تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

الحـــرب الثالثـــة؟

الحرب المنتظرة ضد العراق لن تكون تقليدية كما كانت سابقاتها

(swissinfo.ch)

تتلاحق تطورات الأزمة بين العراق والولايات المتحدة متسارعة حيث يتوقع الخبراء بداية الحملة العسكرية الأمريكية ضد نظام الرئيس صدام حسين في منتصف الشهر الجاري.

ويعتبر الخبراء العسكريون أن الحرب المقبلة ستكون مختلفة تماما عن حملة تحرير الكويت، وأن واشنطن ستخوضها بوسائل وآدوات غير تقليدية.

يذكر أن أحد القادة العرب، عندما اطلع على خطة عمليات القوات الجوية الأمريكية قبل فترة قصيرة من انفجار حرب الخليج الثانية عام 1991، كان تعليقه عليها، أنها مثل "الإسباغيتى"، فقد كانت شديدة التعقيد والكثافة، مقارنة بما كان سائدا، من أن دور القوات الجوية هو القيام بضربات أولى تمهيدا لدخول قوات برية.

فقد كان ما حدث بعدها هو حرب جوية طويلة المدى أطلق عليها وقتها "حملة جوية"، ولم تكن القيادة العراقية تعلم الكثير عما هي مقبلة عليه، فما كان يسيطر على تفكيرها، كما اتضح فيما بعد، سيناريو يشبه ما حدث في حرب السويس عام 1956.

هذه المرة، يوجد أيضا شيء مختلف تماما، فما أثير حول "ألعاب الحرب" التي تم التدريب عليها في مناورة "النظرة الداخلية" الشهيرة التي أجريت في قاعدة السيلية العسكرية بقطر في ديسمبر 2002، يشير إلى ملامح شكل ثالث من الحروب.

فقد كان الهدف المباشر لتلك المناورة الإليكترونية قياس مدى القدرة على التحكم في القوات من خارج مركز قيادة "تامبا" بفلوريدا، إلا أن هذا الاختبار جرى وفقا لعدد من السيناريوهات الافتراضية التي وصفت بعدها بأنها "مذهلة"، أو على الأقل غير تقليدية، قياسا على الحروب البرية أو الحروب الجوية.

الخطة جاهزة

ورغم كل ما سربته وزارة الدفاع الأمريكية حول خطط الحرب، لا يوجد حتى الآن تصور محدد للعبة الحرب القادمة في العراق. فكل ما يثار حول سيناريوهات الحرب المحتملة هي تصورات للإطار العام للعمليات، والتي لا تخرج عن توجيه ضربة جوية صاروخية مركزة لتدمير بنية القيادة السياسية والعسكرية بهدف شل قدرة النظام على السيطرة، تليها أو تصاحبها عمليات اجتياح بري للعراق من الشمال والجنوب، وربما إنزال في الغرب، وصولا إلى محيط بغداد لإسقاط النظام، مع استمرار السؤال عن خطط العمليات العسكرية المتصلة بالأهداف المطلوب ضربها، والمناطق المطلوب الاستيلاء عليها، ومعدلات سير العمليات العسكرية، بدون إجابة محددة.

لكن المثير هو أنه لم تعد هناك ملامح قلق حقيقية لدى القيادات العسكرية في البنتاغون حول خطط العمليات العسكرية. فما يناقش في واشنطن باعتباره "القضية الحقيقية" منذ فترة، هو مشكلات "اليوم التالي" لنهاية العمليات، بما يعنى بوضوح أن الجدال العسكري الداخلي قد انتهى، وأن خطة ما للحرب قد اعتمدت، وأن هناك اقتناعا بأن الخطة ستحقق أهدافها في 6 أيام أو 6 أسابيع حسب تعبير وزير الدفاع رامسفيلد.

وتشير الطريقة التي تتم بها إدارة العملية بالفعل إلى شكل ما للعبة حرب مركبة، ربما بدأ تنفيذ بعض عناصرها بالفعل، على نحو ما تشير الضربات الجوية المتصاعدة في مناطق الحظر الجوي، ودخول قوات خاصة إلى أراضى العراق، والاتصالات الجارية مع عناصر عراقية في الداخل. فساعة الصفر المحتملة سوف تأتي بعد أن تكون 15 دقيقة قد مرت منها.

حربان صغيرتان

إن الجانب التقليدي في تلك الخطة يرتبط بعناصر لا يمكن التعامل معها إلا بما تفرضه، وهي طبيعة هدف الحرب (إسقاط النظام)، وطبيعة مسرح عمليات العراق، وبالتالي، ستكون هناك حربان تقليديتان صغيرتان :

الأولى، حرب جوية على غرار ما جرى في الخليج عام 1991، وضد صربيا عام 1999، تستخدم فيها القاذفات الثقيلة والصواريخ الموجهة بكثافة استثنائية ضد أعصاب النظام بمستوى يحدث صدمة عنيفة من النوع الذي لا يمكن تقديره أو تحمله أو احتواء تأثيراته بما يؤدي إلى شلل في القيادة، وربما إخراجها من المعركة. وسوف تستخدم أجيال جديدة من الذخائر الذكية والقنابل هائلة القوة التدميرية، بأعداد ضخمة في تلك العمليات.

الثانية، حرب برية تتقدم خلالها القوات الأمريكية من الجنوب في الكويت والشمال من تركيا أو شمال العراق، ليتم الاستيلاء على المناطق المسيطر على أجوائها فعليا في الوقت الحالي، والتي يتم ضرب أنظمة الدفاع الجوي فيها باستمرار، أي شمال خط 36 وجنوب خط 32 مع إدارة المدن وتأمين حقول النفط بصورة ما، لا تبدو بسيطة، ليتم حصار بغداد الذي ستبدأ بعده الحرب الحقيقية.

إن العناصر غير التقليدية للعمليات العسكرية المتصورة ترتبط بالكيفية التي تدار بها هاتان الحربان. ففي إطار الحرب الجوية، تتبلور معلومات حول ملامح ضربة إليكترونية ربما ستتشكل استنادا على نتائجها مفاهيم حروب المستقبل، وهو ما سيشكل واحدة من مفاجآت الحرب، إذ ستستخدم تكنولوجيا أشباه الموصلات والميكروويف والموجات ذات الطاقة العالية لشل أجهزة القيادة والاتصال، وإظلام العراق، وتأتي أهميتها من أنها قد تطرح تأثيرات مربكة، ويصعب تفاديها من جانب القيادة العراقية.

وفى إطار الحرب البرية، يتمثل التطور الهام الذي تتكرر الإشارة إليه في استخدام القوات الخاصة، خفيفة التسليح وسريعة الحركة، والأكثر احترافية، في القيام بمهام رئيسية، بعضها ذا طابع نظامي، وعلى الرغم من أن أداء تلك القوات لم يكن مؤثرا في حرب أفغانستان، إلا أن من المتصور أن تلك القوات يمكنها أن تمارس دورا أكثر تأثيرا في الحالة العراقية، وإن ظلت الأكثر عرضة لتكبد خسائر كبيرة.

أسوار بغداد

وتبعا لما تشير إليه معظم السيناريوهات المسربة، فإن عمل القوات الأمريكية سوف يعتمد على ما يسمى "طرق العمل المفتوحة" لإدارة العمليات العسكرية، بحيث يتم تباعا اختيار الطريق الأكثر ملاءمة لتحقيق الهدف التالي في كل مرحلة، لكن عندما تصل القوات إلى محيط بغداد، قد تتشكل ملامح حرب أخرى شديدة التعقيد، بدأت بعض عناصرها بالفعل.

فلا يصدق أحد أن القوات الأمريكية سوف تقدم على خوض حرب مدن، وإنما ستشن حربا شاملة من مواقعها الثابتة في إطار عملية استعراض قوة غير مسبوقة، تتضمن ضربات جوية جراحية، وعمليات خاصة خاطفة، وعمل سري نشط، وحرب نفسية مركزة، وعمليات إزعاج سياسي، بهدف الإسقاط من الداخل.

عند هذه المرحلة، يوجد عنصر رئيسي يتحكم في التصورات الأمريكية لمسار الحرب، وهو الذي يتم الاستناد عليه في التقديرات الخاصة بقصر المدى الزمني المحتمل للحرب، وهو الرهان السياسي العسكري على احتمالات انهيار القوات المسلحة العراقية، وتغير ولاء التشكيلات الحزبية، وربما بعض القيادات السياسية العراقية تحت ضغط الحصار، وهو ما سيتوقف على المدى الذي ستكون قد وصلت إليه الاتصالات مع عناصر الداخل، التي تشير بعض المصادر إلى وجود تقدم ما في اتجاهها، والمدى الذي ستكون عملية استهداف أو عزل القيادة العراقية قد وصلت إليه في المرحلة السابقة، وهذا ما تدركه القيادة العراقية التي تتحدث عن الموت على أسوار بغداد.

وأخيرا، فإن تعقيدات لعبة الحرب هذه المرة تربط بما سبق ذكره حول الإطار العام للعمليات. فمراحل العمل العسكري قد لا تتم بهذه الصورة المرتبة المتتالية، وإنما بمنطق "الاسباغيتى" الذي تتداخل فيه كل الخطوط وتعمل فيه عناصر مختلفة في نفس الوقت.

فالأمر لا يتعلق هذه المرة بإخراج قوات نظامية من دولة محتلة، وإنما بإسقاط نظام والسيطرة على دولة مترامية الأطراف، ومواجهة قوى سياسية وعسكرية ومجتمعية عنيفة ومتناطحة بطبيعتها، ويدرك مخططو الدفاع الأمريكيون في الواقع تلك التعقيدات، لكنهم يعتقدون أن لديهم حلا محددا لكل مشكلة على حدة، وأنهم، حتى في حالة خروج التفاعلات عن السيطرة نسبيا، سيكونون الطرف الأكثر قوة في المعادلة، وبالتالي، الأكثر قدرة على تحديد اتجاهات أي ريح قد تهب من أية اتجاهات غير متوقعة.

د. محمد عبد السلام - القاهرة


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×