
بعد سيول 2005… سويسرا تطوّر نموذجًا فريدًا للتأمين ضد الكوارث

يتميَّز نظام التأمين السويسري ضد الكوارث الطبيعية بميزات فريدة على مستوى العالم. وبعد عقدين على "فيضانات القرن" المدمّرة، قد يصبح النهج السويسري مصدر إلهام لدول أخرى، تواجه كوارث طبيعية تتكرر بوتيرة متزايدة.
“شقّ نهر الآر طريقه داخل الأزقة الضيقة، وغمرت المياه العديد من المنازل، وبلغ مستوى المياه الطابق الأول من المباني”. بهذه الكلمات، بدأ مراسل سويس إنفو (Swissinfo.ch) تقريره من مركز برن التاريخي. فقد غمرت المياه حيّ “ماتة” بكامله، بعد انهمار أمطار غزيرة على وسط سويسرا وشرقها، في 21 و22 أغسطس 2005.
وكانت فيضانات عام 2005 من أسوأ الكوارث الطبيعية في تاريخ سويسرا الحديث؛ إذ أودت بحياة ستة أشخاص، وتسببت في خسائر مادية قاربت ثلاثة مليارات فرنك، لتصبح أكبر تعويض تأميني في البلاد منذ 1970.
وبعد عقدين، تم تعزيز ضفاف نهر الآر جزئيًا، واستعاد حيّ “ماتة” سحره السابق. وقد غطّى نظام التأمين السويسري ضد الكوارث الطبيعية معظم تكاليف إصلاح الممتلكات الخاصة؛ إذ دفع هذا النظام الفريد من نوعه 2،3 مليار فرنك.
جوهر الموضوع:
* تغيّر المناخ يعقّد مهمة شركات التأمين
* خصوصية نظام التأمين في سويسرا
* دروس من التجربة السويسرية إلى بلدان أخرى
ورغم التعزيزات، يبقى خطر الفيضانات قائمًا في برن، ومدن سويسرية أخرى. فبسبب تغيّر المناخ، تزداد وتيرة الظواهر المتطرفة وحدّتها، كالفيضانات، والانهيارات الأرضية، والبَرَد، وحرائق الغابات؛ ما يزيد من كلفتها أيضًا.
>> بسبب تزايد مخاطر السيول، تعتمد المدن السويسرية أساليب مبتكرة للتخفيف من آثارها المدمّرة:

المزيد
تغيّر المناخ… فيضانات المدن تصبح أولوية في سويسرا
تغيّر المناخ يرفع كلفة التأمين
ففي النصف الأول من عام 2025، بلغت الخسائر العالمية المغطاة بالتأمين، الناجمة عن الكوارث الطبيعية، 80 مليار دولار. ويعادل هذا الرقم نحو ضعف متوسط الفترة نفسها خلال السنوات العشر الماضية، وفقًا لتقديرات الشركة السويسرية لإعادة التأمين (Swiss Re).

ويقولرابط خارجي ستيفانو تشيولوتّو، الباحث في المركز الأوروبي المتوسطي لتغيّر المناخ: “إن تغيّر المناخ يجعل من الصعب تأمين المخاطر المرتبطة بالظواهر المتطرفة؛ إذ تصبح أكثر ضررًا، وأكثر تكرارًا، وأكثر تقلبًا”.
وتلجأ بعض شركات التأمين إلى رفع الأقساط، أو الحدّ من نطاق التغطية، أو الامتناع عن تجديد بوليصات التأمين في المناطق شديدة الخطورة. ففي الولايات المتحدة، مثلًا، ارتفعت أقساط التأمين على المنازل بنحو رابط خارجي34% بين عامي 2018 و2023.رابط خارجي وفي كاليفورنيا، ترفض شركات خاصة إصدار بوالص تأمين جديدة في المناطق المعرضة لمخاطر عالية من حرائق الغابات.
أما نظام التأمين السويسري ضد الكوارث الطبيعية، فيتكفَّل حتى بأشدّ الأحداث تدميرًا، كما كان الحال مع الانهيار الأرضي الذي طمر قرية بلاتن في أواخر مايو، في كانتون فاليه. وتبقى جميع المناطق في سويسرا قابلة للتأمين، حتى تلك المعرضة لنسبة مرتفعة من مخاطر الفيضانات، أو الانهيارات الأرضية أو الثلجية، وفق ما يؤكده فريق خبراء التأمين وخبيراته، الذي أجرت معه قناة الإذاعة والتلفزيون السويسرية الناطقة بالفرنسيةرابط خارجي مقابلات مؤخرًا.
وتؤدي شركات التأمين دورًا استباقيًا في الوقاية من الأضرار؛ ما يسهم في الحد من التكاليف الناجمة عن الكوارث الطبيعية.
وبفضل هذه الخصائص، يبقى النظام السويسري نموذجًا فريدًا على مستوى العالم، وقد يكون مصدر إلهام لدول أخرى.
التأمين السويسري يقوم على التضامن: أقساط موحدة للجميع
يتميّز النظام السويسري بمبدأ التضامن المزدوج، إذ يتقاسم جميع الأشخاص المؤمن عليهم، وجميع شركات التأمين المخاطر.
وفي معظم الكانتونات، يقضي القانون بحصول ملَّاك المنازل على تأمين من مؤسسة كانتونية. وتؤمّن هذه الهيئات العامة المباني ضد الحرائق، والأضرار الناتجة عن الظواهر الطبيعية. وتتحدَّد الأقساط بموجب القانون، ووفقًا لقيمة العقار. أمَّا موقع العقار، فلا يؤثر في قيمة القسط، حتى لو كان في منطقة معرضة للخطر، مثل قرب مجاري المياه المهددة بالفيضانات.
ويغطي التأمين الإلزامي مجموعة واسعة من الظواهر الطبيعية، بما في ذلك الفيضانات، والعواصف، والبَرَد، لكنه لا يشمل الأضرار الناجمة عن الزلازل.
وتكون التغطية مرتفعة أيضًا في الكانتونات التي لا يوجد فيها إلزام بالتأمين، مثل كانتون فاليه، حيث تدير الشركات الخاصة سوق التأمين. وفي هذه الحالة أيضًا، يدفع جميع الملَّاك نفس القسط المحدَّد من هيئة الرقابة على الأسواق المالية السويسرية (FINMA). واليوم، يتمتع أكثر من 95% من العقارات في سويسرا، بتغطية ضد الكوارث الطبيعية.
وتكتسي هذه التغطية أهميةً خاصة في سويسرا؛ إذ إن أكثر من نصف المباني فيها معرّضة لخطر الفيضانات، كما أن سكانها أكثر عرضة للمخاطر من باقي السكَّان في أوروبا.
التضامن بين شركات التأمين
تغطي المؤسسات العامة الخسائر المادّية في الكانتونات الملزِمة بالتأمين. أما في الكانتونات المعتمِدة على التأمين الخاص، فتتشارك شركات التأمين التكاليف. وهكذا، يوفّر النظام السويسري الفعّال مستوى إضافيًا من التضامن.
وتشارك اثنتا عشرة شركة تأمين، تغطي أكثر من 90% من المخاطر الطبيعية في المناطق ذات التغطية الخاصة، في صندوق المخاطر الطبيعية (DNرابط خارجي) المشترك، الذي أنشأته رابطة شركات التأمين السويسرية (ASA). وقد تأسس هذا التجمع الطوعي عام 1936، بهدف تحسين التنويع، والحدّ من حجم التعرّض للمخاطر.
وبعد وقوع كارثة، تغطي شركات التأمين المنتسبة إلى الصندوق 80% من التكاليف، وفقًا لحصتها في السوق، بينما تتحمّل الشركة الموفرة للتغطية النسبة المتبقية. ويُعدّ هذا الصندوق أحد الأسباب الدافعة بالشركات الخاصة إلى مواصلة تقديم بوليصات التأمين في المناطق شديدة الخطورة، حتى في ظلّ غياب التغطية الإلزامية بموجب القانون.
ويقول إدوارد هِلد، مدير صندوق المخاطر الطبيعية” “يضمن هذا النظام أقساطًا ميسّرة، واستدامة في تغطية المخاطر الطبيعية، حتى في المناطق المعرضة للمخاطر بمعدل يفوق المتوسط”.
وبين عامي 1970 و2023، دفعت شركات التأمين المنتسبة إلى الصندوق تعويضات بلغت نحو 7 مليارات فرنك. وكانت فيضانات عام 2005 الحدث الأكثر كلفة، إذ بلغت التعويضات أكثر من مليار فرنك، بينما تكفّلت المؤسسات العامة بالباقي.

فجوة تأمينية بسيطة في سويسرا
بات التأمين ضد المخاطر الطبيعية اختياريًا في العديد من الدول، مثل إيطاليا، واليابان، والولايات المتحدة. وغالبًا ما تديره شركات خاصة، ولا تشمله أنواع التأمين الأخرى.
وعلاوة على ذلك، تفتقر هذه الشركات إلى آلية تضامنية، كصندوق المخاطر الطبيعية لشركات التأمين السويسرية. ومن دون هذا التضامن، تضطر كل شركة إلى تحمّل المخاطر كاملة في المناطق المعرّضة للخطر، ما تعزف عنه الكثير من الشركات.
ويؤدي هذا الوضع إلى اتساع “فجوة الحماية التأمينية”، أي نسبة الخسائر غير المغطاة بالتأمين. وكلما كبرت هذه الفجوة، تراجعت القدرة المالية لمنطقة ما، وتأثر الاقتصاد عمومًا؛ ما يجعل التعافي بعد الكوارث أكثر صعوبة.
ووفقًا لأحدث بياناترابط خارجي شركة إعادة التأمين السويسرية، بلغت الفجوة التأمينية للكوارث الطبيعية في سويسرا 26% في عام 2024، وهذا يعني أنّ من كل 100 فرنك من الأضرار، هناك مبلغ يوازي 26 فرنكًا غير مؤمَّن. وهذه النسبة هي الأدنى، إلى جانب المملكة المتحدة (22%)، بين 13 دولة شملتها الدراسة. أما المتوسط العالمي، فيبلغ 43%.
الدروس المستفادة من النموذج التأميني السويسري
في تصريح لصحيفة غارديانرابط خارجي، وضَّحت أوجينيا كاتشاتوري، الأستاذة المشاركة في كلية بايز للأعمال في لندن، سعيَ شركات التأمين لدفع أقساط تتناسب مع مستوى المخاطر لعملاء، وتضيف: “ولكن هذا يخلق مشكلات، إذ يجد كل من يتعرّض لنسبة مرتفعة من المخاطر، صعوبة في الحصول على التأمين اللازم”.
وترى كاتشاتوري أن النموذج السويسري قد يكون الحل. فعندما لا تستطيع شركات التأمين رفع الأقساط تبعًا لمستوى الخطر، تستثمر بدلًا من ذلك في تقليص الخسائر المحتملة.
وتضيف أنّه سيكون من الصعب اعتماد النهج السويسري في دول تمتلك أنظمة تأمينية راسخة وتنافسية جدًّا، لكنها تؤكد أن بعض عناصره قد تكون مصدر إلهام، وتشير، مثلًا، إلى تبادل الخبرات بين شركات التأمين، والحافز للعمل المشترك على تعزيز إجراءات الوقاية، وتقليل المخاطر.
“الوقاية خير من العلاج”
دومينيك راميل، شركة موبيلياري
ويقول ستيفانو تشيولوتّو لسويس إنفو: “إن النظام السويسري واحد من أكثر الأنظمة كفاءة في أوروبا”.
ويضيف أن التعاون بين قطاع التأمين والحكومات المحلية والوطنية، جدير بالإعجاب. ويتمثّل هذا التعاون، مثلًا، في تخطيط الأراضي، وإعداد خرائط المخاطر. ويؤكد تشيولوتّو أنّه “ينبغي على الدول الأخرى السعي إلى تقليد النموذج الذي يتّبعه هذا القطاع للتأمين، وتشجيعه؛ إذ إنّه لا يكتفي بتقديم مجرد تغطية تأمينية”.
الوقاية خير من العلاج
يقول دومينيك راميل، المتحدث باسم شركة موبيلياري، أقدم شركة تأمين خاصة في سويسرا، لسويس إنفو: شكّلت فيضانات أغسطس 2005 “نقطة تحول” لقطاع التأمين السويسري، و“منذ ذلك الحين، بدأنا الاستثمار في مجال الوقاية”.
ومنذ تاريخ ذلك الحدث عام 2005، تعزَّز التعاون بين الكانتونات بشكل كبير، “على سبيل المثال من خلال أيام مخصصة لإرشادات السلامة والتمارين المشتركة” كما تؤكد رابطة شركات التأمين السويسرية. وقد تم تحديث خرائط المخاطر، واستخدام تقنيات جديدة لتقييم المخاطر في أكثر المواقع عرضة لها.
وفي سويسرا، يستثمر القطاعان، العام والخاص، حوالي 3 مليارات فرنك سنويًا في إجراءات الوقاية من الكوارث الطبيعية. وتشير رابطة شركات التأمين السويسرية إلى أن الأضرار التي سببتها فيضانات عام 2005، ستكون اليوم أقل بمقدار الثلث؛ بفضل هذه الأنشطة، والأبحاث الحديثة.
ويلخّص دومينيك راميل قائلًا: “الوقاية خير من العلاج”.
تحرير : غابي بولارد
ترجمة: إيفون صعيبي
المراجعة: ريم حسونة
التدقيق اللغوي: لمياء الواد

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.