تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

شدّ وجذب متصاعد ملف حقوق الإنسان يؤرق أطراف النزاع الصحراوي

بعد مرور زهاء أربعين عاما على اندلاع النزاع في الصحراء الغربية، لا  توجد أي مؤشرات جدية على أي حلحلة له في الأفق المنظور.

(Keystone)

تتمحور المواجهات الدبلوماسية والإعلامية بين أطراف النزاع الصحراوي منذ فترة حول ملف حقوق الإنسان، حيث اتخذ هذا الملف طابَعا سياسيا، يغطّي أحيانا على الجوانب الحقوقية، ويحاول من خلاله كلّ طرف كسَب نِقاط يراكمها ليُعزز موقفه في المحافل الدولية التي باتت الميدان الأساسي للنزاع وللمواجهات بين أطرافه.

في الأثناء، ترتفع حدّة المواجهات كلما اقترب استحقاق يتعلّق بالنزاع وتطوّراته، ويتمثل الإستحقاق القادم في مشاورات حول وجود شكْل من أشكال متابعة المجتمع الدولي لاحترام أطراف النزاع لحقوق الإنسان، وذلك وِفقا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2152 الصادر نهاية شهر أبريل 2014. وكما هو معلوم، تتعدّد أوراق ملف حقوق الإنسان بالنزاع الصحراوي، خصوصا وأن هذا الملف أصبح مِحور اهتمام دولي كمِلف إنساني، فيما تُبرز جبهة البوليساريو انتهاكات تقول "إنها جسيمة" ترتكبها السلطات المغربية في المدن الصحراوية، التي تشمل أحيانا، بالنسبة للجبهة، مدنا صحراوية تقع خارج منطقة الصحراء الغربية المتنازَع عليها.

في الأثناء، تحشد جبهة البوليساريو منظمات وهيئات حقوقية دولية، للمساهمة في دفع المغرب لتسديد ثمن سياسي باهظ، من خلال قرارات وإجراءات تنتقص من السيادة المغربية على الصحراء، تحت يافطة "مراقبة حقوق الإنسان"، وهو عنوان المعركة التي شهدتها أروقة مجلس الأمن الدولي في أبريل 2013 و2014 أثناء مناقشات المجلس الدورية، التي تسبق صدور قراراته ذات الصّلة بالنزاع.

الهجوم والهجوم المضاد 

المغرب، الذي استطاع الخروج من هذه المعركة بأقل الخسائر الممكنة، قام بهجوم مضادّ لتحرك جبهة البوليساريو ومسانديها، من خلال إبراز الإصلاحات التي عرفها ميدان الحريات العامة واحترام حقوق الإنسان بالمغرب، وإيراد شهادات الوفود الحقوقية التابعة للأمم المتحدة أو المستقلة، إضافة إلى التشديد على دور المنظمات والهيئات المغربية الناشطة في ميدان حقوق الإنسان، الرسمية منها والمستقلة، في مراقبة وتتبّع حقوق الإنسان في كافة أنحاء البلاد، والحرص على إبقاء مراقبة وتتبّع المسائل المتعلقة بحقوق الإنسان ضمن الإطار المغربي. وفي المقابل، شددت الرباط على إبراز الإنتهاكات المرتكبة في مخيمات تندوف في غرب الجزائر، الواقعة تحت سيطرة جبهة البوليساريو

في قراره رقم 2152، أكّـد مجلس الأمن الدولي على أهمية تحسين حالة حقوق الإنسان في الصحراء الغربية ومخيمات تندوف، وشجّع الطرفيْن "على العمل مع المجتمع الدولي على وضع وتنفيذ تدابير تتّسم بالإستقلالية والمِصداقية، لكفالة الإحترام التام لحقوق الإنسان، مع مُراعاة كل منهما لما يقع عليه من التِزامات بموجب القانون الدولي" و"على مواصلة جهود كلٍّ منهما من أجْل تعزيز حقوق الإنسان وحمايتِها في الصحراء الغربية ومخيّمات تندوف للاّجئين، بما في ذلك حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات".

القرار الصادر عن المجلس جاء بعد محاولة تكليف قوات الأمم المتحدة المنتشرة بالصحراء (المينورسو) بمراقبة حقوق الإنسان والتقرير بها لمجلس الأمن، وهو ما رأى فيه المغرب مسّا بسيادته على المِنطقة، ووصلت ردة فعله إلى التهديد بسحب هذه القوات من الصحراء وإنهاء مهامّها، معتبِرا أن المطلب مناقض لما ورَد في الإتفاق الذي سمح بانتشارها عام 1991. كما حملت فقراته - على غرار قرارات سابقة لمجلس الأمن ذات الصلة - غموضا يحتمل تأويلات متعدّدة، إذ أن قراءات أطراف النزاع جاءت مختلفة للفقرة التي ورد فيها: "تشجيع الأطراف على العمل مع المجتمع الدولي على وضع وتنفيذ تدابير تتّسم بالاستقلالية والمصداقية لكفالة الاحترام التام لحقوق الإنسان، مع مُراعاة كلّ منهما لما عليه من التِزامات بمُوجب القانون الدولي".

 "ورقة للإبتزاز السياسي" 

في هذا السياق، يعتبر البشير الدخيل، أحد مؤسسي جبهة البوليساريو (عاد إلى المغرب عام 1992) أن النقاش حول النزاع الصحراوي انحرف عن طبيعة القضية، ومحوَرها هو الإنسان الصحراوي وكرامته وحريته، الذي حدّدت الأمم المتحدة اختياراته كإنسان كان تحت الإحتلال الإسباني، باختيار نظامه السياسي أو الإنضمام إلى دولة أخرى أو حلاّ وسطا كالفدرالية أو الكنفدرالية أو الحكم الذاتي، وهو الخِيار الواقِعي المطروح الآن.

ويرى الدخيل أن الإنحراف في النقاش ناجم عن "تسييس حقوق الإنسان والقضايا الإجتماعية"، ومحاولة وضْع حقوق الإنسان الصحراوي "ورقة للإبتِزاز السياسي"، خاصة من طرف قيادة جبهة البوليساريو، في الوقت الذي تُمارس فيه القيادة أبشع أنواع الإنتهاكات مع ممارستها لكل أنواع التسلط على الصحراويين في مخيّمات تندوف، "حيث لا زالت هي نفسها ... منذ 40 عاما"، على حد قوله.

وفي حوار مع swissinfo.ch، يقول الدخيل: "إن المغرب مارس خلال الفترة الأولى من النزاع واندلاع المواجهات المسلّحة في العقود الماضية، انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان الصحراوي، لكنه خطا خطوات هامة، رغم بعض الممارسات المنتهكة لحقوق الإنسان، إن كان في قراءة هذه المرحلة أو جبر ضرر الضحايا، والأهم دفعه نحو إصلاحات حقيقية في ميدان الحريات العامة وحقوق الإنسان، من خلال الإصلاحات الدستورية والموافقة والمُصادقة على القرارات والاتّفاقات والمعاهدات الدولية، في حين لا زالت مخيمات تندوف، حيث التجمّع الرئيسي لجبهة البوليساريو، على حالها ونفس الأشخاص الذين يتولّون القيادة ويمارسون ضغوطا على الأمم المتحدة لوضع آلية مراقبة دولية لحقوق الإنسان، يمارسون ديكتاتورية وقمعا وانتهاكات إزاء ساكنة المخيمات".

آلية مراقبة دولية

من جهتها، ترى الغالية دجيمي، الناشطة الصحراوية ونائبة رئيس الجمعية الصحراوية لضحايا انتهاكات الدولة المغربية، أن كل الصحراويين المدافعين عن حقوق الإنسان يطالبون بمراقبة دولية محايِدة وشاملة على كل الإقليم المعني وكل الصحراويين في هذا الإقليم، إذ لا يمكن أن تكون المراقبة من طرف واحد، بحُكم أن هؤلاء الصحراويين سكان إقليم متنازَع عليه، وتضعه الأمم المتحدة في إطار الإقليم غير المستقل وخاضع لوصايتها، ومن الطبيعي أن تكون مراقبة حقوق الإنسان ضمن اختصاصات مؤسساتها.

وقالت دجيمي لـ swissinfo.ch إن الناشطين الحقوقيين الصحراويين يقومون منذ بداية سنة 2014 بحملة لمساندة مطالب منظمات دولية، مثل منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومان رايتس ووتش ومركز روبرت كيندي لحقوق الإنسان، من أجل وضع آلية دولية لمراقبة حقوق الإنسان في الصحراء، وأشارت إلى أن "هذه الحملة تلقى مساندة ودعما من الصحراويين".

في السياق، أعربت الناشطة الصحراوية عن تحفّظ الجمعيات الحقوقية الصحراوية على أن تكون هذه الآلية غير مقيمة، وأن تقتصر على زيارات ممثلي هيئات الأمم المتحدة أو المنظمات الحقوقية الدولية، بدل أن تكون الآلية عبارة عن هيئات مُقيمة في المدن الصحراوية.

وقالت دجيمي إن الزيارات، رغم أهميتها، إلا أن التجربة أثبت عدم كفايتها، مشيرة إلى أن المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة (مقرها جنيف)، حدّدت في وقت سابق مقر المينورسو بمدينة العيون، مكانا لاجتماعات المفوضية مع الجمعيات الحقوقية الصحراوية، إلا أنه تحت الضغوط المغربية تم التراجع عن ذلك وحدّد فندقان للقاء، مما أفقده الكثير من الإستقلالية والشفافية. ودعت نائبة رئيس الجمعية الصحراوية لضحايا انتهاكات الدولة المغربية إلى الابتعاد عن أسلوب التخوين والتّخوين المضاد بين الأطراف المتنازعة، والبحث عن آليات نزيهة ومحايدة في كل الإقليم لحماية حقوق الإنسان وكرامته ولكل الصحراويين، بمن فيهم اللاجئين بمخيمات تندوف، وأن على الأمم المتحدة القيام بدورها بما يتكفّل ذلك. 

رؤى مختلفة 

على العكس من ذلك، يرفض محمد النشناش، رئيس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان (مستقلة) فصل حقوق الإنسان بالصحراء المتنازع عليها عن بقية الأراضي المغربية. وقال لـ swissinfo.ch: "إن قضية حقوق الإنسان قضية واحدة في كل الأراضي المغربية، وأن جمعيات وهيئات ومنظمات حقوقية مغربية، رسمية ومستقلة، تقوم برصد ومراقبة جميع الإنتهاكات لحقوق الإنسان فوق الأراضي المغربية، وبصفة خاصة في المناطق الصحراوية".

النشناش أشار أيضا إلى اللّجان الجهوية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان (حكومي) في كل الإقليم الصحراوي، وهي لجان مختصّة بمتابعة احترام حقوق الإنسان والتقرير والرصد لكل أشكال الانتهاكات. إلى جانب هذه الهيئات الحقوقية، يقول النشناش إن هناك أكثر من 120 منظمة من منظمات المجتمع المدني، مختلفة الرُّؤى والتوجّهات والتناقضات، تقوم برصد الإختلالات والإنتهاكات المرتكبة لحقوق الإنسان بالإقليم.

كما أضاف أن ما يجري في الأقاليم الصحراوية، مماثل لما يحدث في كل الأراضي التي تخضع الآن للسيادة المغربية، لأن الأجهزة الأمنية نفسها والوزارات المعنية (داخلية، عدل) والإدارة نفسها، وأن ذلك ينفي أي سبب أو داع لوجود آليات خارجية أو دولية. ولا يرى النشناش أن قرار مجلس الأمن رقم 2152 يحمل في طياته "مراقبة دولية لحقوق الإنسان"، مشيرا إلى أن المغرب الذي فتح أبوابه أمام الهيئات الحقوقية الدولية، حريص على الشفافية في هذا الميدان، رغم بعض الإنتهاكات التي تحدث أحيانا.

إنها رُؤى متعددة ومختلفة لحقوق الإنسان ولكيفية مراقبتها في إقليم متنازع عليه، أما التعدد والاختلاف فينبعان من المقاربة السياسية للنزاع، الذي لم تظهر بعد أي تسوية محتملة له في الأفق، مع ذلك، فمن غير المستبعد أن تشهد المواجهات حول ملف حقوق الإنسان في الصحراء الغربية تصعيدا خلال الأسابيع القادمة.


وصلات

×