Navigation

جـدل الأفـكـار والرؤى في أوروبــا

يعتقد مراقبون أن موقف الغالبية في كل من فرنسا وهولندا قد تبرز في بعض البلدان الأوروبية الأخرى، خاصة تلك التي تساهم بالقسط الأكبر من موازنة الاتحاد Keystone

يواجه الاتحاد الأوروبي أزمة مزدوجة انفتحت بعد أن أسقط الفرنسيون والهولنديون القناع عن رفضهم وثيقة الدستور الأوروبي.

هذا المحتوى تم نشره يوم 19 يوليو 2005 - 20:05 يوليو,

ولئن كانت العمليات الإرهابية التي أدمت لندن يوم 7 يوليو الجاري تثير الحاجة للتضامن، فإنها لن تكفل الاستجابة للاندماج، بل تزيد في درجات الحذر ورفع الحواجز على الحدود.

يقف الاتحاد الأوروبي أمام أزمة مزدوجة انفتحت بعد أن أسقط الفرنسيون والهولنديون القناع عن رفضهم وثيقة الدستور الأوروبي، ومعها ربما مسيرة البناء التي بدت في نظر الكثيرين عملية فوقية، أرادتها نُـخب السياسة وأوساط المال، بعيدا عن واقع الصعوبات اليومية والمخاوف الأمنية التي يواجهها المواطنون بشكل متزايد.

وعلى رغم ابعادها وتعقّـد خيوطها، فإن العمليات الإرهابية التي أدمت لندن يوم 7 يوليو الجاري تثير الحاجة للتضامن، لكنها لن تكفل الاستجابة للاندماج، بل تزيد في درجات الحذر ورفع الحواجز على الحدود.

وقد تبدو موافقة غالبية سكان لوكسمبورغ على الدستور، ثاني أصغر بلد في الاتحاد بعد مالطا، يوم الأحد 10 يوليو، بمثابة الرمز بأن قسما من الأوروبيين لا يريدون دفن وثيقة الدستور.

وقد صادق عليها إلى حد الآن 13 بلدا من أصل 25 هم أعضاء الاتحاد. لكن القمة الأوروبية فضّـلت الاصغاء في الشهر الماضي إلى انتقادات الرأي العام وقررت وقفة تأمل. وأجلت كل من بريطانيا وبولندا وجمهورية التشيك والبرتغال والدنمارك وأيرلندا تنظيم الاستفتاء على الدستور، كما أجلت كل من فنلندا والسويد عرضه على البرلمان. وتحتد الأزمة المؤسساتية بمضاعفات الخلافات بين البلدان الأعضاء حول موازنة الفترة المقبلة 2007 ـ 2013.

مخاوف أوروبا "العجوز"

وتأتي الأزمة المزدوجة بعد عام وأسابيع من توسع الاتحاد وارتفاع عدد أعضائه الى 25، على إثر استيعابه البلدان الشرقية الثمانية زائد قبرص ومالطا. وتسجل الذاكرة القريبة أن دخول البلدان الشرقية في مطلع شهر مايو 2004 مَـرّ من دون احتفالات مميّـزة في عواصم بلدان أوروبا الغربية.

ولوحظ بشكل خاص نقص حماس الرأي العام، وكأنه يعلم بأن كُـلفة التوسيع ستكون باهضة والحمل ثقيلا على كاهل دافعي الضرائب في بلدان أوروبا "العجوز"، التي بنت الاتحاد منذ مطلع الخمسينات من القرن الماضي.

ويعد تغييب الرأي العام عن عملية التوسيع، وعدم استشارته حول دخول البلدان الشرقية، من ضمن الأسباب الرئيسية التي جعلته يرد على القادة الأوروبيين برفض وثيقة الدستور، رغم كونها تهدف إلى تنظيم سير مؤسسات الاتحاد وتوحيد المنظومة القيمية المشتركة بين شعوب الاتحاد.

وكان البعض من كبار الخبراء والمفكرين تنبّـهوا، على إثر استكمال خطة التوسيع في ربيع 2004، إلى أن المشروع قد يكون دخل أزمة نقص الطموحات، باستثناء الجدل حول تركيا وطبيعة الحدود الثقافية والجغرافية السياسية للاتحاد.

وأتت خطة ضم البلدان الشرقية في العام الماضي بعد عامين من تعميم العملة الموحدة "يورو"، التي أثبتت صدقيتها في السوق العالمية من دون أن تُـرضي رجل الشارع الأوروبي. ويرى ذوو الدخل الضعيف في العملة الواحدة سببا في تراجع القدرة الشرائية.

وتفيد عمليات استطلاع الرأي التي أجريت في صفوف الناخبين الفرنسيين -الذين رفضوا الدستور في استفتاء 29 مايو 2005- أن 40% منهم صوّتوا ضد الدستور للتعبير عن غضبهم حيال الأوضاع الاجتماعية وارتفاع البطالة، التي تُقدر في فرنسا بنسبة 10%.

ورفضت النسبة نفسها (40%) وثيقة الدستور بسبب خوفها من عواقب توسع الاتحاد. فيخشى الفرنسيون، وبشكل خاص الفئات الشعبية ذات الدخل المتوسط، مثلما هو الحال بالنسبة لغيرهم من شعوب الاتحاد في أوروبا الغربية، من منافسة العمالة الوافدة من أوروبا الشرقية، والهجرة السرية التي تتجسّـد ملامحها في الأحياء والشوارع الهامشية في المدن الأوروبية.

وقد يكون الخوف مجرّد وهم بدليل أن الإسبان أو البرتغاليين لم يغزوا بلدان الاتحاد بعد دخولهم المجموعة الأوروبية عام 1986. لكن الوهم لا يمنع الإحساس الحقيقي بالخوف. أما النسبة المتبقية (18%) من الذين رفضوا الدستور الأوروبي، فهم صوّتوا ضده للتعبير عن رفضهم مستقبل عضوية تركيا.

وقد تكون الأسباب ذاتها، البطالة والمخاوف من عواقب التوسيع ومعارضة عضوية تركيا، زائد المسبِّـبات المحلية، دفعت غالبية الهولنديين 63% إلى التصويت بدورهم ضد الدستور.

"الخوف غلب الحلم"..

ويواجه الهولنديون منذ أعوام تراجعا في انظمة الحماية الاجتماعية وصدمات الهجرة من خلال تنامي تيارات يمينية تستهدف المهاجرين والثقافة الإسلامية، خاصة منذ تفجيرات نيويورك وواشنطن عام 2001.

ويمثل المهاجرون 10% من سكان البلاد، غالبيتهم من تركيا والمغرب. واهتز الشارع الهولندي في الفترة الأخيرة بفعل حوادث الاغتيالات السياسية التي لم يعهدها في السابق.

ففي 2002، اغتال ناشط في منظمة بيئية الزعيم اليميني المتنامي بيم فورتين الذي ذاع صيته في صفوف الأوساط الشعبية بفعل خطاباته المعادية للمهاجرين. وأحس المجتمع بالإرباك مرة ثانية في شهر نوفمبر 2005 على إثر اغتيال المخرج فان غوغ على يد شاب هولندي من أصل مغربي (محمد ب)، بسبب فيلم "الاذعان" الذي انتقد فيه فان غوغ بشدة وضع المرأة المسلمة، وعمد فيه إلى كتابة آيات القرآن الكريم فوق جسد امرأة شبه عارية، وهو ما أثار غضب الجالية المسلمة.

وقد يعتقد المرء بان التوتر بين الهولنديين والمسلمين لا يمت بأية صلة لوثيقة الدستور، لكن وضع الانغلاق الذي يشهده المجتمع الهولندي منذ أعوام يفسّـر إلى حد كبير الحيطة تُـجاه المهاجرين المسلمين والعمالة الوافدة من بلدان وسط وشرق أوروبا.

وأصبح الهولنديون يُـعلنون معارضتهم المشروع الأوروبي، ويرفضون أن تكون مساهمة بلادهم كبيرة في الموازنة المشتركة لتمويل عمليات التوسيع، التي لا يرى المواطنون فوائدها بالنسبة إليهم في حياتهم اليومية. وعقّـب رئيس وزراء لوكسمبورغ، رئيس القمة في حينه، على الوضع فور خيبة الدستور في هولندا في بداية هذا الشهر قائلا "أوروبا أصبحت لا تثير الأحلام". ورأى رئيس البرلمان جوزيف بوريل من ناحيته بأن "الخوف غلب الحلم".

أفكار كثيرة للخروج من المأزق

ويعتقد مراقبون بأن موقف الغالبية في كل من فرنسا وهولندا قد تبرز في بعض البلدان الأوروبية الأخرى، وبشكل خاص في تلك التي تساهم بالقسط الأكبر من موازنة الاتحاد. وتعد المانيا وهولندا والنمسا والسويد وفرنسا وبريطانيا أكبر المساهمين في الموازنة المشتركة.

وأمام تفجر أزمة الثقة في الاتحاد، وجد القادة الأوروبيون أنفسهم أمام وضع غير مسبوق وقرروا في اجتماعهم منتصف الشهر الماضي في بروكسل وقفة للتفكير في مستقبل المشروع الأوروبي وحدوده والانموذج الاجتماعي المشترك، إن وُجد.

وسيعقد قادة الاتحاد اجتماعا استثنائيا يومي 27 و28 سبتمبر في بروكسل، تحت رئاسة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، لبحث آفاق سير مشروع الاندماج الأوروبي وصيغ استدارج الرأي العام لكسب مساندته.

وتثير الأزمة العديد من الأفكار لاجتياز الممر الضيق. فالبعض يقترح مراجعة الدستور وتبسيط بعض جوانبه وإعادة تأميم بعض السياسات ذات الصلة بالشأن الاجتماعي والخدمات العامة. وقد كتب وزير الخارجية الفرنسي السابق هوبير فيدرين في هذا الشأن بأن القيادات السياسية تجاهلت موقف الرأي العام حيال مسائل التوسيع إلى درجة أن من يجرؤ على انتقاد دخول البلدان الشرقية، يُتهم بالتمييز العنصري، فيتراجع عن الإدلاء برأيه.

ويقترح هوبير فيدرين أن تتخلى أوروبا عن الدستور، وأن يتم التركيز بدله على المشروعات المشتركة التي يلمسها الرأي العام، مثل المشاريع الكبرى في مجالات النقل والتكنولوجيا والصحة وغيرها. وفي جميع السيناريوهات، فإن وثيقة الدستور أصبحت "جثة هامدة" على الأقل إلى ما بعد 2006.

أزمة الموازنة تزيد الطين بلة

وتضاعفت الأزمة السياسية المؤسساتية بتداعيات الأزمة المالية بعد أن فشلت القمة السابقة في التوصل إلى اتفاق حل الوسط لأسباب الخلافات الشديدة بين الدول المساهمة في الموازنة، وبريطانيا التي تريد التفريط في قيمة المبالغ التي تستردها من الخزانة المشتركة (الصك البريطاني).

وتهدف الموازنة إلى توفير الموارد المالية الكافية لتمويل عمليات توسيع الاتحاد وسياسات الزراعة والإنماء خلال الفترة ما بين 2007 ـ 2013. وحددت الرئاسة السابقة (لوكسمبورغ ) قيمة 817 بليون يورو أو 1,06% من الناتج المحلي الخام للاتحاد، لكنها اصطدمت في هذا الشأن بالعديد من الصعوبات.

فالبلدان التي تساهم بالقسط الأكبر، وبشكل خاص ألمانيا وهولندا تُـعاني من مصاعب مالية واجتماعية، تدفعها للمطالبة بتقييد سقف الموازنة عند مستوى 1% من الناتج المحلي الخام. وتطالب أيضا بتجميد ما يُـعرف بـ"الصك البريطاني"، الذي تسترد بريطانيا بمُـقتضاه قيمة 4,6 بليون يورو في العام منذ 1984، لتعويض ارتفاع مساهمتها في الموازنة المشتركة.

وهنا تشتد الأزمة، وتتولى بريطانيا رئاسة الاتحاد منذ مطلع الشهر حتى نهاية العام، وترفض الانفراد بتقديم التنازلات المالية وتطالب في المقابل بمراجعة كافة سياسات الانفاق، منها بالخصوص سياسة الزراعة التي تكلف 40% من موازنة الاتحاد. لكن فرنسا ترفض بدورها أي تغيير في صيغة انفاق ودعم المزارعين وفق اتفاق جماعي سابق تم وضعه عام 2002.

وتفرض الأزمة صياغة العديد من السيناريوهات السياسية والمالية للخروج من الممر الضيق. وتختلف الصورة في منتصف 2005 من حيث تعدد الأفكار عن العقم الذي أصاب المشهد غَـداة توسع الاتحاد في مايو 2004.

فالاتحاد ملزم ببدء المفاوضات مع تركيا يوم 3 أكتوبر المقبل، ويُـفترض في قادته القيام بجهد كبير لإقناع الرأي العام بجدوى الخطوة التاريخية. وقد ينصب جهد المراجعة بالنسبة لبعض الزعماء على مسايرة الموقف المناهض لانضمام تركيا. فزعيمة الديموقراطيين المسيحيين في ألمانيا، انجيلا ميركيل، لا تخفي معارضتها لانخراط تركيا في عضوية الاتحاد.

وترجح عمليات استطلاع الرأي أن انجيلا ميركيل ستفوز بمقعد المستشارية في شهر سبتمبر المقبل. ويشاطرها الرأي زعيم اتحاد الحركة الشعبية، وزير الداخلية الفرنسي نيكولا ساركوزي، الذي يعارض علنا انضمام تركيا للاتحاد، وهو بدوره مرشح نظريا لانتخابات الرئاسة في فرنسا عام 2007. وينتمي الإثنان إلى جيل جديد من القيادات السياسية التي لا تربطها مرجعيات تاريخية بالمحور الألماني الفرنسي، ولا تناهض طروحات رئيس الوزراء البريطاني حول الأنموذج الاجتماعي، وتحرير أسواق العمل ولا تعادي السياسات الحربية للإدارة الأمريكية في العالم.

نورالدين الفريضي - بروكسل

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.