Navigation

خطة جديدة لمنظمة الصحة العالمية يُمكن أن تُسهم بتحرك سريع إزاء الأزمات الصحية الدولية

تميز عام 2020 بظهور فيروس كورونا المستجد. لقد بدأ في الصين وانتشر بسرعة مخيفة عبر عالم من سماته العولمة. قد تعطي اللقاحات الأمل في العام 2021، لكن البشرية لا زالت تفتقر إلى القوانين الدولية التي ترعى مشاركة الأبحاث والاستفادة منها للمساهمة في الحد من هذا الوباء ومن غيره في المستقبل. Copyright 2020 The Associated Press. All Rights Reserved.

تخطط منظمة الصحة العالمية التي يقع مقرها في جنيف، لإطلاق نظام جديد من شأنه حث الدول على مشاركة نتائج عينات أبحاثها العلمية في مكافحة جائحة كوفيد-19. في هذا المقال، سيتم التطرّق إلى آلية عمل هذه الخطة وإلى العقبات التي يمكن أن تواجهها وكيفية التغلب عليها.

هذا المحتوى تم نشره يوم 12 يناير 2021 - 11:00 يوليو,

في تصريح لـ swissinfo.ch، تقول سيلفي بريان، مديرة دائرة التحضير العالمي لمخاطر الأوبئة في منظمة الصحة العالمية: "تظهر الفيروسات أحياناً في البلدان ذات القدرات المحدودة في رصد تسلسلها وتصنيفها. وإذا كانت لدى هذه البلدان قدرة على إرسال عيّنات منها، إلى البلدان التي لديها تقنيات متقدمة وقدرات بحثية، فسيكون ذلك مفيداً للعالم بأسره، لأن إجراءات معالجة هذه الفيروسات ستسير بوتيرة أسرع".

وعلى سبيل المثال، يمكن تطوير اللقاحات بسرعة أكبر لمُسببات الأمراض، وهي العوامل البيولوجية المُعدية التي تسبب العلة أو المرض.

تم الإعلان عن خطة المشاركة الجديدة هذه لأول مرة، في شهر نوفمبر 2020. ويقول المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس غيبريسوس، إن "نظاماً يتم الاتفاق عليه عالمياً ويهدف إلى مشاركة الخبرات حول المواد المسببة للأمراض والعينات السريرية، [من شأنه] تسهيل التطور السريع للإجراءات الطبية المضادة، باعتبارها ذات منفعة عامة عالمية".

ويقول غيبريسوس إن نظاماً كهذا سيمثل " نهجاً جديداً في التعامل مع الأوبئة، يشمل في طياته إنشاء مستودع للمواد المتعلّقة بها، تابع لمنظمة الصحة العالمية في منشأة سويسرية آمنة، ويكون اتفاقاً على طوعية مشاركة المواد في هذا المستودع من قبل الدول؛ وعلى إمكانية تسهيل منظمة الصحة العالمية نقل المواد واستخدامها؛ إضافة إلى وضع مجموعة من المعايير تحدد كيفية توزيعها من قِبَل منظمة الصحة العالمية".

من جهتها، تصرح خبيرة منظمة الصحة العالمية بريان لـ swissinfo.ch بأن الهيئة الصحية قد عيّنت بالفعل فريقاً من الموظفين للعمل على هذا المشروع الذي سيركّز في البداية على المواد المتعلّقة بجائحة كوفيد-19، لكن هناك طموحات بتوسيعه ليشمل بعد ذلك تلك المتعلّقة بـ "مسببات الأمراض الناشئة". وتقول بريان إن لدى منظمة الصحة العالمية بالفعل خبرة في هذا المجال، لا سيما مع مستودعات فيروسات الجدري والأنفلونزا، التي تم اعتمادها على إثر جائحة الإنفلونزا عام 2009، مما سمح بوجود شبكة عمل تستفيد منها المختبرات من خلال تبادل عينات الفيروس لإجراء بحوثها.

في الأثناء، لم ترغب الجهات الحكومية السويسرية في التعليق في هذه "المرحلة المبكرة جداً " على تصريح غيبريسوس الذي أفاد بأن سويسرا عرضت مختبراً آمناً لدعم المبادرة. لكن مصدراً مطّلعاً أكد أن المحادثات جارية وأن سويسرا مستعدة من حيث المبدأ لتوفير مثل هذا الموقع. ويقول هذا المصدر لـ swissinfo.ch: "نحن جاهزون لذلك، لكننا ما زلنا نجري مباحثات حول ما سيتضمنه هذا المختبر وما هو شكله".

ووفقاً لدراسةرابط خارجي حديثة أجراها مركز الصحة العالمي التابع لمعهد جنيف للدراسات العليارابط خارجي، فإن النظام الجديد سيتطلب أيضاً القيام بترتيبات حوكمة أخرى مختلفة، وذلك لضمان "المشاركة الدولية السريعة والعادلة لعينات مسببات الأمراض... قبل حدوث موجات كبرى أخرى لتفشي الوباء"، كما ورد في نص الدراسة.

غياب المعايير

ويقول الباحثون الذين اشتركوا في إعداد الدراسة: "إن إتاحة المجال للحصول على الصعيد الدولي على العينات المتعلّقة بالأمراض والأوبئة، أمر بالغ الأهمية وله منافعه في فهم مسببات الأمراض وتطوير الأدوية واللقاحات الآيلة للسيطرة عليها، لكن الوقائع أثبتت أن مسألة ضمان التقاسم المنصف لهذه المنافع مع دول المصدر، هي مسألة صعبة". وأضافوا: "لقد أثارت هذه المسألة اهتمام المعنيين وقلقهم المتزايد بشأن حالات تفشي المرض مؤخرًا (إيبولا، وزيكا، ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، والسارس-كوف-2 [Covid-19])، لكن النظام الدولي لا يزال عاجزاً تماماً إزاء مواجهتها".

من ناحيتها، تعتقد سويري مون، المديرة المساعدة في مركز الصحة العالمي والمنسقة المشاركة في الدراسة، أن مبادرة منظمة الصحة العالمية، قد تكون مهمة. وتقول لـ swissinfo.ch: "في غياب القوانين، يمكن أن يكون مثل هذا البنك الحيوي لهذه المواد والعينات، خطوة نحو إطار تعاون دولي". وتضيف: "هذه المبادرة غير كافية طبعاً، لأنها تحتاج إلى لقاء هيئات دبلوماسية للتشاور فيما بينها. لكنها يُمكن أن تشكل عاملاً مساعداً ".

تقاسُمُ المنافع

شدد تقرير معهد الدراسات العليا على أهمية تقاسم المنافع بين الدول، عند امتلاك اللقاحات والأدوية، وكذلك العينات المخبرية لجعل البحث العلمي في الدول الأخرى متاحاً، لكن مون تتساءل: "هل سيستمر العلماء بتعاونهم وتقاسم ما يملكونه من معطيات بطريقة غير مقيّدة، إذا لم يكونوا على يقين بأن تعاونهم يرتد عليهم بشكل عادل من حيث الفوائد؟"، وتضيف قائلة: "أخشى أن يكون الجواب لا، وعندئذٍ سوف ينهار النظام"، على حد قولها.

وتستشهد سويري مون، المديرة المساعدة في مركز الصحة العالمي بمثال العلماء الصينيين الذين شاركوا بيانات تسلسل الجينوم عبر الإنترنت في المراحل الأولى من تفشي وباء كوفيد - 19 في الصين. وتقول إن هذا سمح ببدء تطوير اللقاح لا سيما من قبل شركتي "فايزر" و "بيونتيك"، التي تمت الموافقة على لقاحهما بالفعل والذي يتم توزيعه حالياً في بعض البلدان. ولكن من غير المرجّح أن العلماء الذين تقاسموا بياناتهم مع الآخرين سيكون لهم نصيبهم هم أيضاً من بعض الفوائد الهائلة، لا سيما المالية منها، للقاح.

من الجدير بالذكر أيضاً، أن البلدان النامية تكون أكثر من غيرها عرضة لتحمّل الأوضاع السيئة، خاصة أثناء تفشي الأمراض. وعلى سبيل المثال، يستشهد تقرير معهد الدراسات العليا بما قاله باحث، جرت مقابلته بشأن دراسة يقوم بها: "البلدان النامية بشكل عام هي الحلقة الأضعف في السلسلة عندما يتعلق الأمر بالمفاوضات الثنائية. لذا، إذا كانت هذه البلدان تعاني من تفشي الأمراض ويحتاج سكانها إلى دواء أو نوع من العلاج، وكانت هناك أعمال شغب في الشوارع ضد المسؤولين فيها، فهؤلاء لا يملكون إلا القول "من فضلكم، ساعدونا في تأمين الأدوية" (...) فيكون الجواب: "حسناً، سنساعدكم، لكن لن يكون لديكم حق الحصول عليها، ولن يكون لديكم حقوق ملكية. عندئذٍ ليس بقدور المسؤولين إلا القبول بذلك".

في هذا الصدد، تشير مون إلى "قومية اللقاح" أثناء الجائحة الحالية، حيث تتدافع الدول الغنية لإبرام صفقات ثنائية مع شركات صناعة الأدوية. ويُعدّ برنامج مشاركة لقاح "كوفاكس" COVAX التابع لمنظمة الصحة العالمية اليوم " العرض الوحيد المحتمل" لمحاولة ضمان عدم استبعاد البلدان النامية من معادلة تأمين اللقاح. وهي تعتقد أن منظمة الصحة العالمية ستكون أيضاً في وضع يسمح لها المساعدة في تحسين عادل للجراثيم المسببة للأمراض وتقاسم المنافع.

وتقول مون: "منظمة الصحة العالمية هي بالتأكيد في وضع جيّد يسمح لها بجمع اللاعبين الرئيسيين على طاولة واحدة، لأنها فعلت ذلك من قبل "في إطار التأهب لمواجهة الإنفلونزا الجائحة (PIP)رابط خارجي في عام 2011. أحد المبادئ الرئيسية المدرجة في هذا الإطار الذي تم التفاوض عليه منذ فترة طويلة هو أن تكون تقاسم الجراثيم المسببة للأمراض، بغرض إجراء الاختبارات اللازمة لتأمين العلاج ومن ثم المنافع المتوخاة من هذا العلاج، على قدم المساواة بين المعنيين، (لكل فريق مخاوفه المشروعة بهذا الشأن)".

المختبر السويسري الآمن

وتعتقد مون أيضاً أن سويسرا ستكون خياراً مناسباً لتوفير مكان آمن لإنشاء بنك حيوي حديث تابع لمنظمة الصحة العالمية، باعتبارها دولة محايدة، و"قوة وسطى موثوق بها"، ولديها بنية تحتية بحثية وعلمية عالية التطور، إضافة لكونها البلد المضيف لمنظمة الصحة العالمية.

ولكن، ووفقاً لمعلوماتنا، فإن لدى سويسرا عدد محدود فقط من مختبرات المستوى 4 (عالية الأمان) التي يُمكنها تخزين مثل هذه الجراثيم المسببة للأمراض، وستكون مواقع المستوى 4 ضرورية، لأن معظم هذه العينات خطرة.

وتشمل القدرات المخبرية لسويسرا، مختبراً في المستشفيات الجامعية لكانتون جنيفرابط خارجي تم تطويره في البداية للتعامل مع فيروس إيبولا، ومختبراً في شبيتسرابط خارجي (كانتون برن)، وسط سويسرا، بالإضافة إلى مختبر في زيورخ. ويتمتع مختبر شبيتس بأكبر سعة تخزين كما أنه أكثر تعدّدية من حيث الاختصاصات، ذلك أنه يحتوي على عيّنات نووية وكيميائية وبيولوجية.

ووفقاً لمصدر من مصادرنا المطّلعة، يمكن أن تشمل المساهمة السويسرية في خطة منظمة الصحة العالمية هذه، تقديم واحد أو أكثر من هذه المختبرات، يحدَد عددها بحسب الاحتياجات وعلى ضوء نتائج المحادثات.

وتقول بريان من منظمة الصحة العالمية، إن نهج منظمة الصحة العالمية عملي ويهدف إلى القيام بدايةً بخطوة ملموسة، حتى لو كانت متواضعة، ثم الانتقال إلى خطوات أوسع. إن أهم أولوية في هذه الخطة، تكمن في تأمين مبنى المستودع، ومن هنا جاءت المحادثات بشأن هذه المسألة مع سويسرا، وهي مسألة معقدة، وتنطوي على ترتيبات تقنية ولوجستية وقانونية أيضاً، ولذا فحلها هو رهن الوقت الذي ستستغرقه إزالة كل هذه العقبات.

عندما أعلن غبريسوس عن المبادرة، أكد أن هناك حاجة ملحة لتنفيذ هذه الخطة، وتقول بريان: "نأمل أن يستغرق ذلك بضعة شهور لا أكثر". في نفس السياق، تشدّد سويري مون، المديرة المساعدة في مركز الصحة العالمي، على الحاجة الملحة. وتقول: "ليس لدينا حالياً نظام موثوق به لتقاسم المعلومات المتعلقة بالجراثيم المسببة للأمراض ومنافع الأبحاث.. مما يجعل العالم أكثر عرضة للوباء القادم"، على حد قولها.

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة