لتغطية الحرب على العراق

(Keystone)

تتبارى الفضائيات العربية في تغطية غير مسبوقة لوقائع الحرب في العراق، مسجلة ولأول مرة نقلة جديدة للإعلام العربي.

فلأول مرة في التاريخ، تتواجد قنوات فضائية عربية عديدة في ساحة القتال لتُـعطي صورة مختلفة أو مكمّـلة لما يقدمه الإعلام العالمي.

إنها المرة الأولى التي تجد وسائل الإعلام العربية المرئية نفسها أمام مثل هذا التحدي الذي يتطلب متابعة مستمرة على مدار الساعة، تتضمن الدخول في تفاصيل ومواقف من شأنها أن تزيد المنافسة بين تلك القنوات حدّة، إضافة إلى المنافسة التي تفرضها وسائل الإعلام الأجنبية الأخرى التي ظلت تُهيمن على تغطية الأحداث المهمة والساخنة على مدى الزمن.

ولا يمكن استبعاد التأثير المباشر وغير المباشر الذي فرضته تقنية بث المعلومات والأخبار عن طريق القنوات الفضائية إلى جميع أصقاع العالم. ولم يعد جمهور المشاهدين منحصرا في مناطق جغرافية سياسية واحدة بعينها، بل صار بإمكانه التنقل بسهولة عبر مدار محطات مختلفة عربية وأجنبية على حد سواء.

ولعل هذه الميزة المهمة التي باتت علامة فارقة تعمل لصالح المشاهد الحديث المستنير، تحولت في ذات الوقت إلى مصدر اهتمام وقلق دائمين لدى مالكي ورؤساء تحرير المحطات الفضائية العربية، الإخبارية منها على وجه الخصوص.

هكذا غدت عملية تلبية رغبات ورضى المشاهد الحديث معقدة وقاسية تثقل كاهل مسؤولي الفضائيات، وتدفعهم إلى التفكير بحلول خلاقة للتوفيق بين ذوق المشاهد وقدرته على التمييز، وبين المواقف الرئيسية التي تحكم عمل هذه المؤسسات وفقا لمنشئها السياسي الجغرافي.

ولم تعد اللغة الواحدة والثقافة الواحدة قادرتين على تشكيل قاسم مشترك واحد لدى جمهور الفضائيات العربي المنتشر في شتى أقطار العالم، وهو القادر بفعل تقنية نشر المعلومات الحديثة، على الاطلاع على ما يشاء وقت ما يريد واختيار المصدر الذي يريد .

الحرب الموحدة للإعلام

بيد أن اندلاع الحرب وبدء القتال في الصحراء العراقية، سمح للفضائيات العربية بالاستفادة من المواجهة المباشرة التي فرضتها حالة الحرب، وإذ انحسرت حالة التمايز التي يوفرها تعدد المصادر، راحت التغطية المتنوعة تتمحور حول المواجهة بين "الغزاة والمقاومين".

ودون أي تخطيط مسبق، أو بفعل الموقف الرسمي الأمريكي البريطاني الذي فرض قيودا صارمة على طريقة تغطية الحرب، وجدت الفضائيات العربية نفسها أمام تغطية تتطلب تبني مواقف مسبقة: مع أو ضد الحرب؟

فراحت قناة الجزيرة تعمل تحت شعار "الحرب على العراق" وتستخدم مصطلح "الغزاة" وتبث مشاهد وصور القتلى والجرحى العراقيين والدمار الذي تحدثه آلة الحرب الأمريكية البريطانية.

أبو ظبي والعربية بدورهما، وإن ركزتا أيضا على مشاهد القتل والدمار وانضوتا تحت شعار ضد الحرب، فإنهما لم تظهرا ذلك بنفس النبرة السائدة في قناة الجريرة.

وتعمل قناة الجزيرة، وهي أول قناة إخبارية عربية على مراعاة الموقف الشعبي العربي العام المناهض للحرب والداعي للتمرد، وتقدم نفسها على أنها القادرة على توفير تغطية شاملة من خلال شبكة المراسلين الواسعة في مختلف المناطق، إذ أن لها تواجدا في شمال العراق وفي بغداد، وكذلك في المناطق الجنوبية.

الحرب التي توحد هي نفسها التي تفرق. فالفضائيات الإخبارية العربية الرئيسية (الجزيرة، العربية وأبو ظبي)، التي تتولى مهمة التغطية الرئيسية للحرب، تصطدم أيضا بالمواقف السياسية للدول العربية المختلفة التي تملكها أو تأويها.

ففي حين استطاعت الجزيرة أن تتواجد، بحكم خبرتها السابقة واتساع شبكة مراسيلها في مختلف مناطق الحرب في العراق، فإنها، وبسبب مواقف دول منها، لم تتواجد في مواقع رئيسية مثل الكويت على وجه التحديد، وهو الأمر الذي تَـوفَّـر لكل من العربية وأبو ظبي.

في المقابل، ظلت العربية وأبو ظبي، غير قادرتين على توفير نفس المستوى من الأخبار الذي قدمته الجزيرة، خاصة فيما يتعلق بسياسات الدول تجاه الحرب، لاسيما مصر والسعودية والكويت.

كما أن الجزيرة ركّـزت أكثر في تغطيتها على إبراز حملات التعاطف والتضامن مع العراق من خلال المظاهرات والاحتجاجات العربية المعارضة، مقارنة مع تغطية العربية وأبو ظبي، اللتين لا تتوسعان كثيرا في التغطية مراعاة لمواقف الدول التي تملكها.

الهروب بواسطة الرقابة

غير أن الرقابة الرسمية التي يفرضها كل من العراق والولايات المتحدة على طريقة تغطية الأخبار، وفرت للقنوات العربية فرصة سانحة للتخلص من الإحراج الذي يمكن أن توفره معلومات وتحقيقات مستقلة.

فقد ظل الخطاب الرسمي والمعلومات عما يجري في ساحة القتال ومسرح العمليات مرتكزا على ما تقدمه وزارة الإعلام ومختلف المسؤولين العراقيين من جهة، والقيادة الوسطى الأمريكية والبنتاغون من جهة أخرى.

وباستثناء بعض التقارير المستقلة إلى حد ما، التي بثتها الفضائيات من داخل مناطق مثل البصرة والموصل، بقيت المواقع الرئيسية للمعركة خاضعة لرقابة الطرفين المتحاربين، لاسيما بغداد، حيث تخضع التغطية هناك لرقابة صارمة، انحصرت في نقل وقائع المؤتمرات الصحافية الرسمية.

قد تكون الخطوة العراقية لتجميد عمل مراسل الجزيرة والطلب من الآخر مغادرة العراق، دليلا قويا على أن المستقبل القريب لن يشهد تغييرا فيما يتعلق باستقلالية التغطية المباشرة من ساحة المعركة.

وهكذا، انتقلت التغطية إلى المحللين والخبراء، الذين وظفتهم التلفزيونات العربية بكثافة، وبات التنافس بين الفضائيات منحصرا في كم التحليل الذي بوسع كل محطة بثه على شاشاتها على خلفية الصور المتكررة التي تسمح الرقابة العسكرية ببثها.

ويبدو أن الفضائيات العربية وجدت ملاذها وخلاصها من الإحراج الذي يمكن أن تتسبب فيه التغطية المستقلة في التحليلات التي يقدمها الخبراء العسكريون المتقاعدون وسياسيون مستقلون وغير مستقلين، لحرب لم تبدأ كتابة تاريخها بعد.

هشام عبد الله - رام الله


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×