Navigation

"مَن شارك في إعداد التعديلات.. ينقصهم الخِبرة القانونية والثقافية"

في الثالث من ديسمبر 2013، تسلم الرئيس المصري المؤقت المستشار عدلي منصور مشروع الدستور المعدل من عمرو موسى رئيس لجنة الخمسين. Keystone

يوم الإثنين 9 ديسمبر، أشار هاني محمود، وزير الدولة للتنمية الإدارية في الحكومة المصرية إلى أنه سيتم إجراء استفتاء على دستور جديد للبلاد في منتصف شهر يناير 2014، وجاء ذلك بعد أيام قليلة من إتمام جمعية مؤلفة من 50 عضوا كتابة المُسودة وتسليمها إلى الرئيس المؤقت عدلي منصور. ويُعدّ الدستور الجديد معلما مهما في خطة التحول السياسي التي وضعتها حكومة مؤقتة تولت السلطة بعد أن عزل الجيش الرئيس محمد مرسي المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين في الثالث من يوليو الماضي.

هذا المحتوى تم نشره يوم 14 ديسمبر 2013 - 18:00 يوليو,
همام سرحان - القاهرة, swissinfo.ch

في هذا السياق، أوضح الفقيه الدستوري الدكتور جمال جبريل، أستاذ القانون الدستوري ورئيس قسم القانون العام بكلية الحقوق بجامعة حلوان، أن لجنة الخمسين خالفت الإعلان الدستوري الذي استمدّت منه شرعِيتها، حيث تعدّت المدّة القانونية التي حدّدها (60 يوما)، كما خالفت المهمّة التي كلِّفت بها (إدخال تعديلات على دستور 2012)، حيث قامت بإعداد دستور جديد، وهو "ما يجعل المُنتج الدستوري النهائي، هو العدم سواء".

وفي حوار خاص مع swissinfo.ch، أشار جبريل، رئيس لجنة نظام الحُكم في الجمعية التأسيسية لدستور 2012، إلى أن "الكثير من موادّه جيّدة، وإن كُنت آخُذ على أعضائه أنهم خلطوا عملهم الدستوري بالمواقِف السياسية من ثورة 25 يناير، فيما بدا عليهم نقْص الخِبرة القانونية". المزيد من التفاصيل في نص الحوار.

swissinfo.ch: ما هي أبرز ملاحظاتكم على المُنتج الدستوري الذي أخرجته لجنة الخمسين التي كلّفها الرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور بإعداده؟

د. جمال جبريل: أهم ملاحظة، أنهم خالفوا الإعلان الدستوري الذي يستمدّون منه شرعيتهم، في أمريْن مهمّيْن يدخلان في شرعية المنتج الدستوري. أولهما، المدة التي استغرقوها في كتابة المشروع، حيث تجاوزت المدّة القانونية التي حدّدها الإعلان الدستوري والتي انتهت في 7 نوفمبر الماضي. وثانيهما، أنهم يتحدّثون عن كتابة "دستور جديد"، وهو ما يجعل المُنتج الدستوري هو والعدم سواء، لأن الإعلان الدستوري الذي يستمدّون شرعيتهم منه والصادر في 8 يوليو 2013.

وأبرز دليل على أنهم لم يُدخِلوا تعديلات، وإنما كتبوا دستورا جديدا، أنهم كتبوا "ديباجة" جديدة، وهذا يعني أنهم تبنّوا فلسفة جديدة، وهو ما يصل ببطلان هذا المنتج الدستوري من الناحية القانونية إلى حدّ الإنعِدام. وبلُغة القانون، يمكننا القول بأن "السلطة التأسيسية المُنشأة وِفقا للإعلان الدستوري، اغتصبت اختصاص السّلطة التأسيسية الأصلية المُنتخبة من الشعب، مما يؤدّي بعملها إلى حالة الإنعِدام القانوني". وفي رأيي، أن مَن شارك في إعداد هذه التعديلات، ينقصهم الخِبرة القانونية والثقافية.

swissinfo.ch

swissinfo.ch: في تقديركم.. ما الذي أضافه مشروع دستور 2013 المعدّل ولم يكن موجودا في دستور 2012؟

د. جمال جبريل: أرى أن التعديلات التي تمّت في باب "الحريات"، أخذت اتجاها أكثر ليبرالية من دستور 2012، أكثر ليبرالية بالمعنى الحرفي للكلمة، وهذا الفِكر الليبرالي سيصعب تطبيقه في مصر، لأن مشكلة الليبرالية الثقافية، أنها تجعل مرجعِيَتَك بعيدة تماما عن العادات والتقاليد وتعاليم الأديان السماوية (المسيحية والإسلامية). فعلى سبيل المثال في مسألة الإبداع الفني، يقول المشروع أبدع كما تشاء، فليس هناك أيّ عقوبة مقيّدة للإبداع، وهذا كلام خطير وصعْب التطبيق على أرض الواقع. فالعالم الإسلامي كلّه هاج على الرسّام الدانماركي واعتبروا ما رسمه إساءة للرسول (صلى الله عليه وسلم)، بينما بموجب المشروع المعدّل للدستور، لو رسم فنّان مصري مثل هذا الرسم المُسيء، فليس هناك ما يُدينه، لأن المشروع يعتبره نوعا من الإبداع الفني!.

الأمر الثاني في باب "نظام الحُكم"، وأنا مؤمِن بأن أنظمة الحُكم الأوروبية هي أكثر الأنظِمة صلاحية للبشر، لأنها استقرّت عبْر عشرات السِّنين على أنها أفضل شكْل للحُكم. ومشكلة مشروع الدستور المعدّل أنه أقرّ نظاما للحُكم، لا هو رئاسيا ولا هو برلمانيا، حيث أعطى لرئيس الجمهورية مسؤولية سياسية وأجاز سحْب الثقة منه، كما أعطى لرئيس الوزراء مسؤولية سياسية وأجاز سحب الثقة منه، فلماذا إذًن لم يجعلوه نظاما برلمانيا واضحا وصريحا؟!.

فأهم ما يُـميِّز النظام الرئاسي، أن رئيس الجمهورية باعتباره منتخبا من الشعب، يقف على قدم المُساواة مع البرلمان ولا يمكن سحْب الثِّـقة منه، لأن الإثنين (أي الرئيس والبرلمان) مُنتخَبان من الشعب، ومن ثَـمَّ، لا يصحّ لمُنتخِب أن يسحَب الثقة من مُنتخَب! وهذا منطق دستوري، فضلاً عن كونه مبدأً من مبادِئ الديمقراطيات المستقرّة في الغرب، ومن ثَـمّ، لا يليق بمَن وضعوا هذا المشروع أن يجرِّبوا في الشعب المصري، فيمنحوا رئيس الجمهورية صلاحيات كثيرة ويعطوا رئيس الوزراء صلاحيات تجعله أكثر نفوذًا من الرئيس، خاصة وأن وراءه خلفية برلمانية قد يحرِّكها – إذا أراد - لسحْب الثقة من الرئيس في أول خلاف بينهما، وهذا في تقديري نوع من العبَث السياسي بالشعب.

الأمر الثالث، بخصوص منح المشروع للرئيس حقّ تعيين 5% من أعضاء مجلس النواب (حوالي 25 نائبا)، في الوقت الذي لم يمنح دستور 2012 للرئيس أيّ اختصاص في هذا الشأن، بل وألغى المادّة التي كانت موجودة في دستور 1971 والتي كانت تعطي الرئيس حقّ تعيين 10 أعضاء في مجلس الشعب. لابد أن نفهم أنه لا يوجد في دول العالم الديمقراطي المحترم، نائب واحد مُـعيَّن في مجالس النواب.

أبرز مواد مشروع الدستور المصري المعدّل التي أثارت جدلا

مادة (1): جمهورية مصر العربية دولة (مستقلة) ذات سيادة، موحدة لا تقبل التجزئة، ولا ينزل عن شيء منها، نظامها "جمهوري" ديمقراطي، "يقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون".

مادة (16): تلتزم الدولة بتكريم شهداء (ثورة الخامس والعشرين من يناير) "الوطن"، ورعاية مصابي الثورة، والمحاربين القدماء والمصابين، واسر المفقودين في الحرب وما في حكمها، ومصابي العمليات الأمنية، وأزواجهم وأولادهم ووالديهم.

مادة (74): للمواطنين حق تكوين الأحزاب السياسية، بإخطار ينظمه القانون. ولا يجوز مباشرة أى نشاط سياسى، أو قيام أحزاب سياسية على أساس دينى، أو بناء على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل أو على أساس طائفى أو جغرافى، أو ممارسة نشاط معاد لمبادئ الديمقراطية، أو سرى، أو ذى طابع عسكرى أو شبه عسكرى. ولا يجوز حل الأحزاب إلا بحكم قضائى.

مادة (75): ......... ويحظر إنشاء أو استمرار جمعيات أو مؤسسات أهلية يكون نظامها أو نشاطها سرياً أو ذا طابع عسكرى أو شبه عسكرى....

المادة (102): يشكل مجلس النواب من عدد لا يقل عن (350 عضوا) "أربعمائة وخمسين عضوا"، ........

مادة (142): يشترط لقبول الترشح لرئاسة الجمهورية أن يزكى المترشح عشرون عضوًا على الأقل من أعضاء مجلس النواب، أو أن يؤيده ما لا يقل عن (20 ألف) "خمسة وعشرين ألف" مواطن ممن لهم حق الانتخاب في (10 محافظات) "خمس عشرة محافظة" على الأقل....

مادة (159): يكون اتهام رئيس الجمهورية "بانتهاك أحكام الدستور"، (بارتكاب جريمة) أو بالخيانة العظمى، أو أية جناية أخرى، بناء على طلب موقع من (ثلث) "أغلبية أعضاء" مجلس النواب على الأقل، ولا يصدر قرار الاتهام إلا بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس، وبعد تحقيق يجريه معه النائب العام. واذا كان به مانع يحل محله احد مساعديه.

مادة (161): "يجوز لمجلس النواب اقتراح سحب الثقة من رئيس الجمهورية، واجراء إنتخابات رئاسية مبكرة، بناءً علي طلب مسبب وموقع من أغلبية أعضاء مجلس النواب علي الأقل، وموافقة ثلثي اعضائه. ولايجوز تقديم هذا الطلب لذات السبب خلال المدة الرئاسية إلا مرة واحدة. وبمجرد الموافقة علي اقتراح سحب الثقة، يطرح امر سحب الثقة من رئيس الجمهورية واجراء انتخابات رئاسية مبكرة في استفتاء عام، بدعوة من رئيس مجلس الوزراء، فإذا وافقت الأغلبية علي قرار سحب الثقة، يُعفى رئيس الجمهورية من منصبه ويُعد منصب رئيس الجمهورية خالياً، وتجري الانتخابات الرئاسية المبكرة خلال ستين يوماً من تاريخ إعلان نتيجة الاستفتاء. واذا كانت نتيجة الاستفتاء بالرفض، عُد مجلس النواب منحلآ، ويدعو رئيس الجمهورية لانتخاب مجلس جديد للنواب خلال ثلاثين يومآ من تاريخ الحل".

مادة (185): تقوم كل جهة، أو هيئة قضائية على شئونها، ويكون لكل منها موازنة مستقلة، "يناقشها مجلس النواب بكامل عناصرها، وتدرج بعد إقرارها فى الموازنة العامة للدولة رقماً واحداً"، ويؤخذ رأيها فى مشروعات القوانين المنظمة لشئونها.

مادة (193): تؤلف المحكمة (الدستورية العليا) من رئيس (وعشرة أعضاء)، "وعدد كاف من نواب الرئيس"...

مادة (204): .............. ولا يجوز محاكمة مدنى أمام القضاء العسكرى، إلا فى الجرائم التى (تضر بالقوات المسلحة) "تمثل إعتداءً مباشراً على المنشأت العسكرية أو معسكرات القوات المسلحة أو ما فى حكمها، أو المناطق العسكرية أو الحدودية المقررة كذلك، أو معداتها أو مركباتها أو أسلحتها أو ذخائرها أو وثائقها أو أسرارها العسكرية أو أموالها العامة أو المصانع الحربية، أو الجرائم المتعلقة بالتجنيد، أو الجرائم التى تمثل إعتداءً مباشراً على ضباطها أو أفرادها بسبب تأدية أعمال وظائفهم".

مادة (234) من الأحكام الانتقالية: "يكون تعيين وزير الدفاع بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وتسرى أحكام هذه المادة لدورتين رئاسيتين كاملتين اعتبارا من تاريخ العمل بالدستور".

مادة (243) من الأحكام الانتقالية: "تعمل الدولة علي تمثيل العمال والفلاحين تمثيلاً ملائماً في أول مجلس للنواب يُنتخب بعد إقرار هذا الدستور، وذلك علي النحو الذي يحدده القانون".

مادة (244) من الأحكام الانتقالية: تعمل الدولة علي تمثيل الشباب والمسيحيين والاشخاص ذوي الاعاقة تمثيلاً ملائماً في أول مجلس للنواب يُنتخب بعد إقرار هذا الدستور، وذلك علي النحو الذي يحدده القانون.

أبرز المواد المحذوفة

المادة (219): "مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة".

(ملحوظة: الكلمات باللون الغامق هي المحذوفة من المواد المناظرة لها في دستور 2012 المُعطل).

End of insertion

swissinfo.ch: وما رأيكم في إلغاء مجلس الشورى في المشروع المعدّل للدستور؟ وفي تقديركم ما الذي دفعهم لإلغائه؟

د. جمال جبريل: العالم يتّجه إلى الأخذ بنظام المجلسيْن، حتى الدول التي تعمَل بنظام المجلس الواحد، لأنه الأفضل في التشريع. فأن تعهد بالتشريع إلى مجلسين، أحدهما يضم باقة من الخبراء والعلماء والمتخصصين في شتى المجالات، أفضل من أن تعهد بالتشريع إلى مجلس واحد، وهو أمر يفرق كثيرا في إدارة شؤون الدولة.

وإذا كانوا قد ألغَوا الشورى للتخفيف من الأعباء الإقتصادية، فهو أمر غيْر منطقي، لأن المادة (245) من الأحكام الإنتقالية، ألزمت الدولة بنقْل العاملين بالشورى، بكافة حقوقهم، إلى مجلس النواب، وهُم يتقاضون النِّسبة الأكبر من موازنة الشورى، وما تمّ توفيره، أقل كثيرا من الخسارة التي تقع جرّاء حادثة قطار واحد.

swissinfo.ch: المادة (16) والخاصة بتكريم شهداء الوطن ورعاية مُصابي الثورة...إلخ، هي نفس النصّ الذي كان موجودا في دستور 2012، غير أنهم حذفوا منها عِبارة (تكريم شهداء ثورة الخامس والعشرين من يناير).. فما تعليقكم؟

د. جمال جبريل: في رأيي أن حذف هذه العِبارة من النص القديم، يكشف عن موقف سياسي للسلطة الجديدة في مصر من ثورة 25 يناير 2011، والتي أراها مثل الكثيرين، أعظم ثورة في التاريخ المصري الحديث. وما كان ينبغي على مَن كلّفوا بإجراء بعض التعديلات على دستور 2012 أن يُقحموا المواقِف السياسية في كتابة الدساتير.

swissinfo.ch: في المادة (74) والخاصة بحق المواطنين في تكوين الأحزاب السياسية، بمجرّد الإخطار، أضافت لجنة الخمسين عبارة (.. ولا يجوز مباشرة أي نشاط سياسي أو قيام أحزاب سياسية على أساس ديني... أو ممارسة نشاط... سري أو ذي طابع عسكري أو شبه عسكري...)، فما تعليقكم؟

د. جمال جبريل: هذا الكلام جميل ومنطِقي ورائع، لكن ما المقصود بعِبارة على أساس ديني؟ هل المقصود أن لا تكون هناك أحزاب للمسلمين وأخرى للمسيحيين؟ إن كان كذلك، فهذا أمر ممنوع طبعا، لكن أن تكون مرجعيتي كحزب سياسي مستقاة من الفِكر الإسلامي أو المبادئ الإسلامية، فأنا حُر.

فهناك الحزب الديمقراطي المسيحي في ألمانيا يحكُم البلاد منذ حوالي 12 عاما، لذا، فالمسألة تحتاج إلى تفسير. وفي تقديري، أن هذه العبارة تستهدِف تحجيم الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، مثل "الحرية والعدالة" و"البناء والتنمية" وغيرها، حتى أيضا حزب "النور" السلفي الدّاعم لهم!! هذا بالطبع في حال تفسيرهم للنصّ المُضاف على أنه يعني "الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية".

swissinfo.ch: أضافت لجنة الخمسين إلى المادة (75) والخاصة بإنشاء الجمعيات الأهلية عبارة (... ويحظر إنشاء أو استمرار جمعيات أو مؤسسات أهلية يكون نظامها أو نشاطها سرياً أو ذا طابع عسكري أو شبه عسكري...)، فكيف ترون هذه الإضافة؟

د. جمال جبريل: هذه إضافة جيّدة ومهمّة، فلا يصحّ أن تكون هناك جمعية أهلية ويكون لها نشاط عسكري أو تكون ذات طابعٍ سرّي، وأنا لا أحاكِم الناس على البواعِث والنوايا، وإنما على التصرّفات والأفعال، ومن هنا، فإنني أعتقِد أن النصّ الذي أمامنا معقول ومناسب.

swissinfo.ch: جاء في المادة (159) من مشروع الدستور المعدّل، النصّ التالي: (يكون اتهام رئيس الجمهورية "بانتهاك أحكام الدستور"، بدلاً من عبارة "بارتكاب جريمة" أو بالخيانة العظمى أو أية جِناية أخرى)... فما تعليقكم؟

د. جمال جبريل: أنا مع هذه الإضافة تماما، وهي منقولة من الدستور الألماني. وأنا شخصيا في الجمعية التأسيسية لإعداد دستور 2012، طالبتُ بأن تكون موجودة، لكن لم يُؤخذ بمُقترحي وقتها، فمن المهِم أن يتحوّل انتِهاك رئيس الجمهورية لأحكام الدستور إلى جريمة جِنائية، لكن الفارِق هنا أن رئيس الجمهورية في دستور 2012 لم يكُن مسؤولاً من الناحية السياسية، ففكّرت أن أضع هذا النصّ ليكون بمثابة مسؤولية جِنائية للرئيس. أما الآن وبعد أن جعلوه مسؤولاً سياسيا، فلم يكن هناك داعٍ لأن نجعله مسؤولاً جنائيا.. بصراحة، مَن صاغوا هذه التعديلات، تنقصهم الخِبرة القانونية بدروب العِلم والفِقه الدستوري.

swissinfo.ch: استحدثت اللّجنة المادة (161) والتي تجيز لمجلس النواب (اقتراح سحْب الثقة من رئيس الجمهورية وإجراء انتخابات رئاسية مبكّرة....)، فما هو تعليقكم على هذه المادة؟

د. جمال جبريل: هذه مادّة كارثية بكل المعايير. ففي النُّظم الديمقراطية في العالم، رئيس الجمهورية غيْر مسؤول سياسيا، نظرا لأنه مُنتخَب من الشعب. فهل رئيس الولايات المتحدة أو رئيس فرنسا مسؤولٌ سياسيا؟! بالطبع لا، إنما المشكلة أنهم اخترعوا لنا نظاما غريبا، يكون فيه لرئيس الوزراء نفوذ كبير على رئيس الجمهورية. فرئيس الوزراء قد تكون وراءه أغلبية برلمانية، بينما الرئيس قادم من حزب صغير أو ربّما يكون مستقِلاً ولا ينتمي إلى أيّ حزب سياسي. ومن هنا، سيكون ريشة في مهبّ الريح، في حال وقوع أي خلاف بينه وبين رئيس الوزراء، الذي يمكنه أن يُوعز إلى رئيس مجلس النواب أن يبدأ في إجراءات سحْب الثقة منه، وهو ما يعكِس قلّة خِبرة واضحة بين أعضاء لجنة الخمسين. وفي تقديري أن الأمر لو اقتصَر على التّعديلات التي أعدّتها لجنة العشرة، التي تكوّنت من خبراء في القانون الدستوري، لأنتجوا دستورا أفضل من هذا بكثير.

swissinfo.ch: وماذا عن المادة (193)، والخاصة بتشكيل المحكمة الدستورية العليا (من رئيس وعدد كافٍ من نواب الرئيس...)، بدلاً من عبارة (رئيس وعشرة أعضاء)، التي كان منصوصا عليها في دستور 2012؟

د. جمال جبريل: هُم أعادوا المادة كما كانت في دستور 1971 بلا عدد، وأول مرة يتمّ تحديد أعضاء المحكمة الدستورية، كان في دستور 2012، بهدف تقليل التّكلفة المادية والعودة إلى نصّ دستور 71 في تقديري يرجع إلى وِجْهة نظر مَن وضعوها، ولا يجب أن يُحمَل على أي وجه آخر، مثل الخلاف الدائر بين الإخوان والقُضاة، وخاصة أعضاء المحكمة الدستورية العليا التي قضت بحلّ مجلس الشعب، ذي الأغلبية الإسلامية.

swissinfo.ch: في المادة (204) من مشروع الدستور المعدّل والخاصة بمحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري، حذفت اللّجنة عِبارة (.. إلا في الجرائم التي تضرّ بالقوات المسلحة)، وذكرت بدلاً منها 15 نوعا من الجرائم المفصّلة... فما تعليقكم؟

د. جمال جبريل: لو اعتبرنا أن نية أعضاء لجنة الخمسين حسنة، فإن هذا النصّ لا بأس به، لكن الطريق إلى جهنّم مفروش بالنيّات الحسنة، وفي تقديري أن النصّ الأول الذي كان موجودا في دستور 2012، كان أفضل، لأنه أجمل الأمر، وهذا شأن الدساتير، وترك التفصيل للقانون. وفي تقديري، أن هذا عيْب في الصياغة على أقلّ تقدير، كما يكشف عن قِلّة خِبرة أعضاء اللجنة.

swissinfo.ch: المادة (234) من الأحكام الانتقالية، والتي تنصّ على أن: (يكون تعيين وزير الدّفاع، بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وتسرى أحكام هذه المادة لدورتيْن رئاسيتيْن كاملتيْن، اعتبارا من تاريخ العمل بالدستور).. أثارت لغطًا كبيرا وجدلاً في الشارع السياسي، حيث اعتبرها البعض تحصينا من اللجنة للفريق أول عبد الفتاح السيسي.. فما تعليقكم؟

د. جمال جبريل: القِوى السياسية في الشارع، لابد أن يكون لها تأثير وأثر في كتابة الدستور. فعندما كانت القِوى الإسلامية في وضع مميّز، كان لابد أن يكون لها وضع مميّز عند كتابة الدستور، والآن القوات المسلحة في وضع مميّز، فلا مانع من أن يكون لها تمييز معيّن عند كتابة الدستور، وفي اعتقادي، أن هذا النصّ – رغم أنني غير موافِق عليه - يحدّد قواعِد اللّعبة إلى حدٍّ كبير، فهو يعطي القوات المسلحة ميزة نِسبية لمدة 8 سنوات.

أقول هذا، رغم أنني لست مع هذا النصّ، لأنه يجعل من وزير الدّفاع سلطة خارج السلطات، كما أنه قد يخلق أزمات دستورية بلا داعٍ، لأن مجلس النواب، هو مَن سيُوافِق على تشكيل الحكومة، وِفقا للتّعديلات الدستورية، فماذا سيحدُث لو كان ضِمن التشكيل الوزاري، وزير دفاع وافَق عليه المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ورفضه مجلس النواب؟! ماذا سيكون الحل آنذاك؟! فضلا عن أن هذا الأمر غير موجود في دول العالم الديمقراطية.

كما أنه في هذا النص، أمر قد يلتبس على العامة، وهو أنه ليس المقصود أن يبقى وزير الدفاع (الحالي) في منصبه 8 سنوات متواصلة، وإنما المقصود أن هذا التّحصين مدّته 8 سنوات فقط، بعدها يعود منصِب وزير الدّفاع إلى وضعه العادي كأي وزير آخر، فهذا امتياز لمنصِب وزير الدفاع وليس للسّيسي، وعليه، فإنني لست قلقا من هذه المادة، رغم أنني غير راضٍ عنها. فهذا النصّ لا يُحصِّن السيسي، وإنما يحصِّن منصب وزير الدفاع، أيًا كان الوزير الذي سيشغله ضمن التشكيل الوزاري القادم.

swissinfo.ch: المادتان (243) و(244) من الأحكام الانتقالية، منحت "كوتة" خاصة للعمال والفلاّحين والشباب والمسيحيين والاشخاص ذوي الإعاقة، للتمثيل في أول مجلس نواب مُنتخب بعد إقرار هذا الدستور.. فكيف تقرأهما؟

د. جمال جبريل: هذه ليست كوتة، وإنما مواد للترضية السياسية، خاصة بعد إلغاء المادة التي كانت تشترِط أن يكون 50% من أعضاء البرلمان من العمّال والفلاّحين، وهو إلغاء صحيح ومنطِقي، وقد يأتي القانون المفصّل بمواد تلزم الأحزاب والقِوى السياسية بتخصيص أول ثلاث مقاعِد، مثلاً من قوائمه لهذه الفئات، وهي في رأيي ليست "كوتة"، وإنما هي من باب الإهتمام بترشيح هذه الفئات وعرضها على الشعب، دون ضمان نجاحهم.

swissinfo.ch: في مقدمة المحذوفات من دستور 2012، المادة (219)، والتي تنص على "مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة"... فما تعليقكم؟

د. جمال جبريل: الحقيقة أنني من البداية، وخلال عملنا لإعداد دستور 2012، لم أكن مع وضع المادة (219) في الدستور، لأنها لا تضيف شيئا للمادة الثانية من الدستور، والتي تنصّ على أن (الإسلام دين الدّولة..)، ومن ثمّ، فإنني مُوافق على حذفها من مشروع الدستور المعدل، ولا أرى في حذفها أيّ تعدٍّ على الشريعة الإسلامية، كما يحاول أن يصوّر البعض.

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة