Navigation

في موريتانيا .. الإرهاب يضرب تحت الحزام الأمني

قرر منظمو رالي داكار إلغاء السباق الذي يعبر عادة موريتانيا خشية من هجمات "التيارات الإرهابية"، وهذه المرة الأولى التي يلغى فيها منذ انطلاقه قبل 30 عاما Reuters

رغم أن تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" لم يتبنَّ حتى الآن إلا واحدا من الهجومين الذين حصلا في موريتانيا، إلا أن بصمات "القاعدة" و"العمل الجهادي" تبدوان جزءا من ملامح المشهد الذي أحاط بالحادثتين معا.

هذا المحتوى تم نشره يوم 04 يناير 2008 - 23:14 يوليو,

فقد تبيَّـن سريعا أن الأمر يتعلق بعملية إرهابية تحمل بصمات "الفكر التكفيري المتطرف" وأن منفِّـذيها هم معتقلون سابقون تمَّـت محاكمتهم بتُـهم الإرهاب.

رغم أن تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" لم يتبنَّ حتى الآن إلا واحدا من الهجومين الذين حصلا في موريتانيا بفارق زمني لا يتعدى اثنتين وسبعين ساعة، وفارق في المسافة يتجاوز تسع مائة كيلومتر، إلا أن بصمات "القاعدة" و"العمل الجهادي" تبدوان جزءا من ملامح المشهد الذي أحاط بالحادثتين معا والظروف التي اكتنفتهما، فضلا عما قادت إليه التحقيقات وأدلى به شهود عيان.

فالعملية الأولى كانت زوال يوم الاثنين، 24 ديسمبر الماضي، واستهدفت سياحا فرنسيين قرب مدينة "ألاك"، وسط البلاد (250 كلم شرق العاصمة نواكشوط)، وقد وقع الهجوم الذي استهدف أسرة فرنسية وصديقا لها أثناء عبورهم الأراضي الموريتانية في طريقهم إلى مالي.

ودفعت ظروف الحادث ومكانه بداية إلى ترجيح كفَّـة عمل السرقة والتلصص، وهو ما جنحت إليه الحكومة الموريتانية بداية، حينما أعلن وزير الداخلية أن المهاجمين طلبوا من السياح الفرنسيين إعطاءهم مبالغ مالية قبل قتلهم. وسارعت الشرطة إلى اعتقال أشخاص بعضهم من ذوي السوابق القضائية للاشتباه في علاقتهم بالحادث، ولعل هذا الجنوح من الحكومة إلى ترجيح فرضية عملية التلصّص، كان من باب التمني أن لا يكون العمل الإرهابي قد ضرب تحت الحزام الأمني للبلد، لأن التوابِـع ستكون مؤلمة وقاسية، أكثر مما كان استنتاجا أوحت به التحقيقات الأولية.

بيد أن هذه التحقيقات سارت باتِّـجاه ما لا تشتهيه أشرعة الحكومة. فقد تبيَّـن سريعا أن الأمر يتعلق بعملية إرهابية تحمل بصمات "الفكر التكفيري المتطرف" وأن منفِّـذيها هم معتقلون سابقون تمَّـت محاكمتهم بتُـهم الإرهاب.

وبدأ رأس الخيط يمتد شيئا فشيا إلى أن أوصل إلى حقيقة، مؤْداها أن المهاجمين مرتبطون بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وتلقوا تدريبات في معسكراته وخططوا للعملية هناك وبتكليف من قادة هذا التنظيم، وهنا كان على السلطات الموريتانية أن تستعد لتحد جديد، هو الإرهاب الذي طالما كرّر الرئيس الجديد للبلاد أن موريتانيا لا تواجِـه خطره بشكل مباشر.

وسرعان ما بدأت الحقائق تتكشَّـف مع توقيف أول مُـشتبه فيه، حيث عُـرفت أسماء المنفذين والطريقة التي نفذوا بها العملية، وكانت المفاجأة أنهم شباب، من بينهم أصحاب سوابق معروفون لدى الشرطة بارتكابهم جرائم تلصّص واغتصاب، قبل أن يلتحقوا بالعمل الجهادي المسلح، وقد أفرِج عنهم قبل أشهر وأسقط القضاء الموريتاني عن أحدهم تُـهمة الإرهاب، فما أفرجت الشرطة عن الثاني، لعدم كفاية الأدلَّـة ضدّه.

وهنا، طرح المراقبون أكثر من سؤال حول من يتحمَّـل مسؤولية ذلك، وهل فشل القضاء الموريتاني في تعاطيه معهم؟ وسارع النائب العام إلى إعلان براءة النيابة العامة من المسؤولية، مُـلقيا باللائمة على محكمة الجنايات، التي برّأت أحد المتهمين في الحادث، والشرطة التي أفرجت عن الثاني، قبل أن تُـحيله إلى القضاء.

إلا أن المتتبعين للشأن الموريتاني، يلقون باللائمة على أجهزة الأمن التي قدّمت للمحكمة متَّـهمين مع ملفات فارغة إلا من محاضر أصرّ المتهمون أن محتوياتها انتُـزعت منهم تحت التعذيب، فلجأت المحكمة إلى رفضها والتعامل مع تصريحاتهم أمام القضاء، والتي نفوا فيها أية صلة لهم بالجماعة السلفية أو التنظيمات الإرهابية.

.. ثم الجنود.. وماذا بعد؟

وبعد أقل من اثنتين وسبعين ساعة على مقتل الفرنسيين، ضرب الإرهاب بمَـخلبِـه ثانية في الشمال الموريتاني، وسقط ثلاثة جنود كانوا يحرسون وِحدة عسكرية في الصحراء الموريتانية صُـرعوا برصاص السلفيين الجهاديين. وأعلنت الحكومة على لسان رئيس الوزراء أن الأمر يتعلق بتنظيم إرهابي خطير، في إشارة واضحة إلى "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، وقد سارع هذا الأخير إلى تبني العملية.

ورغم أن القاعدة حسمت أمر مسؤوليتها عن قتل الجنود، فإن ترجيح كفة مسؤوليتها عن قتل السياح الفرنسيين تبقى واردة إلى حدّ غلبة الشك، ويرى المحللون أن قراءة في الحدثين تفضي إلى الوصول إلى مبرّرات دفعت القاعدة إلى ارتكاب العمليتين.

فبالنسبة لقتل الجنود الثلاثة، يُـمكن الحديث عن مبرّرات منها: أن القاعدة أقدمت على هذه العملية في محاولة لإرباك جهود الأمن الموريتاني في ملاحقته لمنفذي الهجوم على السياح الفرنسيين وتخفيف وطأت الحصار الذي يُـعتقد أنه مضروب عليهم في إحدى المدن السنغالية المُـحاذية للحدود مع موريتانيا. وجاءت الضربة هذه المرة في شمال البلاد لأنه الأقرب إلى معسكرات التنظيم، ولأن حرية التحرك في تلك المنطقة الصحراوية أسهل، ويمكن لمقاتلي القاعدة، الذين خبروا تلك الصحراء وعاشوا فيها فترة طويلة، أن ينفذوا فيها ضربة خاطفة ويعودوا إلى معسكراتهم بسرعة، بينما قد يكلف تنفيذ عملية في أية منطقة أخرى تخطيطا وإعدادا يتطلَّـبان وقتا لا تحتمله حالة "الرفاق" المطاردين في شمال السنغال وجنوب موريتانيا. كما أن توجيه القاعدة ضربة للجيش الموريتاني وتنفيذ عملية نوعية على الأراضي الموريتانية، أمر مبرر بمنطق تاريخ هذا التنظيم، فهو حين كان يُـسمي نفسه "الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية" وذو صبغة قُـطرية، لم تسلم موريتانيا من بطشِـه، فهاجم في يونيو 2005 ثكنة عسكرية موريتانية في بلدة لمغيطـي، شمال البلاد، وقتل 15 جنديا موريتانيا وأصاب عددا مماثلا بجراح.

أما اليوم، وقد انتقل من القُـطرية إلى الإقليمية وأصبح إسمه "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، فإنه يجد ببساطة أن موريتانيا تدخل في إطار "اختصاصه الترابي"، شأنها في ذلك شأن باقي دول المغرب العربي، وإن تميزت موريتانيا، بالنسبة للتنظيم، بسهولة الضرب فيها أكثر من المغرب وتونس وليبيا، ومردّ ذلك، أن معسكرات القاعدة في الصحراء الواقعة شمال مالي وجنوب الجزائر، تشترك في حدود صحراوية تمتدّ آلاف الكيلومترات مع موريتانيا، مما يعني سهولة دخول الأراضي الموريتانية عبر تلك الصحاري وتنفيذ عمليات بداخلها والعودة إلى المعسكرات بسلام، كما حدث في لمغيطي عام 2005 والغلاوية 2007، فضلا عن هشاشة المنظومة الأمنية والعسكرية الموريتانية، قياسا ببلدان المغربي العربي الأخرى وضعف التسليح والتكوين، وضآلة الإمكانيات المتوفرة وما تعيشه المؤسسة العسكرية والأمنية الموريتانية من تبِـعات سوء التسيير والفساد، الذي ضرب جميع مؤسسات البلاد على مدى عقود طويلة.

ثم إن "القاعدة" لا تزال تنظر إلى موريتانيا كبلد مطبّـع مع إسرائيل، تحتضن عاصمته سفارة إسرائيلية، وهو أحد التبريرات التي قدّمتها في بيان التبني الأخير الصادر عنها، إضافة إلى هدف آخر، قد لا يقل شأنا عند قيادة التنظيم، وهو توجيه ضربة استباقية في المنطقة، التي كان يفترض أن يمر منها سباق "لشبونة – دكار"، وهو واحد من أشهر السباقات الدولية، وترافقه قوافل ضخمة من المنظمين والمرافقين والسياح، إضافة إلى المشاركين في السباق، وهو السباق الذي ألغي بعد أن هدّدت القاعدة باستهدافه هذا العام.

ماذا تريد "القاعدة" من موريتانيا؟

هذان الهجومان اللذان نفَّـذتهما "القاعدة" ضد موريتانيا، جاء اختيار توقيتهما مفاجِـئا للكثيرين. فموريتانيا عرفت خلال الأشهر الماضية انفراجا سياسيا غير مسبوق، وأفرج عن العشرات من السجناء السلفيين، الذين اعتقلوا خلال فترة حكم ولد الطايع والفترة الانتقالية التي قادها العقيد اعل ولد محمد فال، كما منح الإسلاميون المعتدلون والمحسوبون على حركة الإخوان المسلمين، حزبا سياسيا كانوا محرومين منه طيلة السنوات الماضية، فضلا عن اعتراف الرئيس الموريتاني سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله بأن العلاقات مع إسرائيل كانت خطأً ارتكبه نظام الرئيس السابق ولد الطايع، وتعهَّـد بإعادتها إلى البرلمان للبَـتّ فيها، وهي أمور كلها دفعت إلى التساؤل عن أسباب هذا التصعيد الذي باشرته القاعدة ضد موريتانيا، وإن كان الكثيرون لا يربطون بين هذه الهجمات والتغييرات السياسية الحاصلة في موريتانيا، بقدر ما يربطون بينها وبين تغييرات حاصلة على مستوى تنظيم القاعدة نفسه، منذ تحول من القُـطرية إلى الإقليمية، وما يُـشاع من حدوث تغييرات على مستوى قيادة منطقته الصحراوية التي تتبع لها موريتانيا.

كما أن التنظيم أراد من خلال هاتين العمليتين، الرد على بعض التشكيكات التي قالت إن التغيير كان في الاسم وحده، وأن التنظيم لا زال جزائريا بحتا ويهتم بالشأن الجزائري فقط، فجاءت أولى "غزواته" خارج البلاد باتِّـجاه الأراضي الموريتانية، استسهالا للعمل فيها باعتبارها الحلقة الأضعف بين دول المغرب العربي.

ارتباك رسمي

وعلى المستوى الموريتاني، أصبح واضحا أن الحكومة الموريتانية لم تكن على أهبة الاستعداد للتحدّي الجديد، فجاء الرد مرتبِـكا، والتحركات الأمنية والعسكرية حائرة، لدرجة أن الجيش الموريتاني لم يُـعلن حتى الآن رسميا عن العملية، ولا عمَّـا تكبَّـده فيها من خسائر، والشرطة تكتفي بالقول أنها تقتفي آثار قتلة السياح الفرنسيين، إلا أن المراقبين يتوقعون أن تحمِـل الأيام القادمة ردا رسميا موريتانيا، قد يتجسد في حملة اعتقالات في صفوف نشطاء التيار السلفي الجهادي، الذي طالما سعى النظام الحالي إلى مهادنته وتجنُّـب استفزازه.

فهل قرّرت القاعدة أن تشن حربا على النظام الموريتاني، عِـقابا له على تخليه عن سياسة محاربتها، كما درج على ذلك نظام ولد الطايع وولد محمد فال؟ أم أن تغييرات جديدة حصلت في إستراتجية التنظيم، لا علاقة لها بالأوضاع في نواكشوط، وتعاقب الأنظمة الحاكمة فيها؟

محمد محمود أبو المعالي – نواكشوط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.