تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

سوريا وأمريكا: ما بعد "طنجرة البريستو"

(swissinfo.ch)

هل بدأت العلاقات السورية-الأمريكية تقفز من "طنجرة البريستو" (الضغط) الحارة والخطرة، لتشق طريقها إلى ثلاجّة معتدلة البرودة؟

يشعر المسؤولون السوريون، الذين كانوا عاشوا طيلة السنتين المنصرمتين في أعلى درجات القلق، بشيء من الارتياح، ويميلون سريعاً إلى الرد بالإيجاب..

الأسباب واضحة للعيان على الأرض، كما يقولون. فالحملات الأمريكية (والفرنسية) خفّـت مؤخراً إلى حدّ التلاشي، خاصة بعد أن اتخذت دمشق سلسلة خطوات متلاحقة لإرضاء واشنطن، ليس فقط في العراق، حيث نفّـذت الكثير من الشروط الأمنية والسياسية الأمريكية، بل أولاً وأساساً في لبنان.

ومن هذه الخطوات:

1- الموافقة على قانون انتخاب، يُـقال إن السفارة الأمريكية في بيروت طلبته بشكل مباشر من السلطات اللبنانية، بالتنسيق أولاً مع حلفائها المسيحيين والدروز، وثانيا مع بعض السّـنة بقيادة رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري.

هذا القانون الذي اعتمد نظام دائرة القضاء المصغّرة، سيضمن وصول ما يتراوح بين 50 إلى 60 نائباً معارضاً إلى مجلس النواب (128 نائباً)، في الانتخابات التي يُـنتظر أن تبدأ في 17 أبريل المقبل. وهذا، سيشّكل انقلابا سياسياً لغير صالح دمشق، خاصة إذا ما بدأ بعض النواب المحسوبين على هذه الأخيرة، موسم الهجرة بعيداً عنها وقريباً من واشنطن وباريس.

2- اتخاذ خطوات عملية لتنفيذ القرار الدولي رقم 1559، الذي يطالب بانسحاب القوات الأجنبية (أي السورية) من لبنان. وهذا شمل نقل "الملف اللبناني" من يد أجهزة الاستخبارات السورية إلى مؤسسة وزارة الخارجية بإشراف وليد المعلم، السفير السوري السابق في واشنطن، والذي عُـيّـن مؤخراً نائباً لوزير الخارجية.

كما شملت الخطوات عمليات إعادة انتشار أمنية – عسكرية سورية في بعض المناطق اللبنانية، وتسريبات عن احتمال قيام الرئيس السوري بشار الأسد بزيارة بيروت في 2 أو 3 فبراير المقبل، حيث قد يُـعلن من هناك عن "تدابير راديكالية" أخرى تنفيذاً لاتفاق الطائف لعام 1989، الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، وعبره للقرار الدولي 1559.

نبأ الزيارة لم يتأكّـد بعد. لكن مجرد تسريبه، عنى أن القيادة السورية جادّة في المضي قُـدماً في تنفيذ القرار 1559، قبل أن يرفع الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان تقريره إلى مجلس الأمن حول مدى التزام دمشق بتنفيذه.

3- إعلان وزير الخارجية السوري، وللمرة الأولى منذ عام 1976، حين دخلت القوات السورية للمرة الأولى إلى لبنان، عن استعداد دمشق لسحب قواتها من لبنان "خلال سنتين". وقد أعتُـبر هذا البيان بمثابة موافقة سورية رسمية، وإن ضمنية، على كل مضامين القرار رقم 1559.

4- وأخيراً، أحاديث الأطراف السياسية الموالية لسوريا عن "صفقة طائف" جديدة بين دمشق وواشنطن حول توزيع النفوذ بين الطرفين في لبنان: بيروت وجبل لبنان للأمريكيين، والجنوب والبقاع (مؤقتاً) للسوريين، والشمال منطقة "كوندومينيوم" (حكم مشترك) بينهما.

الاستراتيجية والتكتيك

هذه بعض الاعتبارات التي تدفع دمشق إلى الشعور ببعض الأرتياح. فهل مشاعرها في محلها؟ تكتيكياً، نعم، وإستراتيجياً، لا.

فعلى الصعيد التكتيكي، يمكن أن تكون حسابات دمشق في محلها. فالتنازلات الكبيرة والمتلاحقة التي تَـقدم عليها في لبنان (والعراق)، تُـرضي، على ما يبدو، نهم واشنطن لابتلاع ما يمكن ابتلاعه من مكاسب في لبنان وسوريا، تعوّض عن خسائرها في العراق. لكن الصورة لا تبدو على هذا النحو إطلاقاً على المستوى الإستراتيجي.

فكل تنازل تقدمه سوريا إلى أمريكا، سيَـليه حتماً طلب لتنازل جديد، وهذا لسبب واضح: الولايات المتحدة لم تعد منذ 11 سبتمبر 2001 وبعد مبادرة الشرق الأوسط الكبير، تطل على سوريا من زاوية العلاقات الثنائية، بل من مقاربة موقع سوريا في إطار الخريطة الأمريكية الجديدة الأوسع للمنطقة.

وتريد واشنطن أن تحذو سوريا الأسد حذو ليبيا القذافي، لا أكثر ولا أقل، وهذا في كل المجالات: المواقف من العراق وفلسطين.. حزب الله وحماس والجهاد.. لبنان.. أسلحة الدمار الشامل.. الاندماج بالعولمة والإصلاحات الاقتصادية الليبرالية الداخلية.. الخ.

وعلى سبيل المثال، هذا التوجّـه يترجم نفسه في لبنان كالآتي: إذا ما قالت سوريا إنها ستنسحب من لبنان خلال سنتين، ستطالبها أمريكا حتماً بأن تعمل خلال هاتين السنتين على نزع سلاح حزب الله اللبناني والمخيمات الفلسطينية.

وإذا ما قامت سوريا بسحب قواتها إلى البقاع، ستطالبها أمريكا باستكمال الانسحاب إلى ما وراء الحدود السورية.

ثم الآن، وبعد موافقة دمشق على قانون الانتخاب "الأمريكي"، يُـتوقّع أن تضغط واشنطن بعد الانتخابات لتشكيل حكومة لبنانية يرطن أعضاءها باللغة الإنجليزية بلكنة أمريكية واضحة.

شعور زائف

كل هذه المعطيات تعني شيئاً واحداً: شعور دمشق بالاطمئنان قد يكون زائفاً، أو على الأقل، مستنداً إلى حسابات غير كاملة، والتي ريثما تشمل أيضاً زيارة الرئيس الأسد إلى موسكو، التي وصفت نتائجها بعض المصادر السورية بأنها "مهمة، وقد تؤثر بشكل جيد على موازين القوى الدولية في الشرق الأوسط".

الزيارة مهمة بالفعل. لكن لمن؟ ليس حتماً لسوريا، التي لن تستطيع لا الحصول على حماية أمنية إستراتيجية، أو دعم سياسي واقتصادي ذي معنى، (موسكو شطبت ديوناً سورية لم تكن لتدفع أصلاً) أو حتى أسلحة متطورة، من روسيا.

المستفيد الوحيد من زيارة الأسد لروسيا، هي روسيا نفسها، التي يمكنها الآن استخدام ورقتي سوريا وإيران للرد على التدخلات الأمريكية في أوكرانيا وجورجيا والقوقاز وآسيا الوسطى.

العلاقات السورية- الأمريكية قفزت حقاً في الآونة الأخيرة من طنجرة الضغط الحار بالفعل. لكنها لم تصل بعد إلى الثلاجة، ولا يتوقع لها أن تصل، قبل أن يستكمل المحافظون الأمريكيون الجُـدد محاولاتهم للوصول إلى أهدافهم لإعادة رسم الخارطة الجيو - إستراتيجية للشرق الأوسط.

والتصعيد العسكري الأمريكي الراهن مع إيران، إضافة إلى التصعيد السياسي في خُـطب الرئيس بوش حول "مواصلة المهمة" في العراق، وباقي أنحاء المنطقة، يجب أن يدفعا السوريين إلى القلق لا الاطمئنان.

سعد محيو - بيروت


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك