سويسرا لا تزال تتميَّز بالغموض في تمويل حياتها السياسية

Keystone / Str

سويسرا هي البلد العضو الوحيد في مجلس أوروبا الذي لم يسنّ قانوناً بشأن تمويل الأحزاب السياسية. وتُصرّ السلطات على رفض أي تغيير نحو مزيد من الشفافية. وعلى الأرجح سيكون على الشعب أن يفصل في هذا الموضوع.

هذا المحتوى تم نشره يوم 08 أكتوبر 2020 - 11:00 يوليو,

تتميّز سويسرا على الصعيد الدولي بديمقراطيتها شبه المباشرة وبنظام المليشيا، بالإضافة إلى غموضها في تمويل الحملات الانتخابية والأحزاب السياسية. فهي البلد العضو الوحيد في مجلس أوروبا الذي لم يسنّ أي قانون بهذا الشأن وتتعرض للانتقادات بشكل دائم من قبل مجموعة دول مجلس أوروبا لمكافحة الفساد التي يُشار إليها اختصاراً بـ (GRECO). عدد قليل من الكانتونات فقط قام باعتماد تشريعات في هذا المجال.

ولا يبدو في الأفق أنَّ هناك أي تغيير: فالحكومة والبرلمان يماطلان في اتخاذ أدنى خطوة نحو الأمام. كما رفض مجلس النواب للتو مشروعاً غير مباشر مضاداً للمبادرة الشعبية "نحو المزيد من الشفافية في تمويل الحياة السياسية" بعد أن أفرغها من جوهرها. وعلى مجلس الشيوخ الآن أن يتولى متابعة القضية، ولكن على الأرجح، ستعود الكلمة الأخيرة إلى الشعب.

تعليقاً على ذلك، يقول مارتن هيلتي مدير الفرع السويسري "لمنظمة الشفافية الدولية" غير الحكومية: «لقد أضعنا هذه الفرصة وهو أمر مؤسف للغاية. وهذا يُبيّن مُجدداً ما لاحظناه في السنوات الأخيرة: لدى الحكومة الفدرالية والبرلمان مشاكل كبيرة مع الشفافية».

بانتظار موقف جديد من قبل المجموعة

مع ذلك، كانت مجموعة دول مجلس أوروبا لمكافحة الفساد (GRECO)، التي تشجع السلطات السويسرية على مواصلة جهودها لتنفيذ أحد هذين المشروعين، قد رحَّبت بالمشروع المضاد كما رحّبت بطرح المبادرة. وكانت هذه المجموعة قد ذكرت، في تقريرها الأخير الذي صدر في سبتمبر 2019، هذا التقدم من أجل إغلاق إجراءاتها ضد سويسرا بسبب عدم الامتثال. ويتعين على السلطات السويسرية إعداد تقرير قبل نهاية العام الحالي لإبلاغ المجموعة بالتقدم الذي أحرزته في هذا المجال. وبعد ذلك، سوف تتخذ المجموعة موقفاً جديداً من المسألة.

3 أسئلة إلى مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان التابع لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا

مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان هو عبارة عن هيئة أنشأتها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا. وهو يتابع بشكل خاص التطورات المتعلقة بإدارة الحكم الديمقراطي في 57 دولة في المنطقة التي تغطيها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، كما يراقب الانتخابات ويقوم بنشر التقارير والتوصيات. وقد زار المكتب سويسرا عدة مرات لتقديم تقرير عن الانتخابات الفدرالية. في السياق، قامت كاتيا أندروز، المتحدثة باسم المكتب، بالإجابة عن أسئلتنا حول الشفافية: 

لقد راقب مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان الانتخابات الفدرالية الأخيرة (2007، 2011، 2015) التي جرت في سويسرا. هل تحسَّن الوضع في السنوات الأخيرة؟

لقد تمَّ القيام بالعديد من المبادرات على مستوى الكانتونات، وعلى المستوى الفدرالي أيضاً من أجل تنظيم تمويل الحياة السياسية. هذه الإجراءات متواضعة ولكنها مهمة. نحن ندرك تماماً أنَّ التغيرات من هذا النوع لا يمكن أن تحدث بين عشية وضحاها.

استجابت سويسرا لعدد من توصياتنا، وخاصة فيما يتعلق بشفافية تقنيات التصويت الجديدة، وتسجيل المُرشَّحين والموعد النهائي لتسليم بطاقات الاقتراع إلى الناخبين. ومن جهة أخرى، بقيت بعض المطالب الأخرى دون أي رد، مثل المساواة في الحقوق السياسية بين جميع المواطنين، والشفافية في تمويل الحملات الانتخابية والحقوق القانونية لمراقبي الانتخابات.

من وجهة نظر مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان، ما الذي يتوجّب على سويسرا تحسينه فيما يخص تمويل الأحزاب السياسية والحملات الانتخابية؟

من الضروري وضع إطار قانوني وقواعد على المستوى الفدرالي من أجل تمويل الحملات الانتخابية والأحزاب السياسية بالإضافة إلى أنشطتها الاعتيادية. لقد اطَّلَعنا على المبادرة الوطنية الرامية إلى تنظيم هذه المسألة وسنكون على استعداد لمساعدة السلطات في هذه العملية لو طلبت منّا ذلك.

برأيك، ما الذي يجعل الشفافية في تمويل الأحزاب السياسية والحملات الانتخابية تحظى بهذا القدر من الأهمية؟

هي ضرورية لإرساء الثقة مع الشعب والحفاظ عليها، وللقضاء على الفساد والحد من تضارب المصالح. بل هناك أكثر من ذلك: فالشفافية ضرورية لمساعدة الناخبين على اتخاذ قرار مستنير، ومعرفة من يُموّل أنشطة السياسيين وما إذا كانت هذه الأنشطة لتلبية رغبات المانحين أو مطالب المواطنين الذين يُمثلونهم. فالشفافية هي معيار مرجعي لتقييم التمثيل الديمقراطي.

End of insertion

خلال النقاش الذي دار في مجلس النواب (الغرفة السفلى للبرلمان)، حاول اليسار دون جدوى تحسين المشروع المُضاد، إلا أنَّه تمَّ رفض جميع مقترحاته. فقرر بدوره رفض النص بأكمله في التصويت النهائي. أما معسكر اليمين، فكان قسم منه رافضاً لهذا المشروع في حين سعى القسم الآخر لتمييعه بهدف التوصل إلى قانون غير مُلزم. وفي هذا الصدد أكّدت النائبة في مجلس الشيوخ من حزب الخضر ونائبة رئيس مجلس إدارة المبادرة، ليزا ماتزوني، قائلةً: «يُظهر البرلمان بشكل مُؤسف أنه غير قادر على التنظيم الذاتي. وبالتالي فهذا دليل على أنه ينبغي طرح هذا الموضوع على الشعب وأنَّ المبادرة هي الطريقة المُثلى للتوّصل في النهاية إلى قانون بشأن تمويل الحياة السياسية».

عدم تنفير الجهات المانحة

يعتقد جزء من حزب اليمين أنَّ هذا المشروع المضاد سيكون مرهقاً للغاية من الناحية الإدارية. ميكائيل بوفا، النائب في حزب الشعب المحافظ (UDC)، يقول معقباً: «سننشئ وحشاً بيروقراطياً، تصعب السيطرة عليه، سيكون في نهاية الأمر مكلفاً جداً، ولن يُقدّم أية قيمة مُضافة فيما يتعلق بالشفافية، لأيٍ كان من الفاعلين في الديمقراطية المباشرة».

الحجة الأخرى التي قدّمها النواب من حزب اليمين هي احترام الحياة الخاصة للمانحين. ويتابع ميكائيل بوفا مدافعاً عن هذه الحجة: «من حق الشخص أن يتبرع دون أن يعلم الجميع أنه يملك المال ودون أن يعرفوا توجهه السياسي». حيث يخشى هؤلاء أن يتردد المانحون بالتبرع إذا تمَّ الكشف عن تبرعاتهم إلى العلن.

بدوره، مارتن هيلتي، لا يستوعب هذه الحجة فيُعلّق قائلاً: «ليس لدينا أدنى مؤشر على أنَّ التبرعات انخفضت في الكانتونات التي لديها قوانين بشأن الشفافية كما أننا نلاحظ ذلك أيضاً في الدول الأخرى. لنأخذ على سبيل المثال المملكة المتحدة التي يمكن مقارنتها بالنظام السويسري، حيث يتم تمويل الحياة السياسية بشكل رئيسي من الاقتصاد الخاص (4 من 5): بعد إدخال التشريع الجديد في عام 2000، لم تطرأ أية تغيرات على نسبة التمويل الخاص».

الطابع الخاص لنظام الميليشيا

المُبرر الآخر الذي تقدمه أحزاب اليمين هو كون سويسرا تتميز بنظام الميليشيا، مع سياسيين غير مُحترفين وفي غياب تمويل الدولة. وبالتالي، لا يرون أية ضرورة لتشريع قوانين في هذا الشأن. وتضيف ليزا ماتزون قائلةً: «لدينا هذه الصورة لسياسة الجد حيث يعرف الجميع بعضهم البعض وجميع الناس لطفاء. في حين نعلم أنَّ القرارات المُتخذة على مستوى الدولة، كما هو الحال في أي مكان آخر، ذات أهمية كبيرة وأنَّ الحملات الانتخابية تستنزف الكثير من الأموال».

لقد تعدَّدَت المقترحات في السنوات الأخيرة في البرلمان لمحاولة وضع قوانين للشفافية. ولكنها باءت جميعها بالفشل. وهو ما دفع مارتن هيلتي للقول: «أنا أجد صعوبة بالغة في فهم هذا الموقف وهذه القرارات، لأن الشفافية هي جزء من الديمقراطية الحديثة».

أما ليزا ماتزوني، فهي ترى أنَّ البرلمان ليس مستعداً للكشف عن جميع المصالح المالية التي تختبئ وراء الحملات الانتخابية: «نحن نقتصر على القول بأن ديمقراطيتنا هي الأجمل في العالم ونتجاهل أحد جوانبها الأساسية، ألا وهو مَن يُموّلها. بالنسبة لي، يُمثّل هذا الأمر إشكالية كبيرة، لأنَّ ذلك ينقض الثقة لدى الناخب وينتزع معلومات من شأنها أن تُساهم في تكوين الرأي. كما أنه كفيل بتدمير السياسة نفسها في نهاية المطاف».

مشاركة