Navigation

انتخابات 2004 : من يُـخـرج التونسيين من لامبالاتهم ؟

على عكس الموعد الإنتخابي المقبل، شدت المهرجانات الصيفية بعروضها المسرحية (في الصورة الممثل الأمين النهدي في عرض لمسرحيته الشهيرة "في هاك السردوك إنريشو") والغنائية والموسيقية والسينمائية اهتمام نسبة كبيرة من التونسيين Keystone Archive

تتواصل في تونس الإستعدادات الحزبية والإدارية والإجرائية لتنظيم الإنتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة ليوم 24 أكتوبر القادم.

هذا المحتوى تم نشره يوم 03 سبتمبر 2004 - 10:47 يوليو,

وعلى عكس المتوقع، لا يُبدي أغلب التونسيين أي قدر من الإهتمام بهذه المحطة السياسية المهمة..

التونسيون مشغولون هذه الأيام بتوديع ما تبقى من صيفهم الذي ينتظرونه في كل عام بفارغ الصبر رغم أنه يكلفهم كثيرا ماليا وصحيا. لكن الكثير منهم، خاصة ذوي الدخل المحدود، بقدر شعورهم بالارتخاء من كثرة السهر والصخب، يشعرون بقلق يفسد عليهم أحيانا مجالسهم، وذلك عندما يتذكرون العودة المدرسية واقتراب شهر رمضان. أما النخبة السياسية بمختلف أحزابها، فهي مشغولة – كل من زاويته – في تحويل موعد الانتخابات القادمة إلى حدث هام وشعبي.

لكن ما يثر حيرة المراقبين أنه بالرغم من أن جميع الأطراف قد حددت مواقفها ومواقعها من هذا الحدث، سواء بالسلب أو الإيجاب، فإن المناخ العام بقي باهتا، لا نقاش ولا جدال ولا صراع مثلما هو الشأن في بلدان عربية أخرى ليست بعيدة عن تونس عاشت بدورها انتخابات قبل أشهر خلت، وهو ما ضاعف من عدم اهتمام الرأي العام المحلي الذي بدا وكأنه غير معني باستحقاقات يوم 24 أكتوبر القادم.

فهل يعود ذلك إلى إدراك الجميع بأن النتيجة محسومة مقدما وأن ما حصل في المواعيد السابقة سيتكرر مع تعديلات لا تمس الجوهر؟. أم أن خطاب النخبة – سلطة ومعارضة – يفتقر لعوامل الإثارة وتعبئة الجماهير التي تنتظر حوافز جديدة يخرجها من الإحساس بعدم الانتماء ؟.

قناعات النظام

توزعت الأحزاب بين ثلاث مواقف. أولها موقف المشاركة الذي تعمل السلطة على دعنه وإنجاحه حسب الشروط التي حددتها سلفا. وفي هذا الإطار توزعت المهام بين مختلف الأطراف التي قررت المشاركة، دون أن يكون هناك اتفاق مسبق بينها.

فالسلطة بمكوناتها الثلاثة (الرئاسة والحزب الحاكم والإدارة) مشغولة حاليا بوضع اللمسات الأخيرة على خطة التحرك للشروع في التعبئة والحملة الانتخابية. وبما أنه قد سبق لها أن أدارت مثل هذه "المعركة"، فقد أصبحت تتقن مسك خيوطها، لهذا تبدو واثقة من نفسها ولا تخشى أي طرف قد يهدد بإفساد هذا "العرس" المتجدد. كما يبدو أن آمال البعض قد تبخرت نهائيا في احتمال اتخاذ إجراءات سياسية، سبق وأن طالبت بها معظم أطراف المجتمع المدني واعتبرتها ضرورية لتنقية المناخ العام مثل إطلاق سراح المساجين السياسيين أو رفع سقف حرية التعبير والصحافة. فالماسكون بزمام الأمور لا يزالون، فيما يبدو، يعتقدون بأن اتخاذ مثل تلك الخطوات أمر سابق لأوانه وأنه يشكل تنازلا لا ضرورة له، وبالتالي فإن الخلاف بين السلطة وحركة النهضة تحديدا لا يزال قائما برمته لم يطرأ عليه أي تغيير كأنه لم يمض عليه خمسة عشر عاما.

وبقطع النظر عن حدة الانتقادات الموجهة ضد النظام من قبل أطراف متعددة داخلية وخارجية، فإنه لا يزال مقتنعا بأن التونسيين يساندونه حتى لو لم يهتم أكثرهم بالسياسة أو بالانتخابات ولم يذهبوا إلى صناديق الاقتراع. فالعبرة في هذا السياق ليست بالمشاركة من عدمها، ولكن بحجم ثقة الأغلبية الصامتة في قدرات السلطة على إدارة شؤون البلاد. وعدم الاعتراض في عالم السياسة والأرقام يعتبر عمليا تسليم بموازين القوى وتزكية للنظام السياسي. قد يكون الأمر مخالفا للديمقراطية، لكن حياة أنظمة الحكم في العالم العربي تقاس بمدى تحقيق فترات قياسية في البقاء، خاصة إذا حصل ذلك دون تعرض لهزات قوية أو تمرد شعبي.

وجهات نظر متعددة

أما بالنسبة لحزب "الوحدة الشعبية" فقد انشغل طيلة الصيف في إعداد برنامج الانتخابي الذي يعتقد بأنه سيشكل أداته الرئيسية في تحريك الرأي العام. ورغم أنه بمعية "الحزب الاجتماعي التحرري" قد اختارا المنافسة الشكلية للرئيس بن علي من أجل "ترسيخ مبدأ الحق في الترشح للرئاسيات"، فإن حركة الديمقراطيين الاشتراكيين فاجأت الجميع، بعد أن أنجزت قيادتها المؤتمر التوحيدي وعودة الخصوم إلى الخيمة الخضراء (نسبة إلى اللون الأخضر المعتمد منذ عام 1981 لبطاقات مرشحي الحركة في الإنتخابات)، بأن اختارت الرئيس بن علي بشكل مباشر، ودون اللجوء إلى أي شكل من أشكال الأقنعة المتحركة.

فقيادة هذه الحركة تعتبر أن منطقة اللعب الحقيقية هي الانتخابات البرلمانية وليست الرئاسية. الأولى قابلة للتفاوض ضمن آلية الحصص التي اختارتها السلطة بتزكية من معظم أطراف المعارضة، بينما الثانية غير قابلة للقسمة. لكن قيادة الديمقراطيين الإشتراكيين تقر بأن المشكلة الأساسية تكمن في "كيفية إعادة المصداقية للعملية الانتخابية ولصندوق الاقتراع".

أما أصحاب "المبادرة الديمقراطية" الذين يقفون وراء محمد علي الحلواني مرشح حركة التجديد (الحزب الشيوعي سابقا)، فقد ضحوا بصيفهم من أجل إعداد برنامجهم الانتخابي، بعد أن استثمروا جهود عدد من الخبراء والجامعيين، وجمعوا أكثر من 150 مشارك في جامعاتهم الصيفية. وفيما لا يُـعـرف إلى حد الآن كيف سيكون رد المجلس الدستوري على ملف ترشيح الحلواني (الذي يعلم سلفا بأنه لن يكون قادرا على تغيير موازين القوى) للرئاسيات، غير أن التحدي الحقيقي الذي سيواجهه يتمثل في الكيفية الذي سيدير بها حملته الانتخابية، خاصة وأن الأحزاب الديمقراطية الاحتجاجية قد رفضت مساندته، واعتبرت مشاركته "تزكية للنظام القائم".

مرشح آخر يواجه أيضا تحديا مزدوجا. فنجيب الشابي، الأمين العام للحزب الديمقراطي التقدمي، مصر على الترشح للرئاسة رغم أن ترشحه لن يقبل نظرا لتعارضه مع الشروط القانونية والدستورية التي وضعتها السلطة، ورغم فشله في إقناع بقية حلفائه بأهمية مساندته.

ويعود سبب إصرار المحامي الشابي إلى اعتقاده بأن المعركة مع السلطة ليست معركة قانونية أو انتخابية، وهو يؤكد أن الهدف من مبادرته يتمثل في "كشف زيف اللعبة السياسية" حسب قوله. أما كيف سيشد انتباه الرأي العام، فيبدو أن حزبه يستعد لخوض مواجهة سياسية مع السلطات التي ستعمل على منع من القيام بأي نشاط يندرج ضمن الحملة الرئاسية. كما أنه، سيحاول استنفاد الورقة الإعلامية لإبلاغ صوته وتجنيد الرأي العام الديمقراطي الداخلي والخارجي. ولعل الجولة التي يستعد للقيام بها في كندا تندرج ضمن سعيه لتوفير أكثر ورقات الضغط في معركته السياسية التي لن تكون سهلة، ولا يستطيع أحد أن يتكهن مُسبقا بمردودها السياسي.

محطة للخروج من حال المراوحة؟

في المحور الثالث تقف بقية الأحزاب التي تدعو إلى مقاطعة الانتخابات، وترى فيها "مهزلة سياسية". بل هناك من اعتبر مجرد المشاركة فيها "خيانة" للنضال الديمقراطي.

وتكمن مشكلة هذه "الجبهة" غير الموحدة في أنها لا تملك الوسائل الناجعة لشد انتباه الرأي العام التونسي. فالتحامها بعموم التونسيين لا يزال محدودا جدا إن لم يكن معدوما. فحركة النهضة، بعد أن لمحت إلى كونها غير معنية بالانتخابات القادمة، فاجأت المراقبين بإصدار بيان دعت فيه إلى المقاطعة. واعتبرت "أنّ ما تروج له السلطات التونسية باعتباره محطة انتخابية، إنما تفتقد إلى الشروط الدنيا للنزاهة، والشرعية".

وتعتبر حركة النهضة (محظورة) آخر الأحزاب السياسية التي عبرت عن موقفها تجاه الانتخابات القادمة. وبدعوتها للمقاطعة تكون قد انحازت إلى الأطراف الراديكالية التي اتخذت نفس الموقف، مثل "حــزب المؤتمر من أجل الجمهوريــة" و حــزب "التكتل من أجل العمل والحريات" (مرخص) و "الحزب العمالي الشيوعي التونسي" (محظور). ويبدو أن موقفها جاء نتيجة عدم إطلاق سراح مساجينها. وهي بهذا الموقف المتشدد من الانتخابات القادمة التي يراهن عليها كثيرا الرئيس بن علي، فإن الفجوة السياسية بينها وبين الحكم مرشحة للاستمرار والتوسع خلال الفترة القادمة.

أما منصف المرزوقي رئيس حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، فلم يكتف بإصدار بيان من خارج البلاد كما فعلت قيادة "النهضة" وإنما قرر العودة إلى البلاد في موفى شهر سبتمبر ليزيد من إحراج النظام في ظرف يفترض فيه أن تتجنب السلطة ارتكاب هفوات سياسية. وهو ينوي أيضا أن يشرح رؤاه السياسية والفكرية بإصدار كتاب جديد يطرح فيه مواقفه وتصوراته كما يفعل بعض الزعماء الغربيين.

هكذا تتنوع المبادرات والنوايا، والهدف ليس تحقيق مفاجأة انتخابية، وإنما تحويل هذه المحطة إلى فرصة لإخراج البلاد من حالة المراوحة السياسية. أما السؤال فيظل قائما: هل سيتمكن كل هؤلاء اللاعبين من شد اهتمام التونسيين؟. التحدي كبير، وشهر رمضان (الذي ستجري فيه الحملة الإنتخابية والتصويت) بنهاره الصاخب وسهراته المتنوعة قد يزيد الأمر تعقيدا.

صـلاح الدين الجورشي - تونس

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.