تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

الدول العربية بين مطارق "الفشل" وسندان "البحث عن البقاء"

مظاهرة نظمت يوم 5 مايو 2008 ضد ارتفاع الأسعار في مقديشو عاصمة الصومال الذي انهارت فيه الدولة منذ موفى عام.. 1991!

(AFP)

لوهلة، بدا الأمر فى وسائل الإعلام العربية، وكأنه "احتفال سنوي" بالفشل. فبصرف النظر عن الدلالات العملية لمصطلح مثل "الدول الفاشلة"، تؤدّي المعايير التي يستند عليها إلى اعتبار "النرويج" أنجح دولة فى العالم، كأن ثمة ميل لدى غالبية التعليقات العربية للتفاعل معه بشدة، خاصة عندما ظهرت قوائم عام 2008 لتشير إلى وجود 7 دول عربية في مراتب متقدمة من "الفشل".

لكن بعيدا عمّـا يبدو أنه احتفال بالفشل، يتعلّـق الأمر بمسألة جادّة، تتطلّـب مناقشة حقيقية، وهي "بقاء" الدول، وليس مجرّد قدرتها على أداء وظائفها. فالتقرير الذي أعدّه صندوق دعم السلام الأمريكي ونشرته دورية " فورين أفيرز" الشهيرة، لا يُـشير إلى مجرّد وجود قصور مفزع (معروف على أي حال) في أداء الدول العربية، لكنه يقرّر أن كثيرا منها قد انهار بالفعل وأن عددا إضافيا منها يقترِب من الدائرة الحمراء.

لقد قبِـل التفكير العربي تعبيرات على غِـرار الدول النامية أو دول الجنوب أو العالم الثالث، كمصطلحات محايدة تُـحاول أن تصف أوضاعا قائمة، ولم يقبل في المقابل تصنيفات أخرى من نوعية الدول المارقة أو محور الشر أو رُعاة الإرهاب، بفعل التسييس الشديد الذي اتسمت به، بل إن تيارات متطرّفة في المنطقة قد صكّـت هي الأخرى مفاهيم مُـفزعة (مثل تقسيم العالم المعاصر إلى دار الإسلام ودار الحرب)، ووصلت التصنيفات المرتبطة بتقارير سنوية في الفترة الأخيرة إلى 25 تصنيفا رئيسيا، لم تكن مواقع الدول العربية فى معظمها مشرفة.

وعندما ظهر تعبير "الدول الفاشلة" لأول مرة قبل 4 سنوات، كمصطلح آخر يستنِـد على مؤشرات محدّدة أعدّتها مراكز بحثية معروفة، كان الأمر أشبه بصدمة، وكان من الممكن انتقاد بعضا من أسسه ببساطة، لكنه كان تعبيرا مُـوحيا بشدة بالنسبة لرأي عام يلمس جوانب فشل قاسية تحيط به من كل جانب، وصلت في النهاية إلى أزمات خبز ومياه ودواء، لِـذا لم يكن من الممكن مقاومته، فمعظم الدول تبدو فاشلة بالفعل، لكن "البقاء" قضية أخرى.

الأبواب الثلاثة

إن هناك 3 نِـقاط تتعلّـق بالكيفية التي يمكن بها فهم مؤشِّـر الدول الفاشلة، أولها، هو التعريف، فتلك الدول هي التي لا يمكنها السيطرة على أراضيها، وعادة ما تلجأ إلى استخدام القوة وتعجز حكوماتها عن اتِّـخاذ قرارات هامة، مع عدم قدرتها على إحداث تأثير في حياة الناس أو اتجاه الأحداث، وعجزها عن تقديم الخدمات الأساسية لمواطنيها، وانتشار الجريمة والفساد داخلها، مع فشلها في التعامل بفعالية مع المجتمع الدولي، وهو تعريف معبّـر بالنسبة لعدد من دول المنطقة.

وهناك 12 مؤشرا، يتِـم الاستناد عليها في تقييم مدى فشل أو نجاح أي دولة، كانهيار الحكومة أو صراع السلطة وفقدان الشرعية وفساد الحُـكم والتمرّدات الاجتماعية وحالة الخدمات وانتهاك القانون والتدخلات الخارجية والتدهور الاقتصادي وحكم الأقلية والنزاعات العرقية وفرار المواطنين ونقص الغذاء والوضع الصحي والمستوى التعليمي، وغيرها مِـما يمكن قياسه أو لا يمكن تقديره.

أما عن مستويات الفشل، فهناك دول "المنطقة الحمراء"، التي يعني وجودها في تلك الدائرة، أنها فشلت بالفعل، كالصومال (1) والسودان (2) والعراق (5)، ثم لبنان (18)، أما دول "الدائرة البرتقالية"، فإنها تلك التي تشهد مؤشرات خطرة قد تقود لانهيارات محتملة، وتضم عدة دول عربية من بينها اليمن (21) وسوريا (35) ومصر (40)، وبعد ذلك تقع دول الخليج العربية في دائرة الدول الوسيطة "الصفراء" أي التي تأتي بعد رقم 100، بينما خلت المنطقة الخضراء، وهي منطقة الأمان ، من أي دولة عربية.

المنطقة الحمراء

وفي الواقع، لا يُـمكن الجِـدال طويلا بشأن دول المنطقة الحمراء، التي لا تعبِّـر عن دول فاشلة بقدر ما تشير إلى دول مُـنهارة. فالصومال التي تحتلّ المرتبة الأولى عالميا، دولة مُـنهارة مقسّـمة تشهد وجود 6 صراعات متوازية مرة واحدة ولا يوجد بها سوى طبيب لكل 100 ألف مواطن ولا يبدو أنها ستخرج من النفق المظلم في وقت قريب، فهي تستحق الموقع الذي تحتله.

أما السودان، التي تحتل الموقع رقم 2 في التقرير، بعد أن كانت تحتل الموقع الأول فى تقرير 2007، فإنها تعاني من كل أشكال الصراعات، ووصلت عدم قُـدرة حكومتها على السيطرة على أراضيها إلى حدّ مهاجمة فصائل مسلّـحة لعاصمتها، ويبدو أحيانا أنها قد تواجه أعراضا صومالية، لكن حكومتها المركزية لا تزال قائمة على الأقل، كما أنها تتمتّـع بثروات استثنائية لم تُـستغَـل أبدا، فهي لا تستحق الموقع الذي تحتله.

العراق حالة مأساوية، تلد كل حرب فيها حربا أخرى، لكنها مختلفة. فقد كانت قبل عقدين من أقوى دول المنطقة، وتسبّـبت السلوكيات العدوانية لقيادتها في فقدانها لحصانتها الأمنية، قبل أن يؤدّي غزو خارجي وتدخل إقليمي، وليس أداء داخلي، إلى الانهيار الرّاهن لها، لكنها تبدو وكأنها تصلح نفسها، ولا يبدو مستقبلها شديد الإظلام، وعلى الأرجح، فإنها قد تغادر موقعها الحالي.

أما لبنان، فإنها تتّـسم بوضع استثنائي، إذ بقيت بدون رئيس لفترة طويلة وتواجه انقساما داخليا حادا، لكنها تتمتّـع بوجود مجتمع قوي، يُـمكن أن يدير شؤونه أحيانا، دون حاجة لحكومة أو حتى دولة، ويمكنها أن تسير في اتجاهين متناقضين تماما. فقد تجد نفسها في عام 2009 منافسة للسودان، كما قد تجد نفسها أيضا خارج الدائرة الحمراء بمسافة أكثر أمنا ممّـن يعتقدون أنهم يُـسيطرون عليها.

الفكرة هنا، هي أن الحالة الوحيدة التي يمكن أن يتِـم الإقرار فيها بوجود فشل ذريع، هي حالة انهيار الدولة وانهيار الحكومة، لكن في الحالات الأخرى، يبدو أن هناك فشلا للحكومات، وليس الدول، أو فشلا للدول وليس المجتمعات أو أن الفشل قد حدث لأن عواصف خارجية قد أطاحت بدولة كانت في وقت ما "لا تُـمس"، بفعل سياسة خارجية فاشلة لنظامها السياسي.

المنطقة البرتقالية

في المنطقة البرتقالية، التي تعانى فيها الدول من أعراض عدم استقرار وعدم كفاءة حادّين يدفعان في اتجاه احتمالات التقدّم باتجاه سيناريوهات سيئة، توجد عدّة دول عربية، كاليمن ثم بمسافة طويلة سوريا، ثم بمسافة تالية مصر، وهنا تختلط كل الأمور. ففي نفس الدائرة، توجد دول كإيران (49) التي تستعرض قوّتها أسبوعيا وتتصرف وكأنها قوة إقليمية عُـظمى ولا يُـمكن وضعها ببساطة في خانة الدول الفاشلة، ثم إسرائيل (58)، والمقصود الضفة الغربية، التي لا يوجد فهم محدّد لوضعها العام.

لقد خرجت اليمن توّا من الدائرة الحمراء إلى الدائرة البرتقالية، لكنها لا تزال تحتلّ موقع الدولة الأولى بعد الدول المنهارة، ويصف التقرير وضعها بصورة يبدو معها أنها مُـقدِمة على تدهوُر وشيك، ولديها بالفعل مشكلات داخلية لا نهاية لها، لكن دراسات الأمن في المنطقة العربية أثبتت مِـرارا أن الدول يمكن أن تتعايش لفترات طويلة مع مشكلات يبدو من الخارج أنها ستؤدي إلى انهيارها غدا، وهو ما لا يُـلاحظه التقرير.

إن نفس الوضع ينطبِـق على سوريا، التي يبدو أن جُـرعة التسييس قد تزايدت في التعامل مع أوضاعها. فقد تبدو سوريا كدولة بوليسية، وقد يُـثار الكثير حول أوضاع عدم استقرار محتملة تُـواجهها، لكن المواطنين السوريين يتمتّـعون بأوضاع معيشية معقولة، ولدى حكومتها قدرة مثيرة على الخروج من المآزق، وبالتالي، فإن ثمة سؤال حول ما يعنيه الفشل بالضبط بالنسبة لسوريا.

أما بالنسبة لمصر، فإن الإشكالية واضحة تماما، فهناك أوجُـه فشل عديدة للحكومة المصرية فيما يتعلق بتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، على نحو أثار احتجاجات واسعة النطاق، لكن أي تعريف للفشل يتطرّق إلى السيطرة على أرض الدولة أو توفير الأمن للمواطنين أو احتمالات "الفلتان" الداخلي، لا ينطبق على حالة مصر، وهي على أي حال بعيدة تماما عن المنطقة الحمراء، لكن وجودها في المنطقة البرتقالية، أثار أسئلة مختلفة حول المعايير المتبعة.

المنطقة الخضراء

على أي حال، فإن التقرير لم يؤكِّـد أن الدول العربية هي الأكثر فشلا في العالم، فمن الواضح أن القارة الإفريقية، جنوب الصحراء الكبرى، هي الأكثر إفرازا للدول الفاشلة، كما أن الأوضاع العامة للدول العربية – بعيدا عن حالتي الصومال وربما السودان – تشهد مُـلابسات تضع علامات استفهام كبيرة حول مفهوم الفشل بالنسبة لها، وإن كان مفهوما أن التقرير يركِّـز على "العام" كوحدة تحليل، وبالتالي، فإن المسالة ليست هيكلية، وقد تتحرّك مواقع الدول بسرعة من رقم إلى آخر في العام التالي.

لقد حاول التقرير أن يقترِب من المنطقة العربية بكل ما تشهده من تعقيدات، ووردت فيه عبارات تُـشير إلى أن واضعيه قد انتبهوا إلى الإشكاليات الخاصة بعوامل، مثل التدخلات الخارجية أو الثروة النفطية أو القوة العسكرية أو المساعدات الخارجية، وعلاقتها بمسألة الفشل، لكن لم يتِـم الاهتمام بما يكفي بتوازنات وخِـبرات، كان من الممكن أن تقود إلى ترشيد مفهوم الفشل أو كان من الممكن أن تدفع دول توجد في دوائر تُـعتبر غير مقلقة باتجاه مناطق حرجة.

إن الدول الأكثر نجاحا في العالم، وفقا للتقرير، هي الدول الإسكندنافية، وبعض الدول الأخرى التي تعتبر في الذهن العربي هامشية، فلا يعتقد كثيرون أنها مُـدن فاضلة، ربما بفعل بُـعد المسافات، فهي توجد في أقصى شمال العالم أو أقصى جنوبه، ومشكلة التقرير أنه لم يقدّم مفاهيمه للنجاح بنفس قوة تقديمه لمفاهيمه الخاصة بالفشل، وبالتالي، فإن الدول الناجحة هي في واقع الأمر "أقل فشلا"، وهو ما يضفي طابعا تشاؤميا على المسألة كلها.

إن الدول العربية قد شهِـدت في الفترة الأخيرة اهتماما واسعا بتصنيفات يُـفترض أنها تفتح الطريق نحو مستقبل أفضل بالنسبة لها، على غِـرار الديمقراطيات الناشئة أو القِـوى الصاعدة أو النمور الجديدة، إضافة إلى تصنيفات أخرى تتعلّـق بالتسهيلات التي تقدّمها للاستثمارات الخارجية أو معدّلات التنمية الإنسانية أو الحريات الدينية أو مستويات الشفافية داخلها، وغيرها من التعبيرات التي تشير إلى أنها تَـسير في اتجاهات صحيحة.

رغم كل ذلك، يظل من الصّـعب للغاية انتقاد مفهوم الدولة الفاشلة بعد حدّ معيّـن. ففكرة فشل أو نجاح الدول، من الأفكار التي تجِـد صدىً في الذهن وفي الواقع بدرجة كبيرة، بصرف النظر عن المؤشرات التي تتبعها مثل تلك التقارير. فهناك بالفعل دول فاشلة، قد لا تكون بالضبط هي نفس الدول بترتيبها الذي جاء في التقرير، لكنها موجودة، وتُـمثل تهديدا لنفسها ولغيرها، لذا يوجد مستقبل لفِـكرة الدول الفاشلة.

د. محمد عبد السلام – القاهرة

ترتيب الدول العربية وبلدان أخرى في مؤشر مقياس الدول الفاشلة لعام 2008

1 - الصومال: 114،2 نقطة
2 - السودان: 113،0 نقطة
5 - العراق: 110،6 نقطة
7 - أفغانستان: 105،4 نقطة
9 - باكستان: 103،8 نقطة
12 - بنغلاديش: 100،3 نقطة
18 - لبنان: 95،7 نقطة
21 - اليمن: 95،4 نقطة
35 - سوريا: 90،1 نقطة
40 - مصر: 88،7 نقطة
47 - موريتانيا: 86،1 نقطة
49 - إيران: 85،7 نقطة
58 - إسرائيل: 83،6 نقطة
71 - جيبوتي: 80،0 نقطة
72 - روسيا: 79،7 نقطة
74 - جزر القمر: 79،6 نقطة
80 - الجزائر: 77،8 نقطة
82 - الأردن: 77،3 نقطة
84 - السعودية: 76،9 نقطة
88 - المغرب: 75،8 نقطة
92 - تركيا: 75،4 نقطة
111 - ليبيا: 70،0 نقطة
122 - تونس: 65،6 نقطة
126 - الكويت: 62،0 نقطة
134 - البحرين: 56،8 نقطة
137 - قطر: 52،7 نقطة
138 - الإمارات العربية المتحدة: 51،2 نقطة
146 - سلطنة عُـمان: 47،4 نقطة
161 - الولايات المتحدة: 31،8 نقطة
173 - سويسرا: 20،3 نقطة
175 - السويد: 19،8 نقطة
176 - فنلندا: 18،4 نقطة
177 - النرويج: 16،8 نقطة

(المصدر: صندوق دعم السلام الأمريكي)

نهاية الإطار التوضيحي
(swissinfo.ch)


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×