تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

صداعٌ مُزمن في رأس الحكومات إلغاء الدعم في مصر.. "القرار الخاطئ" أم "الدواء المرّ"؟!

بعد بدء العمل بالقرارات الحكومية القاضية بتقليص الدعم عن أصناف من المحروقات، شهدت محطات التزود بالوقود في القاهرة اصطفاف طوابير طويلة من السيارات والشاحنات والعربات.

(Keystone)

بعد مرور شهر على سلسلة القرارات الي أصدرتها الحكومة المصرية مؤخرًا، بالرفع الجزئي للدعم عن أسعار المحروقات (السولار، البنزين، الغاز الطبيعي)، والكهرباء والمياه، يبدو أن المواطن المشغول بالجري وراء لقمة العيش، لم يجد بُدّا من الإستسلام للأمر الواقع، رغم ما أصاب ميزانيته الضعيفة أصلا من تدهور جراء ارتفاع أسعار معظم السلع والخدمات الأساسية.

في الأثناء، تباينت الآراء في مصر حول هذه القرارات التي أثارت غضب قطاع من الشعب، الذي يعاني من الفقر والبطالة، فضلاً عن الغلاء. ففيما يراه خبير "قرارًا صائبًا وضروريًا"، أشبه بـ"الدواء المر"؛ اعتبره آخر "قرارًا خاطئًا صدر في وقت غير مناسب"، فيما طالب ثالث بتطبيق سياسة "الدعم النقدي" لضمان وصوله إلى مستحقيه مع "صرف إعانة بطالة للعاطلين"، بل "زيادة الرواتب والمعاشات".

الإرتفاعات المسجلة في أسعار الوقود والكهرباء والمياه بمصر

السولار ارتفع من 1.10 جنيه للتر إلى 1.80 جنيه، بزيادة 63%.

البنزين 80 أوكتين ارتفع من 0.90 جنيه للتر إلى 1.60 جنيه، بزيادة 78%.

البنزين 92 أوكتين ارتفع من 1.85 جنيه للتر إلى 2.60 جنيه، بزيادة 40%.

البنزين 95 أوكتين ارتفع من 5.85 جنيه للتر إلى 6.25 جنيه، بزيادة 7%.

المازوت لمصانع الطوب ارتفع من 1700 جنيه للطن إلى 1950 جنيها، بزيادة 15%.

الغاز الطبيعي للسيارات ارتفع من 0.40 جنيه للمتر المكعب إلى 1.10 جنيه، بزيادة 175%.

الغاز الطبيعي للمنازل والنشاط التجاري المعادل للمنازل ارتفع من 20 قرش للمتر المكعب إلى 40 قرشا بزيادة 100%.

الكهرباء ارتفعت بما يتراوح بين 17% إلى 56% في فواتير الإستهلاك المنزلي.

المياه ارتفعت بما يتراوح بين 37% إلى 112% في فواتير الإستهلاك المنزلي. 

نهاية الإطار التوضيحي

80% من الدّعم "يذهب للأغنياء"

المستشار الإقتصادي يوسف محمد، يرى أن "الأغنياء ورجال الأعمال وأصحاب المصانع والفنادق السياحية والسيارات الفارهة، يستفيدون بأكثر من 80% من الدعم الحكومي"؛ مشيرا إلى أن "الكثير من رجال الحكومات السابقة هم أصحاب مصانع ولهم مصالح كبيرة في الإبقاء على الوضع على ما هو عليه، ومن ثَـمّ فقد ازداد الغني غِنى وازداد الفقير فقرا" نتيجة لرفع الدعم.

وقال محمد، الذي يُدير منفذ المنطقة الحرة العامة بمدينة نصر بالهيئة العامة للإستثمار والمناطق الحرة: "الدعم ينتجُ شعبا ضعيفا يعتمد على مساعدة الدولة، وهو ما أخرج لنا منتجا لا يجيد المنافسة العالمية، وهو أمر يضر بمصلحة الإقتصاد. فمن غير المقبول عقلاً أن يتم الدعم إلى ما لا نهاية، مع ارتفاع الدَّين وزيادة الأعباء واشتداد المنافسة العالمية وارتفاع الأسعار".
وفي تصريحات خاصة لـ swissinfo.ch، أضاف قائلاً: "يظهر عجز الحكومة في تطبيق القانون وتحصيل الضرائب من الأثرياء ورجال الأعمال، حيث يتلاعب أغلبهم في الدفاتر ويتهرَّب من الضرائب، بمباركة الفساد المُستشري في الحكومة ومصلحة الضرائب"، معتبرا أنه "لا يدفع الضرائب في مصر إلا الموظف الكادِح، حيث تُخصم بالكامل شهريا من راتبه مقدّما، ومن المنبع".

إلغاء الدّعم.. "الدواء المُرّ"

في سياق متصل، أشار الخبير الاقتصادي إلى أن "المنظومة كلها تحتاج إلى إعادة نظر وتغيير لإصلاح ما أفسده السابقون، ومع اليقين بأن هذا الفساد لن يصلح في يوم وليلة، لكن يجب أن نبدأ في الإصلاح من الآن، خاصة بعد أن تفاقم العجز في الموازنة"، مضيفا "لن ندفن رؤوسنا في الرِّمال إلى الأبد، بينما العالم من حولنا يتقدّم بسرعة هائلة".

ومن أجل تقليل العجز في الموازنة، يقترح محمد عدّة بدائل من بينها "إلغاء الدّعم على المحروقات تدريجيا ونهائيا، حتى يصل إلى مرحلة العرض والطلب الحر والمنافسة العالمية، ولا شك أنه قرار صعب وخطير سيؤثر على جميع أسعار السِّلع والخدمات، لكنه الدواء المُر.. حتميٌ وضروري"، مشيرا إلى أنه "على الحكومة أن توفِّر الدعم النّقدي لِمن يستحقه، مع صرف إعانة بطالة لمن لا يعمل".

المستشار الاقتصادي أوضح أيضا أن هناك "الكثير من الدول التي سبقتنا في رفع الدعم، منها الأردن والتي تعرّضت في الفترات السابقة لضغوط كبيرة، حيث تستورِد المحروقات بأكثر من 90% من احتياجاتها، خاصة عندما تعرّضت لتوقف وصول الغاز المصري إليها، إضافة إلى وجود أكثر من مليون لاجئ سوري فوق أراضيها"، مضيفا أن "السودان والمغرب أيضا رفعتا الدعم لمعالجة الأزمة المالية الطاحنة، وكذلك فعلت سوريا مؤخرا".

"رشْوة للفقراء.."

على العكس من ذلك، أوضح الكاتب والأكاديمي الدكتور يحيى القزاز، أن "الدّعم ضرورة وبند أساسي في موازنات الدول المتقدِّمة، بما فيها الأنظمة الرأسمالية، وهو حقّ لمن لا يعمل أو يمكنه دخله الشهري من العيش في مستوى آمن (الكفاف) طِبقا لمعايير كلّ دولة. أما في مصر، فإنني أستعير مقولة المفكّر الكبير العالِم د. جلال أمين "الدّعم في مصر هو عبارة عن رشْوة للفقراء تُساهم في الصمت على فساد الكِبار"؛ معتبرا أن "الدعم لا يستفيد منه أصحابُه بقدْر استفادة الفاسِدين"، على حد قوله.

وفي تصريحات خاصة لـ swissinfo.ch، أعرب القزاز، العضو في الحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية" عن تشاؤمه، وقال: "إن إلغاء الدّعم لن يحل المشكلة، وسترتفع الأسعار أكثر فأكثر"؛ متسائلاً: "كيف ألغي الدعم وأرفع أسعار المحروقات لتتناسب مع الأسعار العالمية، وأترك أسعار خامات الثروة المعدنية طبقا لأسعار عام 1956 (القانون 86 لسنة 1956)، هل يُعقَل أن يكون سِعر طن الرمال البيضاء عالي الجودة 15 مليما (الدولار = 7.18 جنيها مصريا// الجنيه المصري = 100 قرش// القرش = 10 مليم)، بينما متوسط سِعره عالميا رديء الجوْدة يصل إلى 50 دولار أمريكي؟".

وفي السياق، أضاف أن "حكاية إلغاء الدّعم ورفع الأسعار، ليس هدفها المواطن، وإنما تجميل صورة الدولة خارجيا لصالح الحكم. ففي عصر مبارك ارتفع معدّل التنمية إلى 13% وكان الشعب في أسوإ حالاته الفقرية.. إنها تنمية رجال الأعمال، وهذا وضع سيستفيد منه رجال الأعمال في ظل رفع الأسعار، وترك أسعار الثروات المعدنية كما هي منذ عام 1956".

"حماية الأغنياء على حساب الفقراء"

الدكتور يحي القزاز، العضو أيضا في حركة 9 مارس لاستقلال الجامعات، استطرد قائلا: "في البلاد الرأسمالية، يدفعُ رجال الأعمال الضرائب، وفي بلادنا نحميهم ونُعفيهم من الضرائب، بل ونمنحهم أرضا بلا مقابل ونفصِّل لهم قوانين تحميهم وتشجِّعهم على الفساد ولا تمكِّن أحدا من محاسبتهم، مثل: قانون عدم الطّعن على عقود الدولة مع المستثمرين وتحصينها بأثر رِجعي، والذي يمنع محاسبتهم وتصحيح أوضاعهم".

لذلك يرى الأكاديمي المصري أنه "في غياب التنمية واستمرار سلطة الدولة الأبوية التي تُعاير المواطن بفقره وتقول له "أجيب لك منين"، فإن هذا يعني بوضوح عدم وجود رؤية واضحة ولا تخطيط مستقبلي. فمصر بها موارد طبيعية وبشرية، لو أحسن استغلالهما صارت من الدول المتقدّمة"؛ مشيرا إلى أن "رفع الدعم هو رفع الغطاء وكشف ستر البسطاء وحرقهم بجحيم الأسعار، فلا يجوز أن أرفع الدّعم عن الفقراء، بينما أمنحُ الأثرياء المزيد من المزايا والقوانين التي تُحصّنهم".

إجراءات عملية لتخفيف الاحتقان

وفي سياق الحديث عن الإجراءات التي يُفترض أن تتّخذها الحكومة المصرية لتخفيف الإحتقان المتولِّد لدى قطاعات عريضة من الشعب بسبب رفع أسعار المحروقات والطاقة؛ اقترح الباحث الإعلامي مصطفى خضري "صرف إعانة بطالة للعاطلين عن العمل لا تقِل عن 750 جنيها شهريا، وزيادة الرواتب والمعاشات بما لا يقل عن 35% من الرواتب الإجمالية للعاملين بالدولة وأصحاب المَعاشات، وذلك نظراً لارتفاع الأسعار من 30 - 50%، نتيجة تلك الزيادة في أسعار الوقود".

وفي تصريحات خاصة لـ swissinfo.ch، أشار خضري، الذي يترأس ‏المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام "تكامل مصر"رابط خارجي إلى أن "وصول الدعم إلى مستحقّيه يحتاج إلى قاعدة بيانات محدثة دورياً، عن المصريّين المستحقّين للدّعم، وتوجيهه بشكل مباشر إليهم، بالإضافة إلى رفع الدعم عن أسعار الكهرباء والمياه والطاقة والمحروقات، التي تستخدمها شركات ومصانع والقرى السياحية التي يمتلكها رجال الأعمال، والتي تستهلك 59% تقريباً من حجم الدعم الكلّي في الموازنة العامة".

ولكن، لماذا تلتجئ الحكومات عموما (مصر نموذجا) للترفيع في أسعار المحروقات والطاقة، ورفع الدعم عن المواد الأساسية، كحلٍّ سهل لتقليص العجْز في الموازنة العامة للدولة؟ عن هذا السؤال، أجاب الباحث الإعلامي أن "هذا التوجّه ليس وليد اللّحظة وليس أيضاً نابعاً من تلك الحكومات، إنما هي تعليمات صندوق النقد الدولي" وهي مؤسسة تعمل في معظم الأحيان "لصالح الشركات المتعدّدة الجنسيات"، حسب رأيه.

"وأْد الصناعة المحلية"..

وفي معرض التوضيح لرأيه، أضاف مصطفى خضري: "لكي نفهم هذا التوجّه، لابد أن نتتبع أثَـر إلغاء الدّعم على الاقتصاد المصري مثلاً، والذي يبدأ بإلغاء الدّعم الذي يؤدي إلى زيادة كبيرة في الأسعار، وبالتالي، يقل الطلب على المنتجات المعروضة بالسوق، فيقِل الإنتاج، وهو ما يؤدّي لتسريح العمالة وزيادة البطالة، والتي تؤدّي بدورها لتقليل الطلب، وهكذا نصِل إلى الهدف الرئيسي لإلغاء الدّعم، وهو وأْد الصناعة المحلية"، على حد رأيه.

خضري ذهب أيضا إلى أن السوق المصرية تُترك - تبعا لذلك - "فريسة لتلك الشركات المتعدّدة الجنسيات التي توفّر السِّلع بسِعر مناسب لفترة بسيطة تتحكّم بعدها في حياة المصريين"، بل اعتبر أن "هذا هو الإحتلال الحديث للدول، والذي يتم بدون دبّابات أو صواريخ، وإنما برغيف الخبز"، مشيرا إلى أنه "دائماً ما تطبِّق الحكومات العميلة تعليمات الصندوق، مقابل امتيازات شخصية لأعضاء تلك الحكومات في الشركات متعدّدة الجنسيات، المالك الفعلي لزمام الأمور"، حسب رأيه.

الدول العربية تتجه للحسم تدريجيا في ملف الدعم

الأردن: نفت الحكومة نيّتها رفع الدّعم عن الخبز، وأكّدت أنه لن يكون هناك أي تغيير على أسعاره خلال العام المقبل. وقال وزير المالية أمية طوقان: إن هناك التزاما من الحكومة بالمحافظة على سعر هذه المادة الأساسية، التي تعتبر خطًا أحمر في الأردن، ولا يسمح بالاقتراب منها. وأن الحكومة سترصد مخصّصات مالية في موازنة العام المقبل لدعم الخبز، ستقارب ما هو مخصّص لهذا العام. ورصدت الحكومة في موازنة العام الماضي نحو 317 مليون دولار لدعم القمح والشعير.

السودان: يعاني السودان من تزايد كبير في نسبة التضخّم ومن نقص كبير في العملات الصّعبة لتمويل وارداته. وخسِرت الخرطوم مليارات الدولارات من العائدات النفطية منذ انفصال جنوب السودان، الذي كان يوجد فيه نحو 75%، من إنتاج النفط في السودان قبل الانفِصال. وفقد الجنيه السوداني 40% من قيمته وِفقا لتعاملات السوق السوداء خلال عامين. وظلّ معدل التضخم في حدود 40% منذ عام 2012 ولكنه تجاوز ذلك بحوالي 5% في بعض الأحيان، وفقا لإحصاءات حكومية.

سوريا: رفعت السلطات السورية سِعر ربطة الخبز بنحو 70%، في خطوة غيْر مسبوقة منذ اندلاع النزاع في البلاد قبل ثلاثة أعوام، بهدف الحدّ من كلفة الدّعم الذي يُثقِل كاهِل الدولة في ظل الأزمة الاقتصادية القائمة. ويمثل الدّعم الحكومي لمواد استهلاكية أساسية، مثل المازوت والكهرباء والأرز والخبز والسكر، ما يقارب 45% من موازنة الدولة السورية لسنة 2014 التي أصدرها الرئيس بشار الأسد في نهاية 2013.

الكويت: شرعت أجهزة الدولة ومؤسساتها بالكويت في دراسة التدابير والإجراءات اللازمة لوقف الهدر وتقنين الدّعم، الذي أكدت الحكومة بشكل قاطع أن لا مناص منه. وكشفت مصادر أن السِّلع والمواد التموينية سيتم تقنينها وتحديد طريقة صرفها لضمان وصولها إلى المستحقّين فعليا. فيما جدّدت الحكومة وعدها بأن لا يتضرّر ذوُو الدّخل المحدود من تقنين الدعم.

ليبيا: تتّجه ليبيا اعتبارا من نهاية أغسطس الجاري، نحو رفع الدّعم عن السلع الغذائية الأساسية والمحروقات، مقابل دعمٍ نقدي للمواطن يصِل إلى ما يقارب 130 دينارا (102 دولار) شهرياً. وتبلغ قيمة الدّعم للسِّلع والمحروقات في الميزانية العامة لهذا العام 10.6 مليارات دينار (8.3 مليارات دولار)، الجزء الأكبر منها - وهو ثمانية مليارات دينار (6.3 مليارات دولار) - مخصّص لدعم المحروقات. وتقول دراسات غير رسمية، إن ثلث الدعم الرسمي يذهب للتّهريب إلى الدول المجاورة.

تونس: أعلن وزير الصناعة والطاقة والمناجم كمال بن نصر رفع الدّعم نهائيا عن مصانع الإسمنت الرّمادي، ليُصبح سعر الإسمنت للعموم بين 7,5 د و8 دينارات. فيما تعتزم رفع أسعار البنزين بنسبة 6.3% خلال الأيام المقبلة، كما ستخفض دعم بعض المواد الغذائية، وذلك ضِمن حزمة إصلاحات يطالب بها المقرضون الدوليون لخفض عجز الميزانية.

المغرب: تظاهر المئات في العاصمة المغربية الرباط، للمطالبة بوضع حدٍّ لسياسات الحكومة التي يعتبرونها مُجحفة بحقّ المواطنين، سيما على صعيد رفع الدّعم عن بعض المشتقّات النفطية. وكانت الأزمة قد اندلعت إثر إعلان الحكومة عزمها إلغاء الدّعم التدريجي عن بعض المشتقّات النفطية، وإطلاق إصلاحات واسعة في أنظمة صناديق التقاعد.

البحرين: أكّدت كتلة المستقلّين البرلمانية رفضها التام لرفع الدّعم الحكومي عن المواد الغذائية المدعومة والمشتقّات النفطية، ما لم تكن هذه الخُطوة مسبوقة بدراسة تخصصية مستفيضة بمشاركة أصحاب الرأي والاختصاص في البلاد، وبالاطِّلاع على أنجح التجارب العالمية في هذا الشأن، بهدف ضمان تحقيق أقصى استفادة للمواطن؛ مؤكِّدة رفضها تمرير أي مقترحات في هذا الشأن، لضمان عدم المساس بحقوق المواطنين.

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

×