تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

قراءة متأنية في كلمة الرئيس المصري تصريحات السيسي حول "مسافة السكة".. حقيقية أم "شو" إعلامي؟

في كلمته التي وجّهها إلى الشعب المصري يوم الاثنين 30 يونيو 2014 بمناسبة الذكرى الأولى لثورة «30 يونيو»، قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي: "... إن التاريخ سيسجِّل لوطننا مصر أنها حمَت العروبة وصانت الإسلام وحالت دون تنفيذ ما دُبّر لتهديد السلامة الإقليمية للدول العربية والإضرار بوحدة شعوبها، وتصدّت لمحاولات تشويه الإسلام وربطه بالعنف والإرهاب. لقد كانت مصر وستظل بإذن الله، خطَّ الدفاع الأول عن العروبة والإسلام، ويعلَم الجميع أن علاقتنا مع أشقّائنا تتجاوز حدود المنفعة الاقتصادية أو التعاون العسكري والتنسيق الأمني".

السيسي والملك عبدالله

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يقبل جبين العاهل السعودي الملك عبد الله خلال داخل طائرة الملك التي حطت في مطار القاهرة يوم 20 يونيو 2014 في بداية زيارة قصيرة.

(Keystone)

وكان قد قال في كلمته خلال حفل التنصيب بقصر القبّة إن "أمن دُول الخليج العربي جزءٌ لا يتجزّأ من الأمن القومي المصري". وكرّر المعنى ذاته في حديثه التليفزيوني مع الإعلامية زينة يازجي قبل الإنتخابات الرئاسية على فضائية "سكاي نيوز عربية"، حيث قال مبتسما "مسافة السكّة.." في إشارة إلى تحرّك مصر وجيشها للدفاع وصدّ أي خطر خارجي يمسّ أمن دول الخليج العربي.

وفي محاولة للوقوف عند هذه التصريحات ورصد دلالاتها السياسية، وكيف يمكن قراءتها في هذه اللحظة الفارقة التي تمر بها مصر والمنطقة العربية، التقت swissinfo.ch مع عدد من الخبراء والباحثين المتخصصين في هذا الشأن والمهتمين بهذا الملف، فكان هذا التقرير:

مجاملة دبلوماسية للدول الدّاعمة

في البداية، يرى الباحث السياسي الدكتور أحمد تهامي أن "تصريحات السيسي عن أمن الخليج هي - حتى الآن - نوع من المجاملة الدبلوماسية لدول الخليج، خاصة بعد الدّعم الخليجي الهائل لسلطته في مصر منذ 3 يوليو. والحقيقة أن أمن الخليج من الناحية التاريخية، يقع تحت حماية الدول الكبرى خصوصاً بريطانيا ثم الولايات المتحدة الأمريكية، فهي التي تضمن أمن واستقرار دول الخليج"، معتبرا أن "الدوْر المصري مكمّل وجُزئي ويتم الاستعانة به في الأزمات الكبرى، كما حصل أثناء تشكيل التحالف الدولي لمواجهة الجيش العراقي بعد غزْو الكويت".

وفي تصريحاته لـ swissinfo.ch، قال تهامي - الخبير بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية: "وربما يطمح السيسي لاستنساخ التجربة بهدف الحصول على الدعم المالي والاقتصادي اللاّزم لحلّ أزمة الاقتصاد المصري، فقد حصل نظام مبارك على ثمن ضخم مقابل هذه المشاركة، وفي ظلّ اشتداد هاجس الأمن لدى دول الخليج بسبب السياسة الإيرانية التوسعية وعدم استقرار الأوضاع في العراق وسوريا، يعتقد السيسي أن الجيش المصري يمكن أن يسد قدرا من الفراغ الأمني في المنطقة، إن قرّرت دول الخليج استدعاءه لهذه المهمة". ويستدرك قائلاً: "لكن واقع الأمر أن الأزمة الحالية في المنطقة معقّدة بشكل لا يمكن لأي تدخّل عسكري فيها أن يؤدّي لأية حلول، وذلك في ظل تداخل الأبعاد الأمنية والسياسية والطائفية؛ حيث يتّخذ الصراع في المنطقة شكلاً طائفياً بحتاً وصراعاً سُنيا شيعياً، مما يجعل أي تدخّل عسكري مصري يرتبط بخلق عداءات وصراعات مع بعض الطوائف والجماعات التي لن تنظر بالرّضا لأي تدخل مصري".

أمر واردٌ للتغطية على فشل داخلي

ويستطرد الباحث السياسي بقوله: "ومن جهة أخرى، فإن الوضع الأمني والسياسي المحتقن في مصر نفسها، يجعل الجيش منخرطاً في السياسة حتى أّذنيْه، ممّا يعيق أي تدخل عسكري خارجي، لأنه من الناحية العقلانية، لا يمكن لجيش أن يخوض مغامرات خارجية في ظلّ عدم وجود استقرار داخلي. علاوة على أن الوضع في دول الجوار، خصوصاً في ليبيا وغزة، يشكل أولوية وتهديداً علي السلطة في مصر، يفوق في أهميته الوضع في المشرق العربي، مما يعنى أن أولوية التحرّك العسكري المصري ستكون في ليبيا وليس غيرها".

ويختتم تهامي حديثه بالتشديد على أنه "رغم هذه القيود على إمكانية قيام الجيش المصري بتدخل عسكري خارجي، فإن تاريخ العلاقات الدولية يكشِف عن أن النظم الحاكمة، خصوصاً من خلفية عسكرية، قد تقرِّر القيام بمغامرات عسكرية خارجية للتغطية على فشل أو أزمات داخلية، وذلك من أجل القفز عليها أو حشد الرأي العام خلف قواتها العسكرية في الخارج، وذلك كما حصل في تجربة (الرئيس الأسبق) جمال عبد الناصر في التدخل عسكرياً في اليمن في ستينيات القرن الماضي".

ضمن منظومة لمواجهة رياح التغيير

متفقا مع تهامي، يرى النائب البرلماني السابق نزار غراب، أن تصريحات الرئيس السيسي عن أن (أمن دول الخليج العربي جزء لا يتجزّأ من الأمن القومي المصري) وتِكراره لعبارة (مسافة السكّة..)، في إشارة لتحرك مصر وجيشها للدّفاع وصدّ أي خطر خارجي يمس أمن دول الخليج العربي، "تعبير واضح عن امتداد سياسة العسكر، وهي سياسة جادّة"، مشيرا إلى أن "دور العسكر في حرب الخليج معروف، وفي التعاون العسكري مع الأمريكيين في حرب العراق وأفغانستان".

وفي حديثه لـ swissinfo.ch، قال غراب - المحامي بالنقض والناشط الحقوقي: "أمن الدول العربية هو أمن النفط والاستقرار لصالح الدول الاستعمارية، وهو أيضا الأمن ضد رياح التغيير التي هبّت في المنطقة لصالح الحقوق والحريات، والسيسي يعمل في منظومة تستهدِف حماية مصالح الدول الاستعمارية الكبرى وتأمين إسرائيل".

وعما إذا كان يعتقد أنه من المنطقي أن يقدّم السيسي عرض خدمات من هذا القبيل للخارج، بينما الوضع الأمني والسياسي في مصر غير مستقر حتى الآن، أجاب النائب البرلماني السابق قائلاً: "هو مُحملٌ بالدّيون لتلك الدول الداعمة له، كما أن أخطار الخليج تهدِّد استقرار خارطته السياسية"؛ معتبرا أن "سعْي السيسي للدخول في مستنقَع (القائد الليبي السابق اللواء خليفة) حفتر، وزيارته للجزائر والسودان مؤخرا، تشير إلى احتمالية الخوْض في المزيد من المُستنقعات".

دليل على وجود استراتيجيات دفاعية

وبرؤية مغايِرة، يعتبر الباحث السياسي أنس القصاص، أن "هذه التصريحات تنم عن وجود سياسات واستراتيجيات دفاعية وتنموية متعددة الأطراف، يتم الترتيب لها منذ فترة ليست بالقصيرة، برعاية أطراف دولية (الولايات المتحدة بشكل أساسي)، ترى في تلك الممارسات الإستراتيجية ضرورة إقليمية ودولية، في ظل حالة السيولة الهيكلية التي تعاني منها المنطقة منذ سنوات للحفاظ على ما تبقّى من منظومة الأمن والسِّلم الإقليمي والدولي".

وفي تصريحاته لـ swissinfo.ch، يقول القصاص - الخبير في الشؤون الدولية: "وعلى الرّغم من أن تلك المنظومة (منظومة الأمن والسلم) قد تغيّرت مرّتيْن في العقديْن الأخيرين: الأولى لصالح الولايات المتحدة مع سقوط جدار برلين وتفكّك العقد السوفييتي، والأخرى ضدّها على إثر سياساتها الدفاعية الخاطئة من جهة والأزمات المتكرّرة للاقتصاد العالمي من جهة أخرى، فإن الولايات المتحدة تسعى في الفترة الحالية لتثبيت تلك المنظومة، وِفقًا لمصالحها بطُرُق شتى؛ من بين تلك الطرق، ضمان عدم تغلغل غرمائها التقليديين (المِحور الروسي – الصيني - الإيراني) إلى أماكن نفوذها حوْل العالم".

ويستطرد قائلا: "ومما لا شك فيه أنه في قلب حالة التفكك التي انتابت المجتمعات والجيوش الشرق أوسطية على مدار العقدين الفائتين، فإن وجود مصر في القلب من هذا المشهد التحلّلي، يفيد اللاعبين الكبار بالإقليم وخارجه في إعادة ترميم منظومة الأمن والاستقرار بالمنطقة، التي اعترتها تغيّرات كبيرة منذ حرب الخليج الأولى واتفاقيات أوسلو وسياسات الشراكة الأورومتوسطية والسياسات الأمريكية في الحرب على الإرهاب، وما نتج عن هذه الأحداث من تغيرات اجتماعية واقتصادية ضخمة".

المحدد.. "نمط القيادة والقدرات النوعية"

وعندما سُئل إن كانت هذه التصريحات جادّة أم أنها للاستهلاك الإعلامي ومحاولة لإيجاد موضع قدم لمصر في الأمة العربية اليوم؟ أجاب الباحث السياسي أنس القصاص قائلاً: "باعتقادي أن هذه التصريحات جادّة جدّا. وكما أسلَفت، فإن الترتيبات الإقليمية الحالية أصبحت كترس كبير تدور في فلكه كل قوى الإقليم التقليدية الكبرى".

ويضيف: "وبناءا عليه، فإن سخونة الأحداث في المشرق العربي والتغيرات الاستراتيجية التي تطرأ عليه، قد تكون مدعاة لتشكلات وتجمعات دفاعية جديدة، تكون على شاكلة قوات درْع الجزيرة". واختتم حديثه بالقول: "أما فيما يخص الوضع الداخلي المهترئ، فإن هذا لا يتنافى مع القدرة على فعل إجراءات خارج الحدود، وذلك نظرا لأن قوى الدولة الحديثة، هي قوى نوعية لحدٍّ كبير. فما تفشل فيه الدولة في الداخل، قد تنجح فيه بالخارج، بل إن الدول على النطاق المحلي، يمكن أن تنجح في إدارة ملفات وتفشل فشلاً ذريعا في إدارة ملفّات أخرى"؛ مشيرا إلى أن "الفشل والنجاح مرتبط بنمط القيادة والقدرات النوعية للدول".

×