"كلما زادت قدرة المواطنين، كلما أصبحوا أكثر مسؤولية"

روجيه دو فاك يقدم 12 مقترحاً لتحديث الديمقراطية في العصر الرقمي. © Keystone / Urs Flueeler

كيف يُمكن تجديد المؤسسات الديمقراطية؟ وقبل كل شيء: لماذا نحتاج إلى تَحديث هذه المؤسسات؟ روجيه دو فاك، الكاتب والصحفي والمدير العام السابق لهيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية أجاب على هذه الأسئلة في كتاب صدر يوم الإثنين 9 مارس الجاري.

دومنال أوسولّيفان دومنال أوسولّيفان

كتاب "قوة الديمقراطية: رَدٌ على الرجعيين الاستبداديين"، هو عملُ مؤلفٍ يقول إنه "يُحب الديمقراطية، لأنها غير كاملة ولأنها لا تحاول أن تكون مِثالية، ولكن إنسانية".

swissinfo.ch: ما الذي دفعك إلى تأليف هذا الكتاب؟

روجيه دو فاك: نحن مُحاطون اليوم بسياسيين استبداديين وشعبويين. لقد هَزَّ نجاح هؤلاء العديد من المواطنين، مُثيراً إعجاب البعض وقَلَق البعض الآخر. العديد من المحافظين باتوا يميلون باتجاه الرجعية، في حين فقد بعض الليبراليين واليساريين بوصَلَتَهم. كان هدفي هو التأكيد على أن الديمقراطية - على عكس الأنظمة الإستبدادية - تخدم المستقبل. ان إنتقاد الرجعيين لا يكفي لمُواجهتهم؛ نحن بحاجة إلى تَحديث الديمقراطية والإرتقاء بها إلى مستوى العَصر الإيكولوجي والرقمي لكي تَحظى بالثقة. كذلك يجب تَمكين الديمقراطية، بحيث تكون قادرة على إشراك جميع الخاسرين من الثورة الرقمية والعولمة.

swissinfo.ch: أنت تُقَدِّم 12 اقتراحاً لإصلاح المؤسسات الديمقراطية. أيٌ من هذه الاقتراحات أكثر أهمية بالنسبة لك؟

روجيه دو فاك: بعض هذه المقترحات متواضعة للغاية ويُمكن تنفيذها دون تأخير. البعض الآخر أكثر جرأة، ويُقصد بها إثارة النقاش. المُقترح الأكثر طموحاً هو إنشاء غرفة جديدة في البرلمان تكون مسؤولة عن الاستدامة والبيئة، حيث يبحث المُمَثِلون المُنتَخَبون مشاريع القوانين الجديدة على أساس هذه المعايير فقط. إن الطبيعة هي الحلقة الأضعف في السياسة. لذا، ينبغي ترسيخها في المؤسسات الديمقراطية. إن استزاف الموارد الطبيعية يَرقى إلى استنزاف المُجتمع والديمقراطية. ومثلما تم إدخال تمثيل المناطق في العديد من الأنظمة الديمقراطية، فإننا بحاجة لإدخال تمثيلٍ للطبيعة أيضا". 

"مثلما تم إدخال تمثيل المناطق في العديد من (برلمانات) الأنظمة الديمقراطية، فإننا بحاجة لإدخال تمثيلٍ للطبيعة أيضا"

End of insertion

swissinfo.ch: مع ذلك، يَصف الرَجعيون الذين تَصِفَهم بـ "مناهضي الديمقراطية" أنفسهم بـ "المُدافعين عن الديمقراطية" ...

روجيه دو فاك: إن أحدَ أهداف الديمقراطية الليبرالية هي فَصْل السُلطات، بحيث لا تتركز جميعها بيد شخص أو جماعة: لا الشعب، ولا الحكومة، ولا البرلمان ولا المحاكم. العديد من الرَجعيين يعتقدون أن السلطة بِرُمَّتها هي مُلك للشعب الذي يُجسّده في الغالب بـ "رجل قوي". لكن هذا هو عَكس الديمقراطية الليبرالية. وكما أخبرنا الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو فإن من يحتكر السلطة يُسيء استخدامها.

الديمقراطية تعيش من خلال الحوار قبل كل شيء. بالطبع هناك قرارات يجب أن تُتَخذ من خلال التصويت في البرلمان، أو عَبر صناديق الإقتراع. لكن الأمر الأكثر أهمية هو النِقاش. وعندما يُشَوَّه النقاش أو يَنحرِف عن مَساره، كما حدث في المملكة المتحدة قبل التصويت بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن الديمقراطية سوف تتضرر.

إن تقاسم السلطة أمرٌ لا غنى عنه لهذا النقاش الحُر: يجب أن يكون الجميع قادرين على التعبير عن أنفسهم بفضل حرية التعبير ووسائل الإعلام، وحُرية التَجَمُّع والتنظيم. وهذا يفترض احترام كرامة الإنسان والخَصم، والاستعداد لحماية حقوق الأقليات.

لكننا نرى مثلاً أن "الديمقراطيين السلطويين" الذين يحكمون المجر، لا يُعيرون أهمية لذلك. فالطُغاة والمُستَبدون يُريدون الاستحواذ على كامل السلطات، وهم يبغضون أي مجال عام لا يستطيعون السيطرة عليه.

swissinfo.ch: أحد المواضيع الرئيسية في الكتاب هو هيمنة الاقتصاد على السياسة. ما علاقة ذلك بصعود الرجعيين؟

روجيه دو فاك: في النظام الليبرالي، تُحَدِّد الدولة الديمقراطية الإطار الذي تَعمَل الشركات ضِمَنه. اليوم نَجِد أن الإتجاه المعاكس هو السائِد، حيث تتبع الدولة الشركات الكبرى. نحن بِحاجة إلى استعادة سيادة السياسة على الاقتصاد. أنا لا أُقلِّل من أهمية الاقتصاد، لكن النظام الديمقراطي يشمل قِيماً أخرى أيضاً كالاجتماعية والبيئية والثقافية والإقليمية. لكن لا يُمكننا الحفاظ على كل ذلك إذا فاز المنطق الاقتصادي على الدوام.

swissinfo.ch: هناك اتجاهان قويان للغاية في سويسرا: الفَخر الديمقراطي والتفكير الاقتصادي الليبرالي للغاية. كيف يتم التعامل مع التوتر القائم بين هذين القطبين؟

روجيه دو فاك: الديمقراطية شِبه المباشرة - التي يلعب فيها الشعب والبرلمان دوراً رئيسياً - هي ديمقراطية العَصر الرقمي: إنها ديمقراطية المُستقبل. لقد زادَت فُرص المواطنين للتعبير عن أنفسهم بشكل كبير بِفَضل الإنترنت. لكن فرصهم في التأثير على النظام السياسي - في جميع أنحاء العالم تقريباً - باتت تَقِل باستمرار كلما طال الزمن، ولاسيما إذا كانوا يعيشون في ظل أنظمة استبدادية. هذا يُغذي الإحباطات التي تم التعبير عنها في العالم العربي وفي تركيا وفي أمريكا اللاتينية من خلال العديد من حركات الاحتجاج، وفي فرنسا أيضاً من خلال "السترات الصفراء". إن الديمقراطية شُبه المُباشِرة تُعيد التوازن بين التَباين القائم في إمكانيات التأثير والتعبير لدى المواطنين، وهذا هو السبب في ظهور أفكار مُختلفة في كل أنحاء أوروبا لِدَعم عناصر الديمقراطية المباشرة.

swissinfo.ch: هل تعتقد أنه يمكن تطبيق الديمقراطية المباشرة في المزيد من البلدان في أوروبا وخارجها؟

روجيه دو فاك: تُشكِك طبقة السياسيين المُحترفين بالديمقراطية المُباشرة، وهي غير راغبة بالتخلي عن جزءٍ من السلطة. غالبًا ما يكون هناك سوء فَهم للديمقراطية المباشرة، حيث يتم الخَلط بينها وبين ديمقراطية الاستفتاء الشعبي (العام).

عندما أَطلَق رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون استفتاءً تشاورياً ‘من القمة إلى القاعدة’ حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لم يكن لذلك أي علاقة بالديمقراطية المُباشرة، التي تكون من ‘القاعدة إلى القمّة’ دائماً، حيث يكون الشعب هو مَنْ يُطلق الاستفتاءات. إلى جانب ذلك، لم يَرغَب أحد لاحقاً باستشارة البريطانيين بشأن الطرائق العملية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

جمهورية ألمانيا الاتحادية من جانبها مُتَحَفظة وحذِرة عندما يتعلق الأمر بالديمقراطية المُباشرة. ومع توفرها على بعض عناصر الديمقراطية المباشرة على المستويين الإقليمي والمحلي، إلّا ان صدمة النازية لا تزال قائمة لديها، حيث لا يزال انعدام الثقة تجاه المواطنين كبيراً. إنها حلقة مفرغة: فكلما كان المواطنون أقل نفوذاً، كلما زاد تحولهم إلى أتباع وباتوا يتصرفون على هذا النحو. لكن كلما زادت قدرتهم، كلما أصبحوا أكثر مسؤولية بمرور الوقت.

المواطنون الفرنسيون مثلاً لا يحق لهم التصويت إلا كل 15 عاماً. لذا، فإنهم لا يصوتون على الموضوع المطروح عليهم، ولكنهم ينتهزون الفرصة للتعبير عن استيائهم من الحكومة بدلاً من ذلك.

"آمل أن تكون سويسرا، التي كانت أول دولة أوروبية تميل نحو الشعبوية الرجعية، واحدة من أوائل الدول التي ترفض ذلك"

End of insertion

swissinfo.ch: تقول في كتابك إن سويسرا كانت في كثير من الأحيان "رائدة" في تاريخ الديمقراطية، سواء للأفضل أو للأسوأ. في عام 1848، كانت البلاد جزيرة ليبرالية في أوروبا الملكية. وفي عام 1968، شهدت أراضيها حركة طلابية، وأول حركة مُعادية للأجانب في أوروبا مُوَجَهة ضد المهاجرين الإيطاليين. وفي التسعينيات، أصبح حزب الشعب السويسري (اليميني المتطرف) نوعاً من القدوة للأحزاب اليمينية المُتطرفة اليوم في أوروبا. كيف ترى سويسرا في عام 2020؟

روجيه دو فاك: آمل أن تكون سويسرا، التي كانت أول دولة أوروبية تميل نحو الشعبوية الرجعية، واحدة من أوائل الدول التي ترفض ذلك. تتيح الديمقراطية شبه المباشرة، وبفضل المبادرات والاستفتاءات الشعبية، وَضْع المواضيع الناشِئة على جدول الأعمال السياسي بشكل سريع. وبغية اقتراح مادّة دستورية جديدة أو تعديل مادة قائمة فيه، لا يتعيّن سوى جَمْع 100,000 توقيع صحيح فقط. نتيجة لذلك، يتم التعامل مع قضايا جديدة تماماً قبل عشر أو عشرين سنة مما تفعل الديمقراطيات البرلمانية. ولهذا السبب، بدأ النقاش حول الهجرة في سويسرا منذ فترة طويلة. لكن الموضوع استنفد بشكل متزايد، حيث يجد الرَجعيون الشعبويون أنفسهم في حالة دفاع. آمل أن تقوم سويسرا، التي كانت ذات يوم من رواد الانفتاح والليبرالية بإحياء هذا التقليد!

swissinfo.ch: كيف تفسرون حقيقة وجود عَددٍ مُتزايد من التظاهرات العامة حتى في سويسرا التي تتيح المزيد من سُبل التعبير السياسي لمواطنيها، وبشكل أكبر من أي مكان آخر؟

روجيه دو فاك: أعتقد أن عدد المُظاهرات قد زادَ بشكلٍ كبير بسبب تظاهرات "الجمعة من أجل المستقبل". ان الشباب - وحتى الأكبر سناً - الذين يَتَجَمّعون في الشوارع للاحتجاج على تغير المناخ يزدادون إحباطاً يوماً بعد آخر. الجميع يقول لهم "نعم، أنتم مُحِقّون"، لكن أحداً لا يتخذ الإجراءات اللازمة. هذا الجيل يُعوِل على الديمقراطية، والضَغْط الذي يُمارسونه هو مُساهَمة مُهمة في النقاش الديمقراطي. لا يَحِقُ لنا أن نَخْذِلَهم، وهذا سبب آخر يدعو إلى تحديث الديمقراطية.

من المُثير للاهتمام ، أن شباب "الجمعة من أجل المستقبل" هم عَكس ما كان عليه جيلي: إنهم لا يؤمنون بالإيديولوجيات العامة، ولا بالليبرالية ولا بالشيوعية، ولا بأي شيء آخر. انهم مُحقون بذلك، لإن جميع الإيديولوجيات تَختفي في النهاية. إنهم لا يريدون تحسين العالم، كما أراد جيل 1986 أو مثل جان بول سارتر، ولكنهم يريدون تَجَنُّب الكوارث، مثل الوجودي ألبرت كامو. لكنهم لا يزالون يفتقرون إلى مطالب مَلموسة. ربما سيتوجهون إلى المُطالبة بإجراء إصلاحات مؤسسية من أجل ديمقراطية خضراء.

swissinfo.ch: هل ترى خطوة في هذا الاتجاه بالنسبة لسويسرا مع الموجة الخضراء التي وَصَلَت إلى البرلمان في أكتوبر 2019؟

 روجيه دو فاك: لننتظر ونرى. من المُفارقات أن صعود الخُضُر جعل القوى المُناهضة للبيئة في البرلمان السويسري ببرن أكثر اتحاداً. وفي مواجهة جمود الجيل الأكبر سناً، فإن أحد مُقترحاتي الأكثر عَمَلية وواقعية في الكتاب، هو تخفيض سن التصويت إلى 16 عاماً، كما هو الحال في كانتون غلاروس الصغير. لقد أظهَرَت الغالبية العُظمى من الشباب الذين خرجوا للتظاهر في الشوارع ان شعورهم بالمسؤولية أكثر من البالغين. لماذا إذن لا نعطيهم صوتاً ونُشرِكُهم في العملية الديمقراطية في وقت مُبَكِر؟ هذه لن تكون ثورة، بلْ تطور إيجابي جداً.

نُشِر كتاب روجيه دو فاك، "قوة الديمقراطية: رَدٌ على الرجعيين الاستبداديين" في 9 مارس 2020 باللغة الألمانية من قبل دار نشر Suhrkamp ببرلين. 

روجيه دو فاك

روجيه دو فاك هو صحفي ومؤلف وأستاذ زائر بكلية أوروبا في مدينة بروج البلجيكية. شغل منصب المدير العام لهيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية، ورئيس مجلس إدارة المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية بجنيف، ومدير تحرير صحيفة ‘دي تسايت‘ (Die Zeit) الأسبوعية الألمانية، وصحيفة ‘تاغس أنتسايغَر‘ (Tages-Anzeiger) السويسرية اليومية. قام بتأليف عدد من الكتب الأكثر مبيعاً.

نشأ أصيل كانتون فريبورغ الذي يُتقِن اللغتين الفرنسية والألمانية في زيورخ وجنيف، ودرس الاقتصاد في جامعة سانت غالن. بدأ بالعمل في الصحافة في صحيفة ‘لا تريبون دو جنيف’ (La Tribune de Genève).

هو عضو في مجلس أمناء جائزة شارلمان الدولية في مدينة آخن الألمانية، وفي المجلس العلمي لـمجلة  Critique internationale الفَصْلية التي يَنشُرُها معهد الدراسات السياسية بباريس (SciencesPo). حصل على الدكتوراه الفخرية من جامعتي لوتسيرن وفريبورغ. 

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة