الأزمة الناجمة عن فيروس كورونا قد تُفيد العمل عن بُعد ولكن لا ثورة في الأفق

في سويسرا، كما هو الحال في بلدان أخرى، عززت جائحة كوفيد – 19 مؤقتًا اللجوء إلى استخدام آلية العمل عن بُعد، مع تسجيل فوائد ملحوظة من حيث الإنتاجية وجودة الحياة. ومن المؤكد أن هذه الممارسة ستستمر جزئياً بعد انتهاء الأزمة، لكن موعد الانتقال إلى مرحلة المحاكاة الافتراضية الكاملة للعمل لن يكون قريبا.

مدرّس من كانتون فُو يُمارس عمله عن بُعد ويقوم برعاية ابنه في نفس الوقت بعد قرار السلطات السويسرية إغلاق المدارس في كافة أنحاء البلاد (من منتصف مارس إلى موفى أبريل 2020). Keystone / Jean-Christophe Bott

من بين تداعياته الكثيرة، أدى وباء كوفيد – 19 إلى إحداث تغييرات جمّة في عالم العمل. ففي سويسرا، دفعت تدابير الحجر الصحي الجزئي التي أعلنت عنها الحكومة الفدرالية في منتصف شهر مارس 2020 العديد من أرباب العمل إلى التوسّع في استخدام آليّة العمل عن بُعد، أو حتى إلى اعتمادها لأول مرة في مؤسساتهم.

في الواقع، سبق لهذا النمط من التشغيل أن شهد بالفعل نموًا منتظما منذ عدة سنوات في جميع القطاعات الاقتصادية تقريبا. ففي عام 2019، اتضح أن ما يقرب من رُبُع العاملين في سويسرا كانوا يشتغلون في المنزل أقله من حين لآخر. وفي ذروة الأزمة، تضاعفت حصة العاملين عن بُعد (مقارنة بالفترة السابقة)، وفقًا لدراسة أنجزها الفرع السويسري لشركة "دولويت" Deloitte للاستشارات. 

​​​​​​​

ومع بدء رفع الإجراءات الاحترازية، بدأت تطفو على السطح تساؤلات بشأن ما الذي سيتبقى من هذه التجربة التي تم خوضها على نطاق واسع. وأيّا كان الأمر، فقد سمحت للشركات بأن تستخلص أن معظم الموظفين لديها لا يشتغلون بشكل أقل لدى ممارستهم للعمل عن بُعد، بل إن العكس هو الصحيح.

زيادة الإنتاجية في عدة قطاعات

في السياق، قال غالبية الذين أجريت معهم مقابلات في الاستطلاع الذي أجرته شركة "دولويت" Deloitte إن العمل من المنزل لم يُلحق ضررا بإنتاجيتهم. بل يعتقد أكثر من أربعة من كل عشرة أنهم اكتسبوا مزيدا من النجاعة في نشاطهم المهني. ووفقا لإيلينا ديبّو، المتخصّصة في إدارة الأزمات، فإن تأثير العمل عن بُعد على الإنتاجية الإجمالية يظل متغيّرا. ذلك أن الموظفين الناشطين في القطاعات التي تعتمد على الحضور والتواجد الشخصي (كالدعم الإداري وقسم المبيعات وما شابه ذلك) قد يتكبدون خسائر في المسألة.

في مقابل ذلك، اتضح أن "الزيادة في الإنتاجية واضحة للغاية" في بعض المهن، وأن الوظائف المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات هي أكبر الرابحين، وفقًا للأخصائية. وفي تقرير مُشترك نشر في عام 2017، سجّلت منظمة العمل الدولية والمؤسسة الأوروبية لتحسين ظروف الحياة والعمل "يوروفوند" نفس الملاحظة وأوصتا بالترفيع في الحصة المخصّصة للعمل عن بُعد. وفي الخلاصات التي توصل إليها، أشاد التقرير بإمكانية تحقيق توازن أفضل بين الحياة المهنية والعائلية أو التقليل من التنقلات بالنسبة للعاملين وبحصول الشركات على موظفين أكثر تحمسا وخفض محتمل للمصاريف جراء تقليل المساحة الضرورية للمكاتب.

عوامل كبح لا زالت قائمة..

على مدى الشهرين الماضيين، أتيحت الفرصة للعديد من العمال لتجربة هذه الفوائد، ويتوقع خبراء مؤسسة "دولويت" أنه من غير المرجح أن يعود عدد الأشخاص الذين يعملون عن بُعد إلى المستويات التي كانت عليها ما قبل الأزمة. ولكن هل يعني ذلك أن هذا النظام سينتشر بشكل مكثف وسريع في سويسرا؟ إيلينا ديبّو لا تعتقد ذلك، وتقول: "في مرحلة فورية أولى - أي في غضون 18 إلى 24 شهرًا مباشرة بعد الأزمة - لن يحصل أي شيء يتسم بالثورية"، لأن العديد من العقبات لا تزال قائمة، كما تتوقع.

فهناك الحواجز الثقافية، التي سيكون من الصعب إزالتها. ومن بين العقبات الأخرى، توفير الاستثمارات الضرورية للعمل عن بُعد لفائدة تكنولوجيا المعلومات، والأمن السيبراني، والتأمينات... وهنا تنوه إيلينا ديبّو إلى أنه "مع (اللجوء إلى) العمل عن بُعد، فإنه لم يعد هناك محل واحد يجب تأمينه والتحكم فيه، بل عدد كبير من الأماكن".

في الوقت الحالي، لا يوجد أيضا إطار قانوني واضح، حيث تُلفت الأخصائية إلى أنه "يجب إعادة النظر في قانون العمل بشكل كامل ليشمل العمل عن بُعد، وهو ما سيستغرق بضع سنوات على الأقل".

اتجاه واحد وسيناريوهات مختلفة

مع ذلك، ترتسم ملامح اتجاه واضح في جميع أنحاء العالم فيما يتعلق بالعمل عن بُعد. وهناك العديد من السيناريوهات المُمكن توقعها لكيفية تأثيرها على سويسرا على المدى الطويل. وبالنسبة لإيلينا ديبّو، فإن السيناريو الأكثر واقعية عمليا سيكون ذلك الذي سيتأقلم مع الإطار القائم بالفعل. إذ سيزداد اللجوء إلى العمل عن بُعد على أساس كل حالة على حدة، ولكن بدون تعميم خارق للعادة.

في السيناريو الأكثر تفاؤلاً، قد يظل الموظفون متواجدين في سويسرا لكن العمل عن بُعد سيسمح بتخفيف الضغوط فيما يتعلق بالسكن أو بالبنى التحتية في المراكز الاقتصادية الكبرى. ولكن هناك أيضًا سيناريو يتسم بالسوداوية، إذ قد تميل بعض الشركات إلى فرض جزء من التكاليف التشغيلية على موظفيها، أو للقيام بعملية ترحيل مكثفة إلى الخارج لليد العاملة الموجودة حاليًا في سويسرا.

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة