Navigation

مصر تطرق أبواب الإغتيال السياسي والعنف الأهلي

بعد مرور عامين على سقوط نظام مبارك، لا زالت القاهرة وعدد من المحافظات الداخلية مسرحا لاشتباكات متقطعة بين قوات الشرطة ومحتجين معظمهم من الشباب. Keystone

في جولة جديدة من أعمال العنف، ألقى محتجون في مصر زجاجات حارقة على قصر الرئاسة ورشقوه بالألعاب النارية والحجارة يوم الجمعة 8 فبراير 2013 وردت القوات التي تحرس القصر بطلقات تحذيرية من داخله واستخدمت خراطيم المياه وقنابل الغاز المسيل للدموع لإبعاد المتظاهرين، فيما شهدت عدة مدن مظاهرات واشتباكات بأنحاء البلاد أسفرت عن إصابة العشرات.

هذا المحتوى تم نشره يوم 11 فبراير 2013 - 10:14 يوليو,
د. حسن أبوطالب - القاهرة, swissinfo.ch

"مصر ليست تونس".. كانت العبارة الشهيرة التي أطلقها المسؤولون المصريون في 17 يناير 2011، ولم تمُـر سوى أيام معدودة، وإذا بالمصريين يقومون بثورتهم التي أطاحت بالرئيس مبارك بعد 18 يوما من الاعتصام المستمِـر في ميدان التحرير، في تكرار للمشهد التونسي الذي أطاحت بالرئيس بن على.

العبارة نفسها تكرّرت قبل يومين، ولكن على استحياء بعد اغتيال المعارض التونسي اليساري شكري بلعيد، إثر فتاوى مزعومة لرموز تونسية سلفِية تُـبيح قتل مَن يروْنهم معارضين للحُكم الإسلامي. والمفارقة، أن مصر أيضا شهِدت قبل ثلاثة أيام، فتوى قاطعة لأحد الشيوخ المثيرين للجدل وكثيري الظهور في القنوات الدينية، أباح فيها ما وصفه حُكم الشرْع، بقتْـل قادة جبهة الإنقاذ، التي تُـعد حجَر الزاوية في المعارضة السياسية للرئيس مرسي وحُكم الإخوان المسلمين، وذلك باعتبار أن هؤلاء القادة المعارضين، ينازعون الحاكم الشرعي.

أثارت الفتوى رُدود فِعل رافِضة ومُستنكرة عديدة، منها بيان رئاسة الجمهورية الذي رفض هذا النّهج واعتبره خروجا على التسامُح الذي دعت إليه جميع الأدْيان، وتُمثل انحِرافا خطيرا عن المسار السِّلمي للثورة المصرية العظيمة.

كما أدان حزب الحرية والعدالة الإخواني مثل هذه الفتاوى، التي لا تراعي حُـرمة النفس البشرية وتتصادَم مع صحيح الدِّين. وقام محامون بتقديم عرائِض قانونية للنائب العام للتحقيق مع صاحب الفتوى باعتباره يُحرِّض على القتل. والأهم أن الشرطة قرّرت وضْع حمايةٍ خاصة على رموز المعارضة، تَحسُّبا من خطر مُحتمل، إن لم يكن شِبه مؤكّد.

لا تأكيد بعدُ

المهم، أن الذين قالوا إن مصر ليست كتونس في هذه الحالة، ليسوا متأكِّدين تماما. فالانسِداد السياسي وصل إلى قمَّته، والاستقطاب المُجتمعي بين الإسلاميين والليبراليين على أشُـدِّه، وجموع المصريين تبدو في حَـيْرة مِن أمْـرها، خاصة وأن جبهة الإنقاذ ترفض دعوة المعارضة التي أطلقها الرئيس مرسي، نظرا لأنها دعوة غيْر مُكْـتملَـة الأركان وينقصها الكثير من العناصِر، التي تُـسهم في انجاحها. فهي بلا جدول محدّد، لا موضوعيا ولا زمنيا، فضلا عن أزمة الثقة الكبيرة بين التيار المدني عامة، والرئيس مرسي وجماعة الإخوان المسلمين تحديدا.

إلى جانب رفض الدخول في حوار مع الرئيس باعتباره مسؤولا عن الدِّماء التي سالت في عهده، تُـصر الجبهة على العمل بنفس الأساليب التي أدّت إلى إسقاط الرئيس مبارك، أي النزول في الشارع والتظاهر في الميادين، وهناك دعوة للاحتشاد في الميادين الرئيسية في المدن المختلفة يوم الجمعة 8 فبراير، والتي سُميت جمعة الكرامة، والإعلان عن الاعتصام في ميدان التحرير الشهير بقلب القاهرة، حتى يتم تحقيق المطالب التي تتوافق عليها جبهة الإنقاذ، وهي تغيير أو إسقاط الدستور، وتغيير الحكومة الرّاهنة التي يرأسها د. هشام قنديل وتشكيل حكومة إنقاذ وطني وإعادة النظر في قانون الانتخابات وتطهير الداخلية ومحاسبة المسؤولين فيها عن القتلى من المتظاهرين، الذين وقعوا في الأسبوعين الأخيرين، والدعوة إلى انتخابات رئاسية جديدة، لتتوافق مع الدستور الجديد.

الاحتمال الكبير

ومقارنة سريعة بيْن البيئة السياسية المحتقنة في تونس كما هي في مصر، يُصبح احتِمال الاغتِيالات السياسية فى مصر كبيرا، وهو ما ذهب إليه بيان التيار الشعبي بزعامة حمدين صباحى، حين أكّد أن الظروف السياسية التي أدّت إلى ظهور أول حالة اغتِيال سياسي في تونس، تتوافر بنفس القدْر في مصر، وتحديدا مع تشابُه نظام الحُكم في كِلا البلدين وفي ظلِّ أجواء الاحتقان السياسي والاستقطاب والفتاوى الدِّينية الخاطئة، التي تصدر على لسان بعض الجَهَـلة ومدّعي التديُّـن والتي تفتح الباب لاستِحلال دِماء المُخالفين على يَـد المتطرِّفين، مشيرا أيضا إلى أن واقعة اغتيال المعارض التونسي اليساري شكري بلعيد، هي بمثابة إنذار شديد الخطورة، لإمكانية دخول دول الربيع العربي في مسلسل الاغتِيالات السياسية للمعارضين.

التحذير من مغبَّـة حدوث اغتيالات سياسية في مصر، هو في الواقع بمثابة تحذير من وقوع البلاد في دوامة من العنف الأهلي، خاصة وأن تطوّرات الأسبوعين الماضيين، وتحديدا عشِية حلول الذكرى الثانية لجمعة الغضب، التي توافق 28 يناير 2013، قد شهِدت عُـنفا متنوِّع المصادِر والأهْـداف، وأدّى إلى إصابات وقتلى.

وفى السياق ذاته، وقبل جمعة الكرامة التي دعت إليها جبهة الإنقاذ، حذَّر حزب الحرية والعدالة من وُقوع جرحى وقتلى وأحداث عُـنف وتخريب ممتلكات عامة وخاصة في هذه المظاهرات. فيما شكّل التحذير جرَس إنذار بوُقوع مواجهات بين متظاهري جبهة الإنقاذ وبين المؤيِّدين للرئيس محمد مرسي. وإن حدثت هذه المواجهات، تكون مصر قد اقتربت أكثر من مواجهة مُجتمعية أوسع مساحة وأكثر بطْـشا.

مجموعات الملثمين

ولقد ساهمت حالة اليأس لدى جموع الشباب في الاندفاع نحو ممارسة السياسية بشكل خاص، عبْر تشكيل جماعات مُلثّـمة تطلِق على نفسها "البلاد بلوك"، وتعتبِـر نفسها حارسا للثورة والثوار، وأن مهمتها هي التصدّي لعنف الشرطة والإخوان وحماية المُتظاهرين الثوريين السِّلميين ومنع التحرشات البغيضة بالناشطات والمشاركات في المظاهرات المختلفة.

وبالرغم من أن لا أحد يعرِف تماما مَن هُـم أعضاء هذه المنظمة الجديدة، فإن ظهورهم وتحرّكاتهم أثناء التجمّعات والتظاهرات، يؤكِّـد أنهم على قدر من التدريب الجماعي على تحرّكات معيَّنة من الكَـرّ والفَـرّ الجماعي، لأداء مهمّات محدّدة أثناء التجمعات والتظاهرات، إذا تطوّر الأمر إلى مواجهة مع رجال الشرطة.

ووفقا لتقارير صحفية وتليفزيونية عديدة، فإن بعض أعضاء هذه الجماعة ينتمُون إلى منظمة 6 أبريل وتجمّعات التشجيع الرياضي "الألتراس" وآخرون ينتمون إلى جماعات تتبنّى الفِكر الاشتراكي الثوري ذي الطبيعة الفوضوية المُناهضة للدولة، وخاصة أجهِـزتها الأمنية. فضلا عن شبابٍ يبحثُ عن الإثارة باسم الثورة أو يجد في عدم الظهور سبيلا لحماية النفس من بطْـش السلطة. 

والقاسم المشترك بين هؤلاء جميعا أو لنَـقُـل الدافع المُشترك، هو الشعور باليأس من اتِّـباع الوسائل السلمية لمنع أخونة أجهزة الدولة أو الحصول على عوائد الثورة، سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، في ظل حُكم الإخوان والرئيس محمد مرسي.

أما على صعيد الحركة، فثمة قناعة بأن العنف هو الطريقة المُثلى لتحقيق الهدَف الأكبر، وهو إسقاط الرئيس محمد مرسي. وقناعة أخرى تتمثَّـل في أن الشرطة هي هدف مشروع للمواجهة، لأنها تحمي النظام والحاكِم ولا تحمي الشعب.

الإعلان عن هذه الجماعة ربّما أثلج صدْر بعضِ القِوى السياسية، التي تعتبِر أن كل صنوف المعارضة مشروعة، ما دامت موجّهة إلى الرئيس مرسي وجماعة الإخوان. لكنه بالقطع، يفتح بابا خطيرا لإشاعة العُنف في المجال السياسي، ويضفي شرعية مباشرة على الدعوات التي يطلقها بعض قادة التيار الإسلامي، بتشكيل رابطات لحماية الثورة والدّفاع عن الشرطة والجيش ومقاوَمة المعارضة السياسية. وإذا تقدّم الطرفان على النهج ذاته بتشكيل منظمات أو روابط تخصّص لممارسة العُنف ضد الآخر، تكون مصر قد خطَت خطوة كبيرة في طريق المواجهة الأهلية. ولعل هذا يفسِّر قرار النائب العام بحظْر هذه الجماعة المُسمّاة بـ "البلاك بلوك" والقبْض على أي عُضو فيها والتحقيق معه، لمعرفة الأبْعاد المُختلفة لهذه الجماعة، خاصة أفكارها وتمويلها.

الميل المجتمعي إلى العنف

هذا الميل إلى العُنف في المجال السياسي، بات يسبِّـب هاجِسا كبيرا لدى بُسطاء المصريين، والذين بدوْرهم يُعانون من ارتِفاع معدّلات الجريمة المُنظّمة والمسلّحة ووقوع ضحايا لأنواع جديدة من الجرائم التي لم تعرفها مصر من قبل، ويتساءلون فيما بينهم حول مدى القدرة على احتمال الانفلات الأمني، جنبا إلى جنب العودة مرة أخرى إلى التظاهرات والاعتصامات المتكرِّرة، فضلا عن قيام مجموعات مُلثمة وغير مُلثمة بأفعال تثير ضجر وحنق الكثير من المواطنين، مثل قطع خطوط المِترو في منتصف النهار وتعطيل بعض قطارات السكة الحديد لعدة ساعات ومنع المرور على بعض الجسور الحيوية في ساعات مختلفة من النهار.

لقد أصبح الايذاء المعنوي والمادي، سِمة غالبة في الحياة اليومية للمصريين، إلى الحدّ الذي يتحسّر فيه البعض على أيام الاستقرار النسبي، التي اتَّـسم بها عهد مبارك، وهي حسرة تساوي انتقادا شديدا للقائمين على شؤون الحُكم والمعارضة معا، وتسمح بالبحث عن مخارِج أخرى لاستعادة التوازُن الإنساني والاجتماعي، وهنا يكمُـن خطرُ كبير.

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.