قضية رياض سلامة: دور مشبوه لوحدة مصرفية خاصة في سويسرا
في فبراير 2013، رفع مسؤول امتثال في مصرف "إتش إس بي سي" شكوكه إلى فريق التحقيقات في الجرائم المالية. وجاء ذلك بعد رصده مبالغ ضخمة تمرّ عبر حساب في ذراعه للخدمات المصرفية الخاصّة في سويسرا. وسترتبط هذه القضية لاحقًا برياض سلامة.
كان الحساب مفتوحًا باسم شركة “فوري أسوشيتس” (Forry Associates). وكانت الشركة خاضعة لسيطرة رجا سلامة، شقيق حاكم مصرف لبنان آنذاك. وعبر الحساب، تدفّق أكثر من 100 مليون دولار أمريكي. ولم تكن هناك معلومات كافية عن الغرض من المعاملات. لذلك، اعتبر مسؤول الامتثال النشاط مثيرًا للريبة.
وبحسب أشخاص مطّلعين على تحقيق قضائي فرنسي، أجرى فريق التحقيقات في الجرائم المالية لدى بنك HSBC مراجعة أولية. ثم أحال الملفّ إلى الإدارة العليا المسؤولة عن تقييم العملاء المصنّفين كشخصيات معرّضة سياسيًا. ومع ذلك، قرّرت هذه الإدارة الإبقاء على العلاقة مع “فوري أسوشيتس”.
وقد وضع القرارُ أكبرَ بنك في أوروبا في قلب فضيحة غسل أموال واسعة. وترتبط القضية باتهامات باختلاس مئات ملايين الدولارات من مصرف لبنان المركزي. ويُشتبه في تورّط حاكمه السابق، رياض سلامة، وشركائه فيها.
ففي 2026، أكَّدت النيابة المالية الفرنسية توجيه اتهامات أوّلية إلى وحدة خدمات الأفراد في سويسرا، التابعة لبنك HSBC. وجاء ذلك على خلفية مزاعم بمساعدتها رياض سلامة على اختلاس أموال. ولاحقًا، سيبتُّ القضاء في إحالة القضية إلى المحكمة أو إسقاط التهم.
المزيد
تحقيق فرنسي يطال مصرف “إتش إس بي سي” في قضية “الأموال المنهوبة” في لبنان
وبين عامي 2002 و2015، يقول فريق التحقيق، حوِّلت 330 مليون دولار أمريكي من مصرف لبنان إلى “فوري أسوشيتس”. كما تتبّع 174 معاملة مالية من الشركة إلى حساب رجا سلامة الشخصي لدى بنك HSBC، بين عامي 2009 و2016. وبلغت قيمتها الإجمالية 204 ملايين دولار، بحسب وثائق قانونية وأشخاص مطّلعين على التحقيق.
أمَّا رياض سلامة، فيزعم منذ فترة طويلة أن “لا علاقة له” بشركة “فوري أسوشيتس”. وفي المقابل، تقول جهات تحقيق لبنانية وفرنسية، أدّت الشركة دورًا محوريًا في مخطّط مزعوم لتحويل أموال عامة، كان رياض سلامة وأفراد من عائلته المستفيدين النهائيين منه.
وتستند القضية المرفوعة ضدّ بنك HSBC إلى أدلّة جمعتها السلطات السويسرية، التي تحقق أيضًا مع الوحدة السويسرية للبنك في شبهات غسل أموال في ظروف مشدّدة، ضمن تحقيق أوسع مستمر منذ سنوات بشأن الأخوين سلامة.
وكانت هيئة الرقابة على الأسواق المالية السويسرية، “فينما”، قد خلصت في وقت سابق إلى إخلال وحدة البنك في سويسرا، إخلالًا جسيمًا، بمتطلّبات مكافحة غسل الأموال، في تعاملها مع عملاء من لبنان. كما انتقدت الهيئة، في قرار عام 2024، تأخّر البنك في إبلاغ السلطات المختصّة بشكوكه، رغم تزايد المؤشّرات التحذيرية.
وشكّلت الفترة الخاضعة للتدقيق، بين عامي 2001 و2016، انتكاسة مؤلمة لبنك HSBC. فعامَ 2012، دفع البنك غرامة قياسية آنذاك بلغت 1،9 مليار دولار أمريكي، للتوصّل إلى تسوية بشأن مزاعم في الولايات المتحدة بإتاحة غسل الأموال، عبر حسابات فيه، لعصابات مخدّرات مكسيكية، وجهات مموّلة للإرهاب. كما كشفت جهات تحقيق أمريكية أيضًا تجاهل البنك تحذيرات داخلية بشأن تدفّق الأموال.
وفي العام الماضي، حذّر بنك HSBC من إمكانيّة ترك التحقيقات أثرًا “كبيرًا” في المجموعة. ومنذ ذلك الحين، أنهى البنك علاقاته مع أكثر من 1،000 عميل من الأثرياء في الشرق الأوسط، في دول منها السعودية، ولبنان. ورفضت المجموعة المصرفية التعليق على هذا الخبر.
شركة صورية مسجلة في جزر فيرجن البريطانية
بدأت علاقة بنك HSBC بالأخوين سلامة قبل نهاية الألفية، عند استحواذه على بنك “ريبابليك ناشيونال أوف نيويورك”. وضمن الصفقة، انتقل المصرفي صبحي طبارة، الصديق القديم للأخوين رجا ورياض سلامة، إلى المصرف أيضًا بعد إمضائه أكثر من عشر سنوات في «ريبابليك ناشيونال أوف نيويورك». وفي مراسلات داخلية، وصف طبارة رجا سلامة بشخص «يعرفه جيدًا منذ أكثر من 20 عامًا».
وعام 2023، أفادت مصادر مطّلعة على التحقيقات لصحيفة فايننشال تايمز بعودة معرفة الرجلين إلى فترة إدارة رجا سلامة مكتب بنك «ريبابليك ناشيونال أوف نيويورك» في بيروت.
وبعد وقت قصير من تأسيس «فوري أسوشيتس» عام 2001، فتح بنك HSBC حسابًا باسم الشركة، وهي شركة صورية مسجّلة في جزر فيرجن البريطانية، بإدارة فوري اسوشيتس. فتولتها شركة “موساك فونسيكا” للمحاماة، ومالكها المستفيد رجا سلامة، ووجدت نفسها لاحقًا في قلب فضيحة “وثائق بنما”.
وكان الغرض من إنشاء الحساب استقبال الأموال المحوّلة من مصرف لبنان بموجب عقد أُبرم عام 2002 مع شركة «فوري أسوشيتس». وكانت الشركة تتلقّى عمولات تُدفع إلى رجا سلامة لقاء عمله وسيطًا للمصرف المركزي. ولكن بحسب وثائق قانونيّة وأشخاص مطّلعين على التحقيق، لم يكن مصرف «إتش إس بي سي» يملك نسخة منه عند فتح الحساب.
وتظهر سجلّات البنك الداخلية تقديم طبارة تطمينات بشأن الحساب المرتبط برجا سلامة، مؤكدًا ممارسة شركة “فوري أسوشيتس” نشاطًا تجاريًا مشروعًا. ولكن لم تعثر جهات تحقيق أوروبية، فاتحة تحقيقٍ في الشركة ضمن أحد التحقيقات الجارية بشأن الأخوين سلامة، على أدلّة تثبت أنّه كان لدى “فوري أسوشيتس” موظفون أو عملاء، أو ممارستها أيّ نشاط يتجاوز تلقّي الأموال من مصرف لبنان.
وفي عام 2006، وقبل نحو عشر سنوات من إنهاء البنك علاقاته بالأخوين سلامة، أطلق برنامج رصد الامتثال في بنك HSBC عدّة تحذيرات بشأن شركة “فوري أسوشيتس”.
المزيد
محكمة سويسرية ترفض الإفراج عن جزء من أموال حاكم البنك المركزي اللبناني
وفي عام 2007، سعى البنك إلى الحصول على أدلّة تبرّر التحويلات من مصرف لبنان إلى حساب “فوري أسوشيتس”. وكان من المفترض سفر طبارة إلى بيروت للحصول على قرارات صادرة عن المجلس المركزي في المصرف، يُفترض إثباتها تحويل الرسوم والعمولات، إلى حساب الشركة.
ولم يتّضح ما إذا كان طبارة قد سافر فعلًا إلى بيروت، أو ما إذا كان البنك قد تلقّى أي وثائق. لكن في عام 2009، تلقّى بنك HSBC رسالة عبر نظام “سويفت” من مصرف لبنان، تفيد تطابق الأرقام المرجعية الواردة في دفعات العمولات إلى “فوري أسوشيتس” مع قرارات صادرة عن المجلس المركزي للمصرف.
وقال طبارة إنّه تابع المسألة مع أحد مسؤولي الامتثال في مصرف لبنان، فأكّد له هذا الأخير أن “فوري أسوشيتس” كانت من الشركات الوسيطة لدى المصرف، وعلم مجلس إدارة المصرف المركزي بالعقد والمعاملات ذات الصلة. لكن لاحقًا، طعن المحققون في هذا الادّعاء الأخير.
وللإبقاء على علاقته المصرفيّة مع رجا سلامة، اعتمد بنك HSBC إلى حدّ كبير على المراسلات الجارية عبر شبكة «سويفت» العالمية الآمنة، المستخدَمة من آلاف المؤسّسات المالية.
وفي 2009، قال طبارة لمسؤولي الامتثال ومسؤولاته، وفقًا لمذكّرة داخلية: ”من الواضح أنّ هذه الهيئة (مجلس الإدارة) على دراية كاملة بالعمولة التي تتقاضاها شركة “فوري أسوشيتس”. ولا أرى ضرورة لطلب مزيد التفاصيل، بعدما زوّدنا المصرف، مشكورًا، برسالة سويفت موثّقة. وأنا مقتنع تمامًا بالشرح المقدّم».
وبحلول 2011، كان قد مرّ أكثر من 100 مليون دولار أمريكي عبر حساب “فوري أسوشيتس”، وفقًا للجهات التنظيمية السويسرية.
آنذاك، كان طبارة يرأس الخدمات المصرفية الخاصّة في منطقة الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، وظلّ في هذا المنصب أكثر من عقد، إلى مغادرته البنك في يناير 2024. ولم يردّ طبارة على طلبات التعليق.
‘قناة لتحويل الأموال’
وفي صيف عام 2015، أي بعد نحو أربعة عشر عامًا من فتح بنك HSBC حساب «فوري أسوشيتس»، تلقّى المصرف أخيرًا نسخة من العقد المبرم بين الشركة ومصرف لبنان.
لكن بحسب أشخاص مطّلعين على التحقيق، تبيّن وجود اختلافات بين نسخة رجا سلامة المقدَّمة إلى البنك، والعقد الأصلي المبرم مع مصرف لبنان عام 2002. فكانت النسخة المقدَّمة إلى البنك عام 2015 تحمل توقيع رجا سلامة وحده. أمّا العقد الأصلي فحمل توقيع رياض سلامة، وشخص آخر.
ولذلك، طلبت وحدة الاستخبارات المالية في البنك فتح تحقيق جديد. وكانت قيمة التحويلات المارّة عبر الحساب قد بلغت نحو 300 مليون دولار أمريكي.
وخلال تتبّع مسار التحويلات، وجدت الوحدة إرسال الجزء الأكبر من الأموال من حساب “فوري أسوشيتس” إلى حسابات رجا سلامة الشخصيّة في بنك HSBC، قبل إعادة توجيهه إلى حساباته المصرفية في لبنان.
وفي تقييم داخلي، خلصت وحدة الاستخبارات المالية إلى استخدام الحسابات الشخصية “على الأرجح” قناةً لتمرير الأموال. و“على الأرجح”، كانت الغاية منها إخفاء مصدر الأموال المعنية.
وفي مطلع عام 2016، قرّر البنك إنهاء جميع العلاقات المرتبطة برجا سلامة. وبحسب أشخاص مطّلعين على التحقيق، شدّد على عدم ارتباط القرار بمخاوف تتعلّق بغسل الأموال، بل باعتبارات “شهية المخاطر”.
وعام 2019، بدأت الدائرة تضيق حول رياض سلامة. فقبل ذلك بسنوات، كان حاكم مصرف لبنان قد اعتمد “الهندسات المالية”، حسب وصفه، لإبقاء اقتصاد البلاد قائمًا. وقدّم للمصارف التجارية معدلات فائدة تصل إلى 12%، بهدف زيادة ودائعها بالدولار لدى مصرف لبنان، في مسعى إلى دعم احتياطاته من العملات الأجنبية. وبدورها، قدّمت المصارف أسعار فوائد مرتفعة لعملائها على الودائع متعدّدة السنوات.
المزيد
لبنان يتهم رياض سلامة بجرم “اختلاس” أموال من المصرف المركزي (مصدر قضائي)
وبحلول عام 2019، كان أكثر من ثلثي الودائع المصرفية مستثمَر لدى الدولة أو مصرف لبنان. وكانت مدفوعات خدمة الدين العام تشكّل سنويًا أكثر من ثلث النفقات الحكومية، في نموذج وُصف بأنه “مخطط احتيالي برعاية الدولة”.
وفي لبنان، يواجه رياض سلامة اتهامات باختلاس 44 مليون دولار أمريكي، ويخضع لتحقيقات جنائية في عدّة دول أوروبية بشبهة تحويل مئات ملايين الدولارات من المصرف المركزي.
وينفي سلامة جميع مزاعم سوء السلوك. وقال محاموه ومحامياته: “لا تنسجم الشبهات المتعلّقة باختلاس رياض سلامة أموالًا مع أسلوب حياته، ولا مع الوقائع المالية للقضية. فقد كوّن ثروته قبل توليه منصب حاكم مصرف لبنان”. ولم يعلّق فريق الدفاع على الدور المزعوم لبنك HSBC، لأن وجود مذكرة توقيف دولية يحول دون الاطّلاع على ملفّ القضية.
وفي عام 2020، بعد أربع سنوات على قطع البنك علاقاته بالأخوين سلامة، وشركة «فوري أسوشيتس»، وبينما كان الاقتصاد اللبناني ينهار، قدّم البنك بلاغًا إلى المكتب السويسري المختصّ بتلقّي بلاغات غسل الأموال. لكن جاء البلاغ متأخّرًا جدًّا، في اعتبار السلطات السويسرية.
حقوق الطبع والنشر محفوظة لشركة فايننشال تايمز المحدودة 2026.
ترجمة: ناتالي سعادة
مراجعة: ريم حسونة
التدقيق اللغوي: لمياء الواد
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.