في الفضاء، سويسرا الصغيرة ضمن نادي الكبار

لمسة من الدقة السويسرية لسبر أغوار الفضاء العميق

تلسكوب صغير بعد طول انتظار. في نهاية عام 2019، قامت أوروبا بوضع التلسكوب السويسري في مداره، وهو ما يتيح معرفة المزيد عن بعض الكواكب البعيدة الواقعة على بعد فراسخ فلكية من الأرض، والتي قد تكون عليها حياة.

مارك - أندري ميزري مارك - أندري ميزراي
صورة مركبة لتلسكوب "كيوبس CHEOPS" في مستقره بين برودة الفضاء وروعة السماء. ESA

"مهمتنا ذات طابع سويسري بحت، فالتلسكوبات الأخرى تقوم برصد آلاف النجوم من أجل العثور على كواكب جديدة، في حين يقوم كيوبس برصد كل نجم على حدة، فيعطينا أدق التفاصيل الخاصة بأهم الكواكب المُكتَشَفة"، على حدّ قول وِيلي بِنْز، أستاذ الفيزياء في جامعة برن، والمسؤول عن "كيوبس CHEOPS"، التلسكوب ذو الاسم المختصر من اسم على مسمى باللغة الإنجليزية (CHaracterising ExOPlanet Satellite) أي القمر الصناعي المحدِّد لخصائص الكواكب الخارجية البعيدة، أو الواقعة خارج مجموعتنا الشمسية.

الشرح: الكواكب الخارجية هي تلك الكواكب التي تدور حول نجوم غير شمسنا، وعلى الرغم من أننا دائمًا ما قدّرنا وجودها، إلا أن أول كوكب تم تحديده رسميًا خارج مجموعتنا الشمسية كان في عام 1995 من قِبل السويسرييْن ميشيل مايور وَديدييه كِيلوز، ومنذ ذلك الحين، تمكنا من فهرسة أكثر من 3600 كوكب، بينما لا نزال في البداية، والهدف النهائي من هذا البحث، واسع النطاق، هو العثور على آثار حياة في أي مكان في الكون.

السنة الضوئية هي المسافة التي يقطعها الضوء (300 ألف كم / ثانية) في السنة، أو ما يقرب من 10 آلاف مليار كيلومتر، وبالنسبة للمسافات الصغيرة ، يتم استخدام الوحدة الفلكية (UA) ، وهي المسافة من الأرض إلى الشمس (150 مليون كم)، وإذا كانت الأبعاد كبيرة جدا يستخدم وحدة قياس بارسيك، وهي قديمة وتبلغ حوالي 3,2 سنة ضوئية.

End of insertion

ولكن هناك مشكلة "صغيرة": يتراوح عدد النجوم في مجرة درب التبانة (أي مجرتنا) ما بين 100 و 400 مليار ، وهي بعيدة جدًا عن بعضها البعض، ويتبعد قنطور الأقرب أو (باللاتينية: بروكسيما سنتوري أو Proxima Centauri)، وهو أقرب النجوم إلينا، مسافة 42 مليار كيلومتر (4,2 سنة ضوئية)، أما النجوم الأخرى التي تضيء سماءنا مثل سيريوس، وفيغا، وريجل، دينيب، ألتير، فإنها تبعد عشرات مئات، بل ربما عشرات آلاف، السنين الضوئية.

أما كيف يمكننا رصد كواكب على هكذا مسافات، تُظهرُها أكبر تلسكوباتنا أشبه بذرات من الضوء؟ نعم ممكن، بإحدى طريقتيْن متطورتيْن في الوقت الحاضر: إحداهما السرعة الشعاعية والثانية العبور. وهو ما يوضحه الفيديو المرفق.

ليس تلسكوبا إضافيا

عملية الرصد بواسطة السرعة الشعاعية تتم من الأرض، عبر توصيل التلسكوب بجهاز يقيس الطيف، ذو حجم كبير يعمل على تحليل التغيرات في طيف ضوء النجوم، وأدق مطيافيْن ضوئييْن متاحيْن حتى الآن هما سويسريي الصنع ويطلق عليهما هاربس، أحدهما يقوم بمسح نصف الكرة الجنوبي من تشيلي، والآخر يمسح نصف الكرة الشمالي من جزر الكناري، وقريبا سيتم استبدالهما بجهاز آخر، يطلق عليه اسْبْرِسّو، ويتيح دقة أكبر بعشر مرات، هو أيضا سويسري الصنع!

يجري حاليا اختبار التلسكوب، الذي يمثل الجزء الرئيسي للقمر الصناعي كيوبس، وفي "غرفة نظيفة" بجامعة برن، لكي لا يصله شيء من الغبار الذي قد يؤثر على قراءته. نشاهده في وسط الصورة عبر شاشة التحكم. swissinfo.ch


ولمراقبة عبور الكواكب، أي حين يصادف مرور الكوكب أمام نجمه الذي يدور هو حوله، يلزم رصدها من الفضاء ومن حيث يمكن رؤية النجوم بوضوح، وتستخدم هذه الطريقة في اكتشاف الكواكب، ولهذا الغرض، أطلق المركز الوطني الفرنسي لدراسات الفضاء ووكالة الفضاء الأوروبية، في عام 2006، التلسكوب الفضائي "كوروت"، ثم تبعه في عام 2009، التلسكوب الأمريكي "كبلر"، فأمكن بواسطتهما تحديد أكثر من 3 آلاف كوكب جديد، وفي الصيف المقبل، ستطلق ناسا التلسكوب "تِس" الذي يقوم بمسح السماء بكاملها.

وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن أن تكون مساهمة تلسكوب كيوبس في هذا النتاج الثري الحاضر والمستقبل؟

كيوبس (القمر الصناعي المحدِّد لخصائص الكواكب الخارجية البعيدة)

الوزن: 280 كجم ، منها 60 كجم وزن التلسكوب لوحده  

قطر العدسة: 30 سم (كما في كوروت، بينما في كبلر 1 متر، وفي تِس فيبلغ 4 × 10 سم)

المدار: قطبي، على بعد 700 كيلومتر من الأرض، وسيدور كيوبس من قطب إلى آخر، وفوق الخط الفاصل بين الليل والنهار، لكي يستطيع دوما مراقبة الجزء المظلم من السماء، ويكون ظهره إلى الشمس.

الإطلاق: متوقع في نهاية عام 2019 من قاعدة كورو في غينيا، بواسطة صاروخ سويوز، حيث سيسافر ضمن رحلة مخصصة في الأصل للقمر الصناعي الإيطالي "كوزمو سكاي مِد COSMO-SkyMed"، الذي سيراقب الأرض وخاصة البحر الأبيض المتوسط، ولولا ذلك لكان لزاما على السويسريين أن ينتظروا 18 شهرا لإطلاق كيوبس نظرًا لقلة الرحلات المنطلقة باتجاه المدار القطبي للأرض.

السعر: حوالي 100 مليون يورو، تتحمل وكالة الفضاء الأوروبية 50 مليون، وسويسرا 33 مليون، بينما تتقاسم الدول العشر الأخرى بحصص متفاوتة الباقي وهو 17 مليون يورو.

End of insertion

يؤكد ويلي بنز قوله: "سنكون أول من يترك الاكتشاف، فقد كان كوروت رائدا بحق، ثم جاء كبلر، العملاق الذي حقق اكتشافات مذهلة، وزوّدَنا بالإحصائيات، وكشفت لنا الاختلافات المهولة بين الكواكب وبين نظام كوكبي وآخر، والآن نريد من خلال كيوبس أن نذهب أبعد، وأن نستكشف الكواكب لنتعرّف على خصائصها وتراكيبها ودرجات حرارتها، وما إذا كانت تحوي ماء...".

وسيكون التحدي بالنسبة لهذه المهمة اختيار الكواكب الأكثر أهمية، وباصطلاح الفيزيائيين "في آي بي VIP"، مختصرا من الإنجليزية "Very Important Planets" أي الكواكب المهمة جدا، وبالطبع، توجد أهداف محدّدة مسبقا، ولكن هناك أيضا كواكب جديدة ستُكتشَف عن طريق التلسكوب "تِسْ" الذي سيتم إطلاقه قبل ستة أشهر من كيوبس، ولذلك، سيقوم مركز الإشراف على المهمة، والذي سيكون مقره في جنيف، بتزويد التلسكوب أسبوعيا ببرنامج خاص بالنجوم التي ستخضع للرصد.

ويؤكد ويلي بنز: "بعكس الآخرين، سنرصد نجما واحدا فقط قبل أن ننتقل إلى غيره، وباعتبار معرفتنا بمواعيد عبور الكواكب، فلن تأخذ منا دراسة أي منها وقتا طويلا، وسيكون بالإمكان برمجة تتابع عملية الرصد بصورة أفضل".

لأول مرة في التاريخ

أحرز كيوبس لقب أول مهمة "صغيرة" لوكالة الفضاء الأوروبية (أقل من 50 مليون يورو)، من بين 25 منافسًا، ووفق ويلي بنز: "فزنا لأننا كنا الأفضل، وبالفعل، عندما طُرحت المنافسة في ربيع عام 2012 محددة بمهلة ثلاثة أشهر، كانت دراسة الجدوى لدينا حاضرة، حيث اشتغلنا عليها 18 شهرا بتمويل من الإدارة العامة للتدريب والبحث والابتكار، ولذلك كنا مستعدين".

لم يكن خافيا على سويسرا أن المهمة المصنّفة أوروبيا بأنها "صغيرة" هي في الواقع كبيرة جدا على سويسرا لوحدها، ولما كان من شأن وكالة الفضاء الأوروبية أن تساعد في تحقيق ما يحتاج إلى تضافر الجهود، استقر الحال، في نهاية المطاف، أن يضم مشروع كيوبس 11 دولة.

وبالنظر إلى الطفرة التي تحققت في مجال الفيزياء الفلكية خلال العقدين الماضيين، ندرك بأن الاهتمام بسبر أغوار الكواكب خارج المجموعة الشمسية قد فرض نفسه ولم يأت من فراغ، وفي هذا يقول ويلي بنز: "لو بحثنا عن الدوافع العلمية التي تجعلنا نستثمر مليار يورو في بناء تلسكوب يبلغ قطره 40 متراً في تشيلي، سنجد الكواكب الخارجية في المقدمة".

"الحياة على الكواكب الأخرى، في هذا الكون، هي واحدة من القضايا الأساسية للعلم، ولهذا تشهد أبحاثنا زخما، ولأنها المرة الأولى في تاريخ البشرية التي تكون لدينا فيها التكنولوجيا اللازمة للإجابة عن هذا النوع من الاستفسارات"، أوضح بنز الذي يشغل أيضا منصب مدير البرنامج الوطني "بلانتس PlanetS" للبحوث المعني بدعم وتطوير الأبحاث حول الكواكب الخارجية البعيدة في سويسرا.

خيال الأطفال في الفضاء

يقول البروفيسور ويلي بنز: "لا يقتصر دورنا على مجرد تعليم الطلاب، وإنما أيضًا تفتيق قرائحهم"، وبالإمكان إيجاد الكثير مما يتعلّق بكيوبس وصلته بالعالم الباهر (العوالم الأخرى والمخلوقات الفضائية) على الموقع الإلكتروني، من رسم تليسكوب للتلوين للصغار إلى تنزيل برنامج لتصميم نموذج خاص لقمر صناعي وطباعته بواسطة آلة طابعة ثلاثية الأبعاد.

وكذلك وجّه كيوبس نداء للأطفال لإيفاد رسوماتهم من أجل إرسالها إلى الفضاء، وقد استقبلت إدارة المشروع أكثر من 8 آلاف رسم من جميع أنحاء أوروبا، وقعت القرعة على 3 آلاف كلها مرفوعة على الموقع الالكتروني، وفي وقت لاحق، سيتم ضغط كل واحدة منها إلى مقياس ملليمتر واحد ونقشها على إحدى واجهات الهيكل الخارجي للتلسكوب.

End of insertion
واحدة من الصور التي سترافق كيوبس إلى الفضاء. cheops.unibe.ch

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة