تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

حوار خليجي حول المجتمع المدني

احتضنت مدينة تعز اليمنية مؤخرا ندوة غير مسبوقة حول "المجتمع المدني في دول الجزيرة والخليج العربي" شارك فيها العديد من الخبراء من معظم دول المنطقة.

وقد أوصى المشاركون فيها بتعميق التعاون والتشابك بين مؤسسات وهيئات المجتمع المدني في المنطقة للاستفادة من مختلف التجارب القائمة.

اختمت ندوة المجتمع المدني في دول الجزيرة والخليج العربي، "تحديات الواقع وآفاق المستقبل" التي انعقدت في مدينة تعز اليمنية يومي 4 و5 مايو أشغالها بالدعوة إلى تعميق التعاون والتشابك بين مؤسسات وهيئات المجتمع المدني في المنطقة للاستفادة من تجارب بعضها البعض.

وعكست هذه الدعوة في مضمونها مدى ثقل الواقع التقليدي على فعالية هيئات المجتمع المدني، كما بدا ذلك من خلال أراء المشاركين في هذه الندوة، التي انعقدت لأول مرة في موضوع كهذا.

وطبقا لأراء المشاركين في هذا اللقاء، الذي نظمه مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان في اليمن بالتعاون مع منظمة "كونراد رايدن أور" الألمانية، ثمة عوائق عديدة ذاتية وموضوعية تحد من فاعلية ودور مؤسسات المجتمع المدني، منها ما يتعلّـق بالمحيط الاجتماعي والسياسي التقليدي، ومنها ما يتعلق بالأطر التشريعية والقدرات المالية.

مصاعب عدة .. ونجاعة مفقودة

فعلى مستوى اليمن، الذي يتمتّـع بحرية نسبية مقارنة بغيره من بلدان المنطقة، يوجد به وفقا لآخر الإحصائيات حوالي 4124 منظمة وهيئة، أغلبها معطلة، منها 1400 مُـحالة على القضاء بسبب مخالفاتها لقانون الجمعيات والمنظمات الأهلية، إما لأنها لم تقم بأي نشاط منذ تأسيسها أو لم تُـجْـر انتخابات لهيئاتها القيادية أو لم تلتزم بتقديم حساباتها الختامية. ويبلغ عدد الهيئات المعنية بميادين ذات صلة بحقوق الإنسان في اليمن، وفقا لدليل منظمات المجتمع المدني الذي أعده مركز المعلومات والتأهيل، 180 منظمة وهيئة.

كما أن تقرير التنمية البشرية الوطني رسم صورة قاتمة لدور هذه الهيئات المُـعول عليها في التنمية المستدامة، إذ لم تساهم مجتمع إلا بحوالي 0.12% من الناتج المحلي الإجمالي ما بين عامي 2000 و2001، وهي تعاني من مصاعب ومعوقات عدة على مستوى التسيير والتمويل، وعلى مستوى التفاعل الاجتماعي مع طبيعة عملها بسبب سيادة التركيبة الاجتماعية التقليدية وهيمنة البنية القبلية داخل المجتمع اليمني.

ولا يقتصر الحال على اليمن في وجود مثل تلك المعوقات، بل اتضح أنها تسود في مختلف بلدان المنطقة، ويأتي على رأس قائمة تلك الصعوبات التي تُـعاني منها هذه المؤسسات، الفضاء الاجتماعي الذي تشتغل فيه.

مـرحـلة انتقالية

وحول هذه الإشكالية، قال الدكتور عزت عبد الهادي، الخبير في منظمات المجتمع المدني لسويس إنفو "الواقع هناك تعاريف مختلفة للمجتمع المدني، البعض يضم إليه المؤسسات الإرثية والجمعيات الخيرية والدينية، إضافة إلى الجمعيات المدنية التي تعتمد على المؤسسات الوسيطة القائمة على مبادئ الديمقراطية وسيادة القانون. وبالتالي، هناك تمييز مابين المجتمع الأهلي الذي يرتكز على الأسرة والقبيلة والعشيرة والفئات العصبية والفئوية، وبين المجتمع المدني الذي يجب أن يرتبط بنظام ديمقراطي وتنظيمات لا تستند إلى العصبية".

وأضاف الدكتور عبد الهادي: "نحن في العالم العربي عامة والمنطقة خاصة، في دور الانتقال إلى المجتمع المدني، وفي طور العمل على إدارة الانتقال من المجتمع الأهلي الطبيعي القائم على العائلية والفئوية والعصبية إلى المجتمع المدني القائم على المواطنة والديمقراطية والشفافية والمسأءلة".

وتتنوع الصعوبات التي تواجه نمو وتطور المجتمع المدني، تبعا لتنوع بلدان المنطقة. وفي هذا السياق، أوضحت الدكتورة ريما الصبان لسويس انفو بعض ملامح التجربة الإماراتية قائلة: "المجتمع المدني في الإمارات مجتمع ضعيف نسبيا، ويقدر عدد هيئاته بما يزيد قليلا عن 100 منظمة ذات نفع عام أغلبها إرثية، وفي الفترة الأخيرة بدأت تنشط الجمعيات المهنية وجمعيات الجاليات" الأجنبية المقيمة في الدولة.

وتضيف الدكتورة ريما الصبان أن "جمعيات الجاليات عددها كبير مقارنة بالجمعيات الوطنية، وهذه الأخيرة لا تتوفر على جمعيات عامة، وإنما تقوم على لجان تنفيذية".

أما فيما يتعلق بالجمعيات النسوية في بلادها فقالت الدكتورة الصبان: "هناك جمعيات للمرأة في كل إمارة تسيطر عليها الشيخات أو زوجات الحكام، وبطبيعة الحال هذا الوضع له أثار إيجابية وأخرى سلبية، فهو من ناحية، يمكن من توفير قدرات مالية كبيرة ويساعد على عقد الكثير من الندوات والمؤتمرات، لكنه في المقابل، يؤخر الحراك الاجتماعي ويجعل الحضور والمشاركة الاجتماعية غير عالية فيها".

أوجـه الضعف متعددة

من جهة أخرى، بدا واضحا أن جذور المشكل تكمن في بنية السلطة القائمة في بلدان المنطقة. وفي هذا الصدد، قال عبد النبي العكري من الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان لسويس انفو "الإشكالية الكبيرة التي تعيق عمل مؤسسات المجتمع المدني هي علاقتها بالسلطات العمومية".

وأضاف العكري أنه من المفروض في هذه العلاقة أن "لا يكون هناك مجرد تعاون فقط، بل شراكة بين الدولة والمجتمع المدني طبقا للمواثيق الدولية المصادق عليها من قبل دول المنطقة، مثل قرارات الأمم المتحدة في مؤتمر كوبنهاغن، وقمة عام ألفين حول التنمية المستدامة، إلا أن العلاقة مختلة، بحيث تتحكم الحكومات بالقوانين والتشريعات وغير مسموح في بعضها بنشاط مؤسسات المجتمع المدني".

وذهب الناشط البحريني إلى القول: "نحن بحاجة لتصحيح هذه العلاقة لمصلحة الطرفين، لاسيما أننا نقوم بالخصخصة، والأسواق مفتوحة أمام المبادرات التجارية، ومن غير المعقول أن يكون المجتمع في منأى عن كل التفاعلات التي تحيط وترتبط بمصالحه وبمستقبله، دون أن يكون قادرا على الدفاع عن مصالحه".

وفي معرض حديثه عن حول العوائق والصعوبات التي تعترض نشاط الهيئات والمنظمات المدنية، قال الدكتور عزت عبد الهادي من جانبه: "هناك عدم وجود رؤية عامة للعلاقة مع الحكومات الوطنية، كما أن هناك مشكلة تتعلّـق بمدى التواصل فيما بين الهيئات ومع الجمهور، وهناك مسألة استدامة البرامج. فهذه الهيئات ليست لها مصادر كافية للتمويل وإدارة البرامج، وهي في الغالب تعتمد على مصادر حكومية بالنسبة لبلدان الخليج أو على دعم خارجي، كما هو الحال في بقية الدول العربية، وضعف دور المجتمع المدني هو ناتج عن ضعف التيار الديمقراطي وضعف البناء المؤسسي وغياب المسأءلة والشفافية والمحاسبة".

رهانات .. بعيدة المنال

وقد شارك في أشغال المؤتمر ممثلون عن اليمن، والبحرين، والكويت، وقطر، والإمارات العربية المتحدة، وفلسطين، ومصر، وتخلّـف ممثل عن السعودية وهو الدكتور تركي الحمد الذي اعتذر في آخر لحظة عن الحضور.

وذكرت مصادر عليمة أن ممثل جمعية حقوقية سعودية غير حكومية لم يتمكّـن من الالتحاق بالندوة، بعد أن استوقفته سلطات الأمن السعودية على الحدود مع اليمن، وهو أحمد زايد الناشط في جمعية حقوق الإنسان المستقلة، التي أنشئت مؤخرا بالتوازي مع جمعية حكومية أعلن عن تشكيلها العام الماضي. كما غابت عن الندوة سلطنة عمان بسبب عدم وجود منظمات مجتمع مدني فيها.

ويرى المتابعون لسير فعاليات الندوة أنه، رغم كل تلك الصعوبات والمعوقات التي تعترض فاعلية المجتمع المدني "في مرابع البداوة"، كما عبر عن ذلك أحد المشاركين، فإن التقاء المهتمين والنشطين في هذا المجال لتدارس الإشكالات المطروحة، من شأنه أن يبلور رؤى وتصورات مستقبلية، لاسيما في ظل الحديث الرائج عن الإصلاحات الديمقراطية في المنطقة وما يقتضيه من تهيؤ داخلي، حيث تقول الدكتورة ريما الصبان "إن تفعيل دور المجتمع المدني لا يمكن أن يتم من الخارج" مؤكدة أنه يمكن في المقابل "تخليق الأوضاع عن طريق الحراك الاجتماعي والتوعية بدور المجتمع المدني".

وتورد الدكتورة الصبان مثال الشيخة فاطمة، عقيلة الشيخ زايد التي تنادي منذ ست سنوات بإشراك المرأة في المجلس الوطني (برلمان) لكن لم يحصل أي شي من ذلك، لأن المرأة لم تتحرك من نفسها، لذلك "لا يمكن للظرف الخارجي أن يخلق تحولا نوعيا دون أن يكون هناك عامل ذاتي مساعد" على حد قولها.

وعلى ضوء الآراء المعبر عنها في الندوة، يبدو أن الرهانات المعقودة على أن يضطلع المجتمع المدني بدور ريادي في التحولات الموعودة في المنطقة، مازالت بعيدة المنال طالما ظل هذا المكون الحداثي أسير محيطه الاجتماعي والسياسي التقليدي، وأسير علاقة التبعية بالسلطة، مما يقلص هامش حركته ومناورته إلى الحد الذي يبقيه "كمن يؤذن في مالطا"، حسب المثل العربي الشائع، ما لم يعي الفاعلون السياسيون في بلدان المنطقة بأهمية ودور المجتمع المدني في عالم اليوم.

عبد الكريم سلام – صنعاء


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك