هل "تنحسر" أوروبا عن الشرق الأوسط؟

المستشار الألماني غرهارد شرودر مستقبلا الرئيس الفرنسي جاك شيراك في اللقاء الذي جمع بينهما يوم السبت 4 جوان 2005 Keystone

هل كانت كوندوليزا رايس جادة حين قالت قبل أيام إن رفض الدستور الأوروبي في فرنسا وهولندا (ولاحقاً في بريطانيا) "لن يُـعيق جَـدول الأعمال المشترك الأمريكي – الأوروبي "في لبنان وفلسطين ومنطقة الخليج؟

هذا المحتوى تم نشره يوم 05 يونيو 2005 - 20:50 يوليو,

حتماً لا!

تُـدرك وزيرة الخارجية الأمركية أكثر من أي طرف آخر أن رفض الدستور من جانب الدول الرئيسية المؤسسة للاتحاد الأوروبي، أطلق "تسونامي تاريخياً" سيعصف بعُـنف بالبنية الداخلية نفسها للمشروع الأوروبي، مخلخلاً إلى حد بعيد الطموحات الخارجية الأوروبية، خاصة في الشرق الأوسط.

وعلى أي حال، هذا الإدراك الأمريكي عبّـر عن نفسه بوضوح في موجة إحتفالات الفرح التي اجتاحت أوساط المحافظين والمحافظين الجدد في الولايات المتحدة بعد انهيار هذا الدستور، الذي كان يُـفترض أن يؤسس لـ "سوبر دولة" أوروبية، لها رئيس واحد وجيش واحد وسياسة خارجية واحدة، ولأن يجيب بالتالي، على سؤال هنري كيسنجر الشهير: "حين أريد أن أتفاوض مع أوروبا، بمن يجب أن أتصل؟"

كتبت "كريستيان ساينس مونيتور" الليبرالية: "في أول اجتماع عقده مجلس الأمن القومي الأمريكي بكامل أعضائه فور ظهور نتائج الاستفتاء في فرنسا، كانت نشوة النصر واضحة، وأعضاء المجلس عبرّوا عن سعادتهم لبروز أوروبا ضعيفة لها نواة فرنسية – ألمانية هشة، ومركز جاذبيتها في شرق أوروبا بدل غربيها".

وكتبت "واشنطن تايمز" الناطقة باسم المحافظين الجدد: "الأوروبيون دقّـوا بأنفسهم مسمار نعش الولايات المتحدة الأوروبية، التي كان يُـفترض أن تنافس الولايات المتحدة الأمريكية على الزعامة. في وسع واشنطن الآن تنفّس الصعداء".

تنفّس الصعداء هو بالتحديد ما فعلته أمريكا. فالدولار بدأ يستيعد بسرعة مواقعه التي خسرها أمام اليورو طيلة السنوات الثلاث الماضية، وأصحاب القرار السياسيون والاقتصاديون الأمريكيون كانوا أكثر من سعداء، وهم يُـعلنون أن تراجع المشروع السياسي الأوروبي سيسمح للقوة الاقتصادية الأمريكية بمواصلة قطف ثمار الزعامة السياسية للعالم، والتي تتمثل أساساً في تدفق الاستثمارات، وبقاء الدولار كمرجعية عالمية، وتمويل العجوزات الامريكية الضخمة بأموال العالم.

الانحسار

عودة إلى الشرق الأوسط. كيف ستؤثر هذه الانتكاسة الأوروبية الكبرى على السياسات الأوروبية في هذه المنطقة الشاسعة الممتدة من جبال باكستان وآسيا الوسطى إلى شواطئ بحر العرب، مروراً بالهلال الخصيب؟

يمكن استقراء هذه التأثيرات على النحو الآتي:

1 - محادثات العضوية بين تركيا والاتحاد الأوروبي ستسير، كما هو مقرر في أكتوبر المقبل، لكنها ستصبح أكثر صعوبة بما لا يقاس، خاصة بعد أن كشف الاستفتاءان، الفرنسي والهولندي، على أن عضوية 100 مليون مسلم تركي في النادي المسيحي الأوروبي كان أحد الأسباب الرئيسة التي دفعت الناخبين في كلا الدولتين لرفض الدستور الاتحادي. وبالطبع، سيؤدي هذا التطور إلى ردود فعل عنيفة للغاية في تركيا وباقي انحاء العالم الإسلامي، اللذين سيشعران حينها بأن حليمة الأوروبية عادت إلى عادتها القديمة، القائمة على بناء هويتها الحضارية على رفاة الهوية الإسلامية.

2 - ثمة احتمال كبير بأن يُـسفر التفكك الأوروبي عن انهيار الممانعة التي كانت تُـبديها أوروبا ضد المحاولات الأمريكية لحسم الأمور مع إيران النووية بالقوة، وهذا ما قد يدفع هذه الأخيرة إلى استباق الأمور والإعلان عن انضمامها إلى النادي الذري. وكما مع تركيا، سيُـطلق رد الفعل الإيراني تسونامي من نوع آخر في الشرق الأوسط، سيتمثل من جهة، في تصاعد أحاديث الحرب الوقائية من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، وفي تدشين سباق تسلح جديد وخطر في المنطقة، من جهة أخرى.

3- يُـنتظر أن يشهد النفوذ السياسي الأوروبي الموحّـد في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي انحسارا ملحوظاً، برغم استمرار واقع أن أوروبا هي الشريك التجاري الأول لإسرائيل، مما سيخفّـف إلى حد بعيد الضغوط على إسرائيل لدفعها إلى إبداء الليونة مع الفلسطينيين.

4- وأخيرا ، ستكون ثمة تساؤلات كبيرة حول مصير "الوفاق الودي" الفرنسي (والأوروبي) الأمريكي الذي أبرمه الرئيسان شيراك وبوش الصيف الماضي، والذي يتضمن، إضافة إلى إخراج القوات السورية من لبنان، كوندومينيوم (حكم مشترك) بين الطرفين لبلاد الأرز.

كان وليد جنبلاط، الزعيم اللبناني المعارض واضحاً قبل يومين، حين توقع صراحة تضعضع النفوذ الفرنسي في لبنان، وقال (في تلفزيون المستقبل): "فرنسا لن تكون بعد الاستفتاء ما كانت عليه قبله. فشعبية الرئيس شيراك، صاحب المشروع اللبناني، في الحضيض، وطاقم وزارة الخارجية المشرف على هذا المشروع خرج من الحكومة الجديدة. أتوقع انحسارا واضحاً في قدرة فرنسا على التأثير على الأحداث اللبنانية".

لا مبالغات

هل ثمة مبالغات ما في مثل هذه التقديرات؟ أليس من المحتمل أن تحاول فرنسا تعويض نكستها الكبيرة في الداخل الأوروبي بإنجازات في الخارج الشرق أوسطي؟

كاد الأمر أن يكون على هذا النحو، لو أن بلاد الغال ورئيسها لا يمران بأزمة طاحنة على كل المستويات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما في ذلك أزمة الهوية الخطيرة. فشعبية شيراك وصلت إلى درك العشرين بالمائة، والبطالة قفزت إلى ما فوق العشرة بالمائة، والخوف هو سيد الموقف الأن في فرنسا.

الخوف من ماذا؟ .. من كل شيء تقريباً: من المجهول، من العمال الأجانب، من التغيير، من "السمكري البولندي" الذي يريد خطف لُـقمة عيش السمكري الفرنسي، من فقدان فرنسا لمقعدها في قمرة قيادة المشروع الأوروبي بعد توسيعه، من دخول 100 مليون مسلم تركي إلى القلعة الأوروبية، من العولمة "النيوليبرالية" على الطراز الأنغلوساكسوني وهلم جرا.

وبالطبع، الخوف مستشار سيء وسيدفع فرنسا إلى الانكفاء إلى الداخل فتجر أوروبا معها إلى تلك القوقعة، وتطلق بذلك يد الولايات المتحدة (وإسرائيل) كلياً في الشرق الأوسط.

هل كانت كوندوليزا رايس تتوقع هذه النتيجة حين أرفقت بيانها حول إستمرار الشراكة مع أوروبا بملاحظة ساخرة عن "ضرورة تطلع أوروبا إلى الخارج"، برغم الأزمة الدستورية الراهنة؟ الأرجح أن الأمر كذلك.

سعد محيو - بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة