لماذا تُعدّ سويسرا جنّةُ السباحة في أنهار المدن؟
في أيام الصيف الحارة، تتحول أنهار الآر والراين والليمات إلى مسابح مفتوحة، حيث يترك آلاف الأشخاص تيار المياه يحملهم عبر المدن السويسرية.
وما يبدو مشهدًا اعتياديًا بالنسبة إلى السكان المحليين والمحليات، يُنظر إليه في الخارج بوصفه ظاهرة فريدة. وتمتد جذور ثقافة السباحة في الأنهار الحضرية في سويسرا إلى قرون، لتغدو اليوم نموذجًا تستلهمه مدن عديدة حول العالم.
قبل سنوات، أشادت شبكة ”سي إن إن“ الأمريكية بنهر الآر، واصفةً إياه بأنه ”ربما يكون أفضل نهر في العالم للسباحة؛ إذ يلتفّ في قوس واسع حول قلب العاصمة السويسرية، متدفقًا من جبال الألب “. وتتكرر بانتظام إشادات مماثلة بالنهر، فضلًا عن نشر صور خلابة له على وسائل التواصل الاجتماعي.
المزيد
نهر “آر”: هبةُ برن وقِبلة عشّاق السباحة
وتحظى السباحة فيه بمكانة خاصة لدى سكان برن. فقد يختلفون في الآراء بشأن أمور كثيرة، كالسياسة وأداء نادي ”يونغ بويز“ المحلي لكرة القدم، أو قواعد الدخول إلى القسم المخصّص للنساء في مسبح ”مارزيلي“ الشهير. لكنهم يكادون يجمعون على أمر واحد؛ لا شيء يضاهي السباحة في الآر خلال الصيف.
لكن يتطلّب الحفاظ على هذه الثقافة استثمارات لا يُستهان بها. فمن المتوقع وصول تكلفة ترميم مسبح صغير على ضفافه في حي لورين، إلى 22 مليون فرنك سويسري، وهو مشروع حظي بموافقة واسعة من السكان. لكن يتعلّق الأمر الوحيد المثير للجدل، بإغلاق المسبح طوال صيف 2028 بسبب أعمال الترميم المقررة بين خريف 2027 وربيع 2029.
حين كانت الأنهار أماكن للاستحمام
وفي سويسرا، يعود تاريخ المسابح على ضفاف الأنهار إلى أوائل القرن التاسع عشر، عندما كانت شقق عديدة في المدن تفتقر إلى الحمّامات، والمياه الجارية. فكان الناس ينزلون إلى الأنهار في المقام الأول، من أجل الاستحمام. ومن هنا، ظهرت منشآت عُرفت باسم ”الحمامات الصندوقية“ (Kastenbäder)، وهي هياكل خشبية مقامة على ركائز تتدفق مياه النهر عبر أحواضها.
ومنذ نهاية القرن التاسع عشر، ومع زيادة الاهتمام بالسباحة كنوع من الأنشطة الصحية، أنشئت مسابح عديدة على ضفاف الأنهار. وحتى الآن، ما زالت بعض هذه المرافق تشكل جزءًا من المشهد الحضري في المدن، مثل مسبح “لورين” في برن، ومسبح “شفابيس” في تون، ومسبح “أونتر ليتن” في زيورخ.
المزيد
موجة الحرارة الشديدة تدفع السويسريين نحو نقاط المياه
التحوّل بدأ في الستينات
لكن أدّى التوسع الصناعي إلى تدهور جودة المياه في أنهار عديدة. وبحلول منتصف القرن العشرين، أصبحت العديد منها ملوّثة، ولم تعد صالحة للسباحة.
ولم يبدأ التحوّل إلا في الستينات والسبعينات، مع إنشاء محطات حديثة لمعالجة مياه الصرف وتشديد قوانين حماية المسطحات المائية. وأسهمت حوادث كبرى، مثل كارثة شفايتزرهال الكيميائية عام 1986، في تعزيز الإرادة السياسية لمعالجة التلوث بشكل منهجي.
سويسرا نموذجًا يُحتذى به
سويسرا نموذجًا يُحتذى به
وفي المقابل، سارت الأمور على نحو مختلف في بقية أوروبا؛ إذ اختفت السباحة في الأنهار من المشهد الحضري في معظم المدن، قبل عودتها تدريجيًا في السنوات الأخيرة. ففي باريس، أُعيد فتح أجزاء من نهر السين للسباحة بعد حظر دام قرنًا، كما أُنشئت مسابح جديدة على ضفافه.
وفي ميونيخ، تحسنت جودة مياه نهر إيزار بفضل مشاريع إعادة التأهيل البيئي، بينما تحوّل «الدانوب الجديد» في فيينا إلى وجهة صيفية بارزة.
تحالف دولي
يضم ”تحالف المدن الصالحة للسباحةرابط خارجي“، شبكة دولية تشهد نموًا سريعًا، أكثر من 120 مدينة في نحو 40 دولة. ويجمع هذا التحالف بين متخصصين ومتخصّصات في مجالات تخطيط المدن، وحماية الموارد المائية، والصحة العامة، والمجتمع المدني.
وتعمل هذه الشبكة الدولية على تحويل المسطحات المائية الحضرية الملوثة أو صعبة الوصول إليها، إلى أماكن صالحة للسباحة مجددًا. وتُعتبر سويسرا نموذجًا يُحتذى به بفضل أنهارها النظيفة، وبنيتها التحتية الجيدة، وثقافة السباحة المتجذرة فيها منذ عقود. وغالبًا ما تُذكر بازل، وبرن، وزيورخ، بوصفها مدنًا رائدة في هذا المجال.
ومن المقرر استضافة بازل المنتدى الأوروبي المقبل للتحالف يومي 11 و12 أغسطسرابط خارجي. وقبل انطلاقه، سيخوض المشاركون والمشاركات تجربة السباحة في نهر الراين، تاركين تياره يحملهم، ليختبروا بأنفسهم ثقافة السباحة في الأنهار السويسرية.
ترجمة: أحمد محمد
مراجعة: عبد الحفيظ العبدلي
التدقيق اللغوي: لمياء الواد
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.