Navigation

Skiplink navigation

العراق: الهزات الإرتدادية للزلزال مستمرة

جلال الطالباني يتقبل تهاني القاضي مدحت المحمود إثر أداءه اليمين الدستورية كرئيس للعراق يوم 7 أبريل 2005 Keystone

ماذا تغيّـر في العراق، بعد سنتين من سقوط بغداد في حضن الاحتلال الأمريكي يوم 9 أبريل 2003؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 08 أبريل 2005 - 12:48 يوليو,

"الكثير"، يرد أنصار النظام الجديد. فالعراقيون حققوا معجزة الانتخابات في 30 يناير، حين إقترع 8 ملايين منهم مخاطرين بحياتهم في بيئة أمنية صعبة، وهم تجنبّوا الحرب الاهلية التي توقعها الكثيرون، واخيراً، بدأوا في إعادة بناء مؤسسات الدولة العراقية الجديدة.

هذه المهمة الاخيرة، شهدت قفزة كبرى إلى الامام يوم الثلاثاء 5 أبريل الماضي، حين إنتخبت الجمعية الوطنية جلال الطالباني (72 عاما) كأول رئيس كردي للعراق، ونائبين سُـني وشيعي له، مما سيفسح المجال واسعاً أمام زعيم حزب "الدعوة" الإسلامي الشيعي إبراهيم الجعفري لتشكيل الحكومة الجديدة.

وفوق هذا وذاك، أثّـرت العملية الانتخابية بقوة على المقاومة العراقية، فانخفضت نسبة عملياتها منذ مطلع السنة بنسبة 22% إلى نحو 40 عملية في اليوم، وبدأ القادة السياسيون السنّـة بإجراء مناقشات علنية حول الإنتقال من المقاومة المسلحة إلى العمل السياسي، أساساً من خلال المساهمة في وضع الدستور الدائم الجديد للبلاد.

كل هذه التطورات التي حدثت خلال السنتين المنصرمتين هي، برأي أنصار النظام الجديد، بشائر ولادة عراق ديمقراطي فدرالي مزدهر، تحصل فيه كل مكونات المجتمع العراقي الإثنية والطائفية والمذهبية على حقوقها المشروعة، وتُـطوى إلى الأبد صفحة الديكتاتورية والإستبداد في بلاد ما بين الرافدين.

إلى أين؟

أي الطرفين على حق؟ كلاهما!أنصار النظام الجديد على صواب، حين يشددون على الإيجابيات التي تحققت خلال السنتين الماضيتين. فالعراقيون حصلوا بالفعل على العديد من الحريات الليبرالية التي طالما إفتقدوها، وهذا يتمثل في وجود أكثر من 300 صحيفة حرة تتحدث كما تشاء وتنتقد كما تشاء، ومئات الاحزاب والجمعيات والهيئات من كل الاطياف والالوان.

إضافة إلى ذلك، أدخلت العملية الانتخابية وما تلاها من مداولات لانتقال السلطة إلى العراق، تقليداً لم يكن موجوداً من قبل: القبول بمحاورة الطرف الآخر والاستعداد لعقد التسويات والحلول الوسط معه، وهذا أمر سيؤدي، في حال تطوره، إلى نضخ الديمقراطية العراقية وإختمارها.

خصوم النظام الجديد على صواب أيضاً، حين يحذّرون من ان هذه المكاسب الليبرالية والديمقراطية، على أهميتها البالغة، لن تضمن عيش العراق في سلام وإستقرار، إذا ما بقيت الانشطارات المذهبية والطائفية، هي الحاكمة بأمرها في البلاد.

وهنا، يتابع هؤلاء، قد تكون تجربة لبنان مفيدة كنموذج. فالديمقراطية في تلك الدولة إستندت أيضا إلى موازين الطائفية والمذهبية. وبما ان موازين القوى هذه متغيرة ومتحولة، فقد كان لبنان يشهد حرباً أهلية مدمّرة كلما إختلت هذه الموازين، وهذا كان يحدث كل عشر أو خمس عشرة سنة تقريباً.

المَـخرج الذي يقترحه الخصوم هو إعادة بناء العراق الديمقراطي الجديد حول مفاهيم الدولة الحديثة ومتفرعاتها، من مفهوم المواطنة والمساواة أمام القانون، إلى حقوق الإنسان، بغض النظر عن إنتماءات هذا الإنسان. وما لم يتم ذلك، سيكون البديل صراعات "لا سياسية" لا تنتهي حول الحصص والمغانم والسرقات والفساد بين أمراء الطوائف والمذاهب.

الخصوم يردّون

هل توصيف هؤلاء الأنصار مقنع؟ كلا، يرد خصوم النظام، وهؤلاء لا يضمون فقط المقاومة العراقية التي يبدو انها تتشكل في غالبيتها من سنّـة الوسط وبعض الشمال، بل أيضاً العديد من القوى العلمانية والوطنية والقومية والإسلامية الليبرالية الرافضة للتقسيمات الطائفية التي أفرزها انهيار الدولة بعد سقوط بغداد.

خريطة طريق تحليل هؤلاء، ترسم الصورة الآتية:

1- الغزو الأمريكي حوّل العراق من دولة إلى مشروع دولة، ومن وطن إلى مشروع وطن، وهذه حقيقة يعترف بها الجميع، برغم إدانة معظمهم للطبيعة الاستبدادية والديكتاتورية للدولة البعثية السابقة. ولو أن الغزو إكتفى بإطاحة السلطة الصدامية، وإستبقى مؤسسات الدولة العراقية وأجهزتها المختلفة، لما تفككت البلاد على النحو الذي يحدث الان.

2- إنهيار الدولة، أسفر عن لجوء المواطنين العراقيين إلى هيئات المجتمع الأهلي الاولية، الطائفية والعشائرية، والتي تحتلف إختلافاً بينّـاً عن هبئات المجتمع المدني المستندة إلى المواطنة والوطنية، وهذا ما سبّـب "الانفجار العظيم" الاجتماعي الذي تشهده البلاد الآن، والذي تتكسر على أساسه مكونات المجتمع ما قبل الحديث.

3- في الوقت الذي إنقسمت فيه الأغلبية العربية (80% من السكان) إلى سنّـة وشيعة، برزت الأقلية الكردية كقوة قومية موّحدة، وباتت تمارس نفوذاً ضخماً في العراق لا يتناسب مع نسبتها العددية، وهذاعلى أي حال، كان واضحاً في سيطرتها على منصب الرئاسة، الذي سيلعب، برغم رمزيته، دوراًَ مهماً في صياغة الدستور، وعلى العديد من الوزارات السيادية.

4- إستمرار الفراق الكبير في طريقة العمل السياسي بين العرب السنّـة والشيعة. ففي حين ان الأخيرين إختاروا الاقتراع بأصواتهم، لا يزال الخيار المفضل للسنّـة هو الاقتراع برصاصهم، وهذا تبايُـن يهدّد بالتحوّل في أية لحظة إلى نوع من أنواع الحرب الاهلية.

5- توجّـه الولايات المتحدة للبقاء طويلاً في العراق، مستفيدة من الفترة المديدة التي سيتطلبها بناء الدولة الجديدة من جهة، وخوف الشيعة والأكراد من مجابهة "التمرد السنيّ" (كما يصفونه) بمفردهم، من جهة اخرى.

واقعية

كما هو واضح، كلا الطرفين يمتلك منطقاً قوياً. لكن، وبما ان موازين القوى الراهنة تميل بشدة الان لصالج أنصار النظام، يمكننا توقع إستمرار رقص العراق على إيقاع موسيقى هؤلاء إلى أجل غير محدد، وهذا سيعني:

- إستمرار تكسر الوطن العراقي على أسس جهوية ومذهبية وعرقية في إطار "الديوقراطية التوافقية" على النمط الطوائفي اللبناني.

- تحول العمل السياسي من جُـهد لبناء الدولة، إلى سباق لتقاسم هذه الدولة وتفكيكها إلى إقطاعات ومغانم خاصة.

- ترافق هذا العمل السياسي، مع إستمرار العمل العسكري، حيث ان كل التقديرات الأمريكية تشير إلى ان المقاومة المسلحة مرشحة للاستمرار لنحو عشر سنوات.

قد لا تَـسُـر هذه المحصلات المواطنين العراقيين الراغبين بالاستقرار والسلام والديمقراطية الحقة في بلادهم، لكنها، من أسف، محصلات واقعية. فالغزو الأمريكي لم يهز الوطن العراقي، بل احدث فيه زلزالاً ضخماً لن تزول آثاره بسهولة أو عما قريب.

ومشهد العراق الآن بعد سنتين من سقوط بغداد، ليس سوى نتيجة للهزات الارتدادية التي احدثها هذا الزلزال، والتي يُـتوقع أن تستمر بعد سنوات عدة.

سعد محيو - بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة