تونس: وعاد الحديث عن "عقدة" الإسلاميين

رغم ضراوة الجدل الدائر في صفوف النخبة السياسية والثقافية حول مسألة مشاركة الإسلاميين إلا أن المواطن العادي في تونس لا يبدو مكترثا بالموضوع Keystone Archive

بعد ثلاثة عشر عاما، عاد الجدل السياسي في تونس حول مدى "مشروعية" التنسيق مع الإسلاميين المحسوبين على حركة النهضة المحظورة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 28 يناير 2006 - 06:01 يوليو,

وعلى الرغم من اختلاف المواقف وحدة السجالات إلا أن الجميع، بمن في ذلك الراديكاليون الأيديولوجيون، أصبحوا يسلمون بأن الإسلاميين جزء لا يتجزأ من الخارطة السياسية المحلية.

يعود السبب المباشر الذي فجر هذه القضية من جديد إلى "حركة 18 أكتوبر" التي كانت عبارة عن مبادرة احتجاجية تمحورت حول المضربين الثمانية عن الطعام، والتي شارك فيها والتقى حولها ممثلون عن حركات وتيارات وشخصيات متعددة، بمن في ذلك عناصر لم تخف توجهها الإسلامي.

وبالرغم من أنه لم يكن ذلك التقاطع السياسي الأول من نوعه الذي حصل بين بعض مكونات الوسط الديمقراطي العلماني وبين الإسلاميين، غير أنه كان الأكثر أهمية ووضوحا وجدية منذ بداية التسعينات.

لكن لماذا حصل الآن هذا التقاطع بين الإسلاميين وعديد الأطراف العلمانية بما في ذلك فصيل رئيسي من اليسار التونسي ؟. ومن المستفيد من ذلك ؟.

يبدو واضحا أن السياسة المتشددة التي انتهجتها السلطة على مدى السنوات الأخيرة هي التي دفعت بخصوم الأمس إلى الالتقاء وتبني أسلوب الدفاع المشترك. فالسلطة رفضت، بعد أن نجحت في إقصاء حركة النهضة من الساحة، أن تعطي فرصة لبقية الأطراف السياسية حتى تبني نفسها بشكل حر ومستقل. ولهذا كان من المنطقي أن تتقاطع مصالح المستبعدين والمقصيين من اللعبة السياسية رغم الخلافات العميقة القائمة بينهم.

"عندما يعم الضرر يتوحد الخصوم"

هذا ما حدث في الحالة التونسية، حيث التقى السيد حمة الهمامي زعيم "حزب العمال الشيوعي التونسي" مع مطالب حركة النهضة الخاصة بإطلاق سراح المساجين السياسيين وإصدار عفو تشريعي عام.

ورغم انزعاج السلطة وتحفظ بعض المجموعات اليسارية الصغيرة من هذا التقارب الذي حصل بين الإسلاميين وعدد من التيارات العلمانية، إلا أن الوضع السياسي العام عندما يبلغ درجة متقدمة من التكلس والانسداد في أي بلد من البلدان، فإنه يقلب بالضرورة الأولويات ويعيد بناء التحالفات، ويجمع المهمشين والمقموعين على أرضية سياسية مختلفة عن المراحل السابقة.

حدث هذا ويحدث في بلدان عديدة، فلماذا يستبعد البعض وقوعه في تونس، رغم أن الذي يجري حاليا لم يبلغ مستوى التحالف، وإنما هو فقط تقاطع والتقاء ظرفي حول مصالح وأهداف مشتركة.

الجديد هذه المرة، هو ما أقدم عليه "حزب العمال " من فصل بين البعد العقائدي أو الأيديولوجي وبين البعد السياسي. فبعد أن كان مناضلو هذا الحزب ورفاقهم في بقية تنظيمات أقصى اليسار بما في ذلك الحزب الشيوعي سابقا يؤسسون خصوماتهم مع الإسلاميين انطلاقا من اعتبارات أيديولوجية ومذهبية، أصبح منهم اليوم من يميز بين الخلاف المذهبي - وهو قائم ومستمر- وبين إمكانية التنسيق السياسي الظرفي مع الإسلاميين من أجل تحقيق مطالب مشتركة ذات طابع وطني.

تأجيل المعركة الأيديولوجية

الذين قرروا تحدي السلطة وتجاوز كل "الخطوط الحمراء" التي وضعتها منذ مطلع التسعينات، بما في ذلك التنسيق أو التحالف مع الإسلاميين، ينطلقون من اعتقادهم بأن المرحلة الحالية تستوجب تكتيل كل الجهود من أجل توسيع دائرة الحريات في البلاد، ولهذا أطلقوا على الهيئة التي تم تشكيلها اسم "لجنة 18 أكتوبر للحقوق والحريات".

إنهم يعتقدون بأن الأولوية الآن يجب أن تعطى لتوفير مناخ سياسي يسمح للجميع بالحركة والصراع والفرز الديمقراطي. وبالتالي يؤجلون عمليا المعركة الأيديولوجية مع الإسلاميين إلى مرحلة قادمة تتوفر فيها الشروط الموضوعية والذاتية لخوض مثل تلك المعارك.

وحتى يأخذوا بعين الاعتبار الضغوط التي تمارسها عليهم أطراف عديدة في المجتمع المدني، تم تأسيس منتدى لإدارة الحوار مع الإسلاميين حول جملة من المسائل الفكرية والسياسية التي غالبا ما تعتمد للتشكيك في الخطاب الديمقراطي الذي تتبناه حاليا حركة النهضة. بمعنى لآخر، ستعمل هذه الأطراف العلمانية على افتكاك جملة من "الضمانات" من الإسلاميين حتى لا يفاجئون الرأي الديمقراطي بمواقف مناهضة للحرياات والحقوق الأساسية للمواطنات والمواطنين التونسيين.

كما أن هذه الأطراف لم يضع يدها في أيدي الإسلاميين فقط لأسباب تتعلق بما تعرض له هؤلاء من اضطهاد وقمع، ولكن أيضا لاعتقادهم بأن الخصم الأساسي في هذه المرحلة هو نظام الحكم، وأن تعديل موازين القوى يستوجب بدرجة أساسية تشكيل جبهة معارضة واسعة لا تقصي أحدا، بمن في ذلك الإسلاميون الذين رغم حالة الضعف التي يعانون منها، إلا أنهم لا يزالون يشكلون الفصيل الرئيس في المعارضة التونسية من حيث الحجم وعدد الأنصار.

لا شك في أن "حركة النهضة" تعتبر في مقدمة المستفيدين من هذا التقارب الذي حصل. فهي بعد سلسلة الضربات القوية التي تلقتها على إثر المواجهة التي دارت بينها وبين النظام في مطلع التسعينات، بقيت تعاني من العزلة السياسية لسنوات طويلة.

وقد حاولت أن تفك هذه العزلة مرات عديدة، حيث عمدت منذ سقطت قلاعها في الداخل أن تتحالف تباعا مع كل من محمد المزالي، رئيس الوزراء الأسبق عندما كان ملاحقا، وأحمد بن صالح، الوزير القوي في الستينات، وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين (انظر بيان "الغنوشي - مواعدة" الصادر في مارس 2001).

ثم تجددت المحاولة مع اجتماع باريس الذي عقد قبل أيام من تنظيم الاستفتاء حول تعديل الدستور في مايو 2002. ثم كاد اجتماع "أكس أون بروفنس" (جنوب فرنسا) المنعقد في مايو 2003 أن يشكل خطوة نحو بناء الجبهة السياسية التي طالما دعا إليها الدكتور المنصف المرزوقي لولا اعتراض بقية الشركاء الذين حضروا الاجتماع.

لكن ظروفا داخلية وخارجية تظافرت هذه المرة لتضع الإسلاميين في قلب الحراك الديمقراطي، الذي رغم محدوديته وتعثراته المتواصلة إلا أنه على المستوى الرمزي قد لفت أنظار الجميع، ولقي الدعم من أوساط واسعة على الصعيدين المحلي والدولي.

ومع ذلك فإن هذا التقاطع الذي قد يتحول إلى "تحالف جبهوي" يضع حركة النهضة أمام معضلة سياسية، إذ عليها أن تختار بين خطاب المصالحة الذي تبناه شق من كوادر الحركة، والذي عمليا لم يسفر عن نتائج ملموسة نظرا لتمسك السلطة بسياسة العصا، وبين خيار المواجهة والتصعيد.

أطراف رافضة وأخرى منتقدة

أما الذين أزعجهم هذا التقارب مع الإسلاميين فهم أكثر من طرف. أولهما السلطة التي ضعفت حجتها كثيرا بعد أن كانت تعتبر محاربتها للإسلاميين هو "دفاع عن الحداثة والديمقراطية" ضد هجمة "الإرهابيين الظلاميين". ولهذا تحاول الآن تغذية التناقضات داخل الأوساط الديمقراطية، والطعن إعلاميا في مصداقية ووطنية الأطراف التي قبلت التنسيق مع الإسلاميين.

أما الطرف الثاني فقد اختار الالتفاف حول حركة التجديد (الحزب الشيوعي سابقا)، التي لا تزال منذ مطلع التسعينات تحلم بتشكيل "قطب تقدمي يساري". وهو طموح لم يتحقق إلى حد الآن، رغم غياب الإسلاميين على الساحة لأكثر من خمسة عشر عاما. فاليسار التونسي بقي يمر بحالة تراجع وتفكك لأسباب عديدة يطول شرحها.

وقد عقدت هذه الأطراف مؤتمرا صحفيا وأصدرت نصا مشتركا انتقدت فيه بشدة فكرة التنسيق مع الإسلاميين باعتبارهم يشكلون "الخطر القادم على الديمقراطية والمجتمع". كما أنهم اتهموا رفاقهم السابقين بأنهم قد سقطوا في فخ مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يهدف - حسب اعتقادهم - إلى "إشراك الإسلام المعتدل في الحياة السياسية بما في ذلك السلطة من أجل تحويل وجهة الارهاب إلى الداخل بدلا من أن يظل موجها إلى الخارج، وإلى حمل دول المنطقة إلى القبول بإقامة علاقات كاملة مع إسرائيل"، مثلما ورد في بيان " الشيوعيون الديمقراطيون".

وبالرغم من أن هذا الموقف له منطقه الخاص به، إلا أنه أثار تحفظات العديد من الفاعلين والمراقبين الذين رأوا فيه تقاطعا مع سياسة النظام، وعودة بالخطاب السياسي المعارض إلى مرحلة سابقة كانت محكومة بأطروحة الاستقطاب الثنائي، التي أدت في النهاية إلى الاصطفاف وراء أحد الخيارين: الوقوف مع النظام أو الوقوع في شباك الإسلاميين.

بالنسبة للأحزاب الممثلة في البرلمان والتي يصفها خصومها بكونها "أحزاب السلطة" فإن أغلبها أدانت هذا التقارب واعترضت على ما تعتبره محاولة لإعادة "الإسلاميين" إلى النشاط السياسي من الشباك بعد أن أخرجهم النظام من الباب.

يدور هذا الجدل حاليا في تونس، رغم حالة الفتور التي تعاني منها أوساط المعارضة بعد الديناميكية التي خلقها إضراب 18 أكتوبر. ومهما تكن نوعية التطورات التي ستشهدها البلاد خلال المرحلة القادمة، فإن الجميع، بمن في ذلك الراديكاليون الأيديولوجيون، أصبحوا يسلمون بأن الإسلاميين جزء لا يتجزأ من الخارطة السياسية المحلية، وأن كل ما حققته السلطة في هذا المجال أنها نجحت في تأجيل معالجة هذا الملف ، لكنها لم تتمكن من تصفيته نهائيا.

فالمعالجة الأمنية قد تضعف بعض الظواهر الاجتماعية والسياسية، لكنها تفشل غالبا في اقتلاعها، إن لم نقل بأنها تقويها أحيانا وتزيدها صلابة وتضفي على أصحابها شرعية إضافية.

صلاح الدين الجورشي - تونس

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة