Navigation

ماذا يعني بالضبط الانسحاب الأمريكي من العراق؟

وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد في صورة تذكارية مع جنود أمريكيين في قاعدة قرب تكريت (تاريخ الصورة: 24 ديسمبر 2004) Keystone

لم يعد أحد يُـدرك على وجه الدقة ما الذي آل إليه مصير عملية انسحاب القوات الأمريكية في ظل حالة الغليان التي يشهدها العراق حاليا.

هذا المحتوى تم نشره يوم 25 أكتوبر 2005 - 18:01 يوليو,

إن كل ما يدور داخل الولايات المتحدة بشأن الانسحاب يشير إلى أن المسألة أعقد مما تبدو عليه، لكن الأكيد هو أنه لن يكون خروجا كاملا ..

لم يعد أحد يُـدرك على وجه الدقة ما الذي آل إليه مصير عملية الانسحاب الأمريكي في ظل حالة الغليان التي يشهدها العراق حاليا.

فعلى الرغم من أن إستراتيجية الخروج من العراق أصبحت منذ عدة شهور واحدة من السيناريوهات المطروحة عمليا داخل المؤسسات الأمريكية، إلا أن ذلك ترافق منذ ذلك الحين مع جدالات حادة لم تحسم أبدا حول الأطر العامة، والتوقيتات والشروط والنطاقات، بحيث لم يعد مفهوما ما الذي يعنيه بالضبط ذلك السيناريو؟ لكن تظل أحد الأشياء القليلة المؤكدة، أنه لن يكون خروجا كاملا.

أفكار واشنطن

إن كل ما يدور داخل الولايات المتحدة بشأن الانسحاب، يشير إلى أن المسألة أعقد مما تبدو عليه. فهناك إدراك مستقر داخل الإدارة الأمريكية بأن النجاح أو الفشل في العراق – أيا كانت تعريفاتهما – يمثلان أهم محددات استمرار أو تقلص تأثير الولايات المتحدة في عالم القرن الحادي والعشرين، وبالتالي، فإن الإدارة الأمريكية ليست مستعدة، من حيث المبدأ، للفشل في العراق، لكنها تُـدرك أيضا أنه لم يعد أمامها خيارات نموذجية، إذ أصبح الواقع ومقتضياته هو المحدد الرئيسي لأية تحركات مستقبلية في العراق.

وفى هذا الإطار، لا يتم النظر إلى خيار الانسحاب من العراق على أنه سيناريو طوارئ أو إستراتيجية هروب يتم إتباعها في حالات قصوى سيئة، أو حتى كرد فعل لانهيار شعبية الرئيس بوش، وإنما أحد الخيارات الصعبة "المدروسة" التي لا ترتبط بالضرورة بفكرة الخروج من العراق، بل الحفاظ على المصالح الأمريكية فيه، في حالة تطور الأوضاع الداخلية بين العراقيين خلال "فترة ما بعد الدستور"، في اتجاه صِـدام مسلح واسع النطاق يفرض وجود القوات الأمريكية في إطاره، خيارات صعبة عليها فيما يتعلق بدعم طرف أو آخر.

بعيدا عن التفكير الإستراتيجي، تتم مناقشة كل الخيارات الخاصة بالانسحاب من جوانبها العملياتية، والتي تطرح في إطارها أفكار خاصة بأشكال وأساليب مختلفة له، تتراوح كلها بين التخفيض التدريجي للقوات في ظل أوضاع انتشارها الحالية داخل العراق، بالتوازي مع زيادة عدد القوات العراقية أو إعادة نشر تلك القوات في عدة قواعد عسكرية رئيسية داخل العراق أو إخراج القوات الأمريكية في اتجاه قواعد قريبة في الدول المحيطة بالعراق على نحوٍ يُـتيح لها استمرار العمل وقت الضرورة داخل أراضيه، وغالبا، لم تُـتَّـخذ بعدُ قرارات سياسية بهذا الشأن.

خيارات سيئة

بالعودة إلى داخل العراق، لم يتغير الكثير. فلا تزال الأفكار التي يتم تداولها بين الفرقاء على ما هي عليه، إذ لا توجد "خيارات جيدة" في واقع الأمر.

فبقاء القوات الأمريكية بأوضاعها الحالية يؤدي إلى اتساع نطاق المقاومة العنيفة لها، سواء من جانب "مقاومة" السنة العرب الذين استقر نسبيا على أنهم يشكلون حوالي 75% من قوة المعارضة المسلحة، أو من جانب عناصر القاعدة الأكثر عنفا، الذين يخوضون حربا ضد الولايات المتحدة على أرض العراق، دونما علاقة لذلك بتطور العملية السياسية داخل العراق، ولا يوجد ما يؤكد أن وجود القوات الأمريكية يمكن أن يؤدي بالمقابل إلى هزيمة هؤلاء.

من جانب آخر، ثمة اقتناع راسخ في أوساط غالبية الساسة الشيعة والأكراد على الأقل، بأن انسحاب القوات الأمريكية من العراق بشكل سريع في الوقت الحالي يمكن أن يؤدّى إلى انهيار كبير يدفع في اتجاه انفجار حرب داخلية دموية خلال مدى زمني يقدره البعض بأسبوع واحد.

ولا يقدم معظم الساسة أو حتى رجال الدين السُـنة إجابة مختلفة جوهريا (بصرف النظر عما يقال في وسائل الإعلام) وما يطرح واقعيا من جانبهم، هو فقط انسحاب تلك القوات من المدن، وتحديد مدى زمني للخروج من العراق.

العقدة الحالية

في ظل ذلك، يمكن فهم بعض ما يحيط بما آل إليه مفهوم الانسحاب الذي يتم الحديث عنه، فهناك فارق بين انسحاب القوات الأمريكية، أيا كان شكله أو توقيته، وبين الخروج الأمريكي من العراق.

فالهدف الأمريكي المباشر هو استمرار وجود علاقة إستراتيجية مع تلك الدولة، والإطار النموذجي الوحيد الذي يمكن أن يتم فيه ذلك (الانسحاب) هو ترتيب الأوضاع العراقية، يتضمن ذلك استقرار الحكومة المنتخبة، وزيادة عدد القوات العراقية، وتحجيم "التمرد المسلح"، وكبح جماح دول الجوار بصورة تتيح إخراج القوات الأمريكية، وكأنها أدت مهمتها أو على الأقل "لم تهزم"، واستمرار العلاقات "القوية" بعد ذلك.

المشكلة التي تواجهها الإدارة الأمريكية، والتي تركز عليها معظم التحليلات حاليا، هو أن ما يبدو منطقيا لا يعتبر واقعيا. فوجود القوات الأمريكية لم يؤدِّ إلى استقرار الحكومة أو إتاحة الفرصة لبناء جيش أو هزيمة المسلحين أو كبح دول الجوار، ومن الصعب الحديث عن أن استمرار وجودها سيؤدّى إلى تحقيق ذلك دون التورط في أعمال مفرطة الضرر أو عشوائية الأثر بصورة تحبط تحقيق تلك الأهداف، كما تثور هواجس أمريكية حول توجهات قادة بغداد الجدد تجاه بقاء القوات الأمريكية ذاتها، خاصة إذا قرروا في وقت ما بعد اكتساب "نصف شرعية" في مرحلة ما بعد الدستور، أن يتعاملوا مع المقاومة المسلحة بوسائلهم الخاصة.

السيناريو المعلق

على أي حال، لا يبدو أن تلك العقدة يمكن أن تحل ببساطة على نحو يدفع في اتجاه حسم ما يتعلق بذلك الانسحاب الذي يبدو ضروريا، لكنه شديد الخطورة للقوات الأمريكية، لكن في انتظار تبلور الأوضاع العراقية "بعد الدستور"، تشكّـلت ملامح شبه مؤكدة لذلك الانسحاب، سوف يرتبط تنفيذها عمليا بتطورات لا يوجد يقين بشأنها، وأهمها ما يلي:

أولا، أنه لا يوجد حتى الآن حديث نهائي عن انسحاب أمريكي كامل من العراق، فلا توجد سيناريوهات تم إقرارها إلا كإستراتيجية طوارئ لاعتبارات التخطيط، تتعلق بخروج شامل لكل القوات الأمريكية من العراق. فلا يزال الوضع الأقرب للتصور هو النموذج الياباني أو نموذج كوريا الجنوبية، الذي يتم الاحتفاظ في إطاره بما بين 40 – 60% من القوات داخل قواعد عسكرية خارج المناطق السكنية في ظل معاهدة دفاع مشترك ترتبط بتوقيتات تجدد ومهام محددة، وهو سيناريو يتطلب شروطا سياسية معقّـدة لتطبيقه مستقبلا، فهو ملمح قابل للتعديل بشدة في ظل تطور أوضاع العراق.

ثانيا، أنه لن يتم بأي صورة انسحاب مفاجئ أو سريع للقوات الأمريكية من العراق، فلن تقبل الإدارة الأمريكية، على حد قول الرئيس بوش، بهروب على غرار ما حدث في فيتنام، من العراق، أو أن يتم الانسحاب في إطار سياسي يبدو معه وكأنه هزيمة، وهي سِـمة تبدو مستقرة نسبيا. فهناك إصرار أمريكي عليها، ولا يوجد في العراق من يطالب جدّيا بعكسها، كما أن وضع القوات الأمريكية في العراق حاليا يُـتيح لها إتباعها، لكن الإصرار عليها قد يؤدّى إلى قرار بخوض عمليات مسلحة عنيفة ضد العناصر المسلحة وقواعدها السكانية لإضعافها بشدة قبل أي قرار بإخراج القوات تدريجيا من العراق.

ثالثا، أن الشرط الذي لا تتصور الإدارة الأمريكية أن تسحب قواتها من العراق دون تحقيقه هو "إنهاء" وجود عناصر القاعدة، على الأقل في العراق، قبل التفكير بجدية في خروجها، وهي مسألة تتعلق – حسب أحد المسؤولين الأمريكيين – بأمن الولايات المتحدة، وليس القضية العراقية، وقد خاضت القوات الأمريكية بالفعل معارك شبه نظامية في هذا الاتجاه في عدة مناطق. لكن في ظل صعوبة تحقيق ذلك، قامت في وقت ما بإجراء اتصالات مع عناصر المقاومة المسلحة لفصلها عن تنظيم القاعدة، ويبدو مما يجري عموما أنه شرط حاسم يصعب التنازل عنه.

وفى ظل ذلك، فإن ما هو واضح هو الانسحاب من العراق ليس عملية جامدة، إذ أنه تحوّل مع الوقت إلى مفهوم واسع مرن يعاد تعريفه كل فترة، سواء فيما يتعلق بإطاره أو شكله، تبعا لتطور الواقع الفعلي على الأرض. لذا، فإنه فيما عدا بعض الحقائق البسيطة المؤكدة نسبيا حوله، فإن الكثير مما يثار بشأنه، يمكن أن يتغير في أي فترة تالية تبعا للظروف التي يصعب تحديد ما قد تحمله من تقلبات.

د. محمد عبد السلام – القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.