Navigation

من "المسألة الشرقية" إلى "المسألة السورية"

صورة حائطية عملاقة للرئيس بشار الأسد في مدخل سوق قديم وسط دمشق (تاريخ الصورة: 26 سبتمبر 2006) Keystone

هل توقفت "ساعة الزمن" في سوريا؟ هذا ليس، كما قد يبدو سؤالاً افتراضيا، إنه تقرير لواقع الحال، ولحال واقع. وهذا على كل الأصعدة، المحلية والإقليمية والدولية المحيطة ببلاد الشام هذه الأيام.

هذا المحتوى تم نشره يوم 19 أكتوبر 2006 - 06:01 يوليو,

في الداخل، الجمود هو سيد الموقف حتى إشعار آخر: لا تقدم إلى الأمام في الإصلاحات الاقتصادية والسياسية، برغم الأزمات الاجتماعية الخانقة ولا حسم نهائي لتوجهات السياسة الخارجية.

صحيح أن الجدل قائم وساخن داخل النخبة الأمنية - السياسية السورية الحاكمة - بين فريق يدعو إلى الانحناء للعاصفة عبر ممارسة الواقعية السياسية، وبين فريق آخر يتساءل عن جدوى مثل هذه الواقعية في ضوء التصلّـب الأمريكي، إلا أنه جدل عاصف كبير داخل فنجان صغير.

لماذا؟ لأن أياً من الطرفين المتنازعين، غير قادر على الإثبات بأن نهجه يمكن أن يقدم بوليصة التأمين النهائية لبقاء النظام.

فالواقعيون السياسيون يرتطمون بجدار سميك من الشكوك في مآل دعواتهم بسبب رفض الإدارة الأمريكية الحالية، منح النظام السوري أي فسحة تنفّـس، إلا بعد استسلامه الكامل لسياساتها في العراق وفلسطين ولبنان.

والمتشددون السياسيون (إذا جاز التعبير)، يصطدمون بجدار أكثر سماكة بسبب عجزهم عن تحويل مُـمانعتهم النظرية إلى مقاومة فعلية على الأرض ضد واشنطن وتل أبيب، سواء عبر تحريك جبهة الجولان أو من خلال خوض المعارك المفتوحة على أرض الساحة اللبنانية.

هذا العجز المتبادل يُـسفر عن أمر بديهي، تفرضه الظروف البديهية على دمشق: "مكانك راوح".

لكن، إلى متى؟ سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل. قبل ذلك، فلنواصل البحث عن الأسباب الإقليمية والدولية لـ "توقف الساعة" السورية.

"المسألة الشرقية"

هنا قد نعثر أو نتعثّـر بتجربة تاريخية في القرن التاسع عشر إسمها "المسألة الشرقية"، بطل هذه المسألة، كما هو معروف، كان القوى الغربية الأوروبية، وضحيتها كانت الدولة العثمانية. لكن هذه الأخيرة، كانت "ضحية محظوظة".

فسبب اختلاف القوى الأوروبية على تقاسم تَـركة هذه الإمبراطورية الإسلامية الشاسعة، نجحت في البقاء على قيد الحياة لأكثر من 100 عام وكانت بالطبع مفارقة تاريخية كاملة: مخلوق يبقى على قيد الحياة، برغم وفاته السريرية، بسبب خناقات أهله على كيفية دفنه ثم وراثة تركته.

الأمر نفسه، يبدو صحيحاً في سوريا إلى درجة يُـمكن معها أن نُـطلق على الوضع فيها الآن تعبيراً مماثلاً: "المسألة السورية".

فأمريكا وإسرائيل والعديد من الدول العربية "المعتدلة" ترغب بشدّة بتغيير النظام السوري في إطار مُـجابهتها الإقليمية الشاملة مع النظام الإيراني، بيد أن خشية هذه القوى من فوضى سورية على النمط العراقي أو من وصول أطراف أصولية إسلامية إلى السلطة، تدفعها إلى التريّـث والتفكير عشر مرّات قبل الإقدام على أي خطوة التغيير الجذري في دمشق.

الولايات المتحدة، بعد غزو العراق العام 2003، وضعت نصب عينيها القفز إلى دمشق بعد بغداد، لكنها تراجعت عن هذا الهدف بعد سنة واحدة بسبب انفجار الوضع العراقي في وجهها، وإسرائيل كانت تُـراودها الأفكار الأمريكية نفسها، لكن "بعبع" الأخوان المسلمين" المُـتمدد من مصر إلى غزة، جعلها من أشد أنصار الحفاظ على عدوها اللّـدود في سوريا. وكذا الأمر بالنسبة للدول العربية "المعتدلة"، التي دفعتها العُـقدة العراقية الجديدة إلى غضّ الطرف عن الإهانات الشخصية، التي وجّـهها إليها النظام السوري، وحتى أيضاً عن غزله الخطر مع نظام الملالي في طهران.

والحصيلة؟ توقف الساعة السورية أيضاً على الصعيدين، الإقليمي والدولي. ولكن إلى متى؟
نعود الآن إلى السؤال: إلى متى ستبقى "المسألة السورية" مسألة شرقية معلقّة؟

مناظر عدة لمشهد واحد؟

الرئيس المصري حسني مبارك ألمح مؤخراً إلى أن ساعة الحسم ربما اقتربت حين حذّر في مقابلة مع مجلة "القوات المسلحة" المصرية من "دفع سوريا إلى الانهيار".

المحللون الذين توقّـفوا مَـلياً أمام هذا التصريح المفاجئ، طرحوا الأسئلة الآتية:

• هل أطلق الرئيس المصري هذا البيان المفاجئ لأنه يمتلك معلومات ما عن اتفاقات إقليمية - دولية ما لبدء العمل على تغيير النظام السوري؟

• وإذا ما كان يملك، لماذا عارض تغيير النظام طالما أنه وبقية حلفائه العرب يعتبرون هذا الأخير عقبة كأداء في وجه معركتهم الكبرى لإطاحة النفوذ الإيراني في المشرق العربي؟

• هل كان مبارك يحتجّ على صغر حصّـته في مثل هذا التغيير أم أنه كان يتحدث باسم حلفائه الانقلابيين، بهدف إخافة النظام السوري وحمله على الارتماء في الأحضان المصرية الدافئة؟

لا إجابات محددة. فالغموض الشديد هو سيد الموقف الآن في سوريا وحولها وفي بقية الشرق الأوسط، وحين تكون اليد العُـليا للغموض، تصبح المفاجآت الكبرى هي النتيجة الأكثر وضوحاً.

ولنوضح ما نقصد، نكتفي بالإشارة هنا إلى حدث غريب: فيما كان الرئيس مبارك يحذر من "انهيار سوريا"، كان الرئيس السوري بشار الأسد يحذّر من "وقوع لبنان في الهاوية"، وهذا ما فرض السؤال: ما هذا الذي يجري؟ ما معنى هذه "الخشيات" المتناقضة؟ كيف يمكن لرئيس عربي أن يحذّر من مُـصيبة سيقع فيها بلد عربي مجاور، فيما الآخرون يرون المصيبة في بلده هو؟ هل في الأمر سوء فرز للألوان السياسية أم أن الأوضاع تعقّـدت في المنطقة إلى درجة بات يشاهد فيها القادة العرب مناظر عدة للمشهد الواحد؟

الإجتهادات كثيرة

بعضها يقول إن هذه التناقضات ناجمة أصلاً عن تضارب جداول الأعمال وهكذا، وفي حين ترى مصر إلى الصورة العامة للصراع في المنطقة، فيتكشّـف لها مدى المخاطر المحيطة بـ "الإقليم الشمالي" السوري، تطل سوريا على الصراع بوصفه تنازعاً مصيرياً، وحتى وجودياً، على مستقبل لبنان أساساً.

البعض الآخر يرى في هذه الفوضى نظاماً ما: صراع على النفوذ بين جميع القوى الإقليمية، كل في نطاقه: سوريا في لبنان، مصر في سوريا، السعودية في لبنان وسوريا معاً والأردن في لبنان وسوريا والعراق إلخ...

ثم هناك أخيراً من يدفع عملية الإجتهادات إلى نهاياتها "التآمرية"، فيرى في كل تحذير من هاوية خطّـة، وفي كل خشية من إنهيار رغبة في حصص أكبر.

لن ننحاز لأي من هذه النظريات، فقط سنكتفي بالإشارة إلى أن تعدد التوقعات حول أماكن الكوارث والإنهيارات، يعني في الواقع أمرا واحداً: منطقة الشرق الأوسط كلها مُـلتهبة أو على الأقل قابلة للإشتعال، وهذا أمر سيكون متوقعاً أو بديهياً، إذا ما تذكّـرنا أمرين إثنين:

الأول، أن الحوار الضمني أو السري بين المحورين السوري - الإيراني والأمريكي - الإسرائيلي وصل (حتى الآن على الأقل) إلى طريق مسدود. فلا إيران أبدت استعدادا لابتلاع جزر الإغراءات الاقتصادية الأمريكية والغربية مقابل تخليها عن طموحاتها النووية، ولا أمريكا تبدي أي استعداد لمنح النظام السوري ضمانات لوجوده، ناهيك عن منحه دوراً متجدداً في لبنان.

والثاني، أنه حتى لو توصل المحوران إلى اتفاقات ما، فستكون هذه مؤقتة للغاية وهشة للغاية. لماذا؟ لأن ما يريده الطرفان من بعضهما الآخر غير قابل للحلول الوسط. ما تريده طهران ودمشق واضح: اعتراف واشنطن بدورهما الإقليمي وتقديم ضمانات لهما بعدم العمل على تغيير نظاميهما، وما تريده واشنطن أكثر وضوحاً: رفض هذين الطلبين، لأنهما يتناقضان مباشرة مع مشروعها الطموح لفرض السيطرة الكاملة والمباشرة على كل نفط الشرق الأوسط وأيضاً لدمج "الشرق الأوسط الكبير" في منظومتها الإستراتيجية العالمية العامة في قارة أوراسيا.

ولأن أهداف الطرفين على هذا النحو من التناقض والتباعد، خاصة حين نضيف إليها البعد النووي العسكري الإيراني، تبدو المجابهة بينهما خاضعة إلى حد بعيد لقانون لعبة المحصّـلة صفر، حيث الخسارة الصافية لطرف يجب أن تكون ربحاً صافياً للطرف الأخر.

والحصيلة؟ إنها واضحة: المعسكران يستعدان لجولات جديدة، سواء عبر "حروب الواسطة" ( proxy wars) أو حتى عبر مجابهات مباشرة. النقاط الساخنة في الجولات باتت جاهزة في لبنان وفلسطين، لكن احتمال تمدّدها إلى سوريا أساساً وارد في كل حين.

وحينها قد تتحرّك الساعة السورية مجدداً، حينها أيضاً سيقفز سؤال جديد إلى الساحة: هل ستتحرك عقارب هذه الساعة إلى الأمام أم إلى الخلف؟ تجربتا "المسألة الشرقية" العثمانية وحرب العراق، لا تشيران سوى إلى عقارب تتحرك إلى الوراء!

سعد محيو - بيروت

نظام إقليمي جديد يتشكل

الشبه كبير بين أوضاع المنطقة العربية هذه الأيام وبين الأيام الأولى لنهاية المنطقة العثمانية، وهو تشابه يخترق مجالات عدة في آن.

فعلى الصعيد الدولي، سقطت في أوائل القرن العشرين إمبراطوريات عظمى إثر حرب مدمّرة وحلت مكانها إمبراطوريات أخرى قديمة وجديدة. وفي أواخر هذا القرن، سقطت الإمبراطورية السوفييتية، وصعد نجم الإمبراطورية الأمريكية.

كما كان يحدث في كل التاريخ غداة التحولات الدرامية، أدت الانقلابات الدولية إلى انقلابات إقليمية. وهكذا، انتهى عصر النظام الإقليمي العثماني في الشرق الأوسط، وأقيم مكانه النظام الإقليمي البريطاني – الفرنسي، في إطار اتفاقيات سايكس – بيكو.

والآن، يجري التمهيد لإقامة نظام إقليمي جديد في المنطقة، متطابق مع مصالح وأهواء الإمبراطورية الأمريكية المهيمنة.

(من تقرير لسعد محيو، نُـشر على الموقع العربي لسويس انفو يوم 25 نوفمبر 2005)

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.