The Swiss voice in the world since 1935
أهم الأخبار
أهم الأخبار
نقاشات
أهم الأخبار
النشرة الإخبارية

المزارعون السويسريون: مكاسب سياسية ونفوذ غير مسبوق

الرئيس الفدرالي غي بارميلين يتفقد حقل ذرة.
الرئيس الفدرالي هو أيضًا وزير الزراعة، ومزارع: غي بارميلين يتفقد حقل ذرة. Keystone / Alessandro Della Valle

يواجه قطاع الزراعة في سويسرا حاليًا تحوّلات سياسية مهمة. وفي خضمّها، يمسك العاملون والعاملات بالزراعة أوراقًا عديدة رابحة، ويبلغ نفوذهم.نّ مستوى نادرًا ما بلغه قبل اليوم.

صرّح الرئيس السويسري، غي بارملان، العامل كمزارع كروم بالأساس، برغبته في توظيف منصبه “لتعزيز فهم الشعب للاقتصاد”.

لكن لا يحتاج قطاع الزراعة إلى ذلك أصلًا. فخلال السنوات الأخيرة، رفض الناخبون والناخبات في سويسرا جميع المبادرات الزراعية الداعية إلى تشديد المعايير والقواعد.

فمثلًا، عام 2021، رفض الشعب السويسري مبادرتين ترميان إلى الحدّ من استخدام المبيدات الحشرية. وفي عام 2022، رفض مبادرة شعبية للحدّ من التربية المكثّفة للماشية. كما صوَّت ضدَّ مبادرةٍ لتعزيز التنوع البيولوجي عام 2024.

وفي ظلّ التوترات الأمنية في أوروبا، تتزايد أهميةُ الاكتفاء الذاتي في مواجهة الأزمات، ما يصبُّ أيضًا في مصلحة المزارعين والمزارعات.

نفوذ واسع وملفات كبرى

في الوقت الراهن، يحظى قطاع الزراعة بتأييدٍ كبيرٍ، إلى حدّ أنّ حزب الخضر نفسه لم يعد يرغب في تصدّر هذا الملف. ولا يدعم أعضاءُ البرلمان من حزب الخضر أصلًا مبادرةَ التغذية رابط خارجيرابط خارجي، الداعية إلى تقليل استخدام المبيدات الحشرية، وخفض إنتاج اللحوم. وتبدو فرصتها معدومةً.

ويتمتع قطاع الزراعة أيضًا بنفوذ كبير في البرلمان؛ إذ توجد جماعة ضغط تمثّل مصالح الاتحاد السويسري للمزارعين والمزارعات، وتضم 38 “برلمانيًّا مزارعًا وبرلمانية مزارعةرابط خارجي“. وبذلك، يمثل نحو سدس الأعضاء قطاعًا لا تتجاوز مساهمته 1% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو تمثيل لا يحظى به أي قطاع اقتصادي آخر.

وباختصار، يستطيع المزارعون والمزارعات في سويسرا ممارسة السياسة بأريحية، الأمر القائم بالفعل. كما توجد ملفات كبرى مطروحة على طاولة النقاش، مثل استراتيجية زراعية جديدة، ورسوم جمركية مستحدثة، واتفاقات دولية في الأفق.

ينتج مزارع الألبان مارتن هاب (يسار) 800 ألف لتر من الحليب. هاب يرأس اتحاد المزارعين في زيورخ ويمثل مواقف اتحاد المزارعين السويسريين. المزارع العضوي كيليان باومان (يمين) يعمل في زراعة الحقول وتربية الأبقار وينتج عصير الفاكهة والفاصوليا. وهو يمثل صغار المزارعين السويسريين.
ينتج مزارع الألبان مارتن هاب (يسار) 800 ألف لتر من الحليب. هاب يرأس اتحاد المزارعين في زيورخ ويمثل مواقف اتحاد المزارعين السويسريين. المزارع العضوي كيليان باومان (يمين) يمارس الزراعة وتربية الماشية وينتج عصير الفاكهة والفاصوليا. وهو يمثل صغار المزارعين السويسريين. zvg

ولمناقشة هذه الملفات، تحدثنا إلى سياسييْن مختصيْن في القطاع الزراعي من توجهين مختلفين. الأول، كيليان باومان، مزارع وعضو في البرلمان السويسري عن حزب الخضر. والثاني، مارتن هاب، مزارع وعضو في البرلمان السويسري عن حزب الشعب السويسري (SVP)، ذي التوجه اليميني المحافظ.

جدل حول السياسة الزراعية الجديدة

تتصدَّر “السياسة الزراعية 2030+” قائمة مواضيع قطاع الزراعة، فهي ترسم التوجّه الاستراتيجي للقطاع بأكمله، وسيبدأ النقاش بشأنها قريبًا. ففي فبراير، ستقدّم الحكومة مشروعًا أوليًّا للاستشارة، يوضّح التوجّه المستقبلي المفضَّل لديها في مجال الزراعة.

ولكن ما الذي يجب تغييره بالضبط؟

فالأهداف الكبرى معروفة سلفًا، ضرورة ضمان السياسة الزراعية الجديدة الأمن الغذائي لسويسرا، ومراعاتها للبيئة. لكن يتصدّر هدفان آخران أولويات المزارعين والمزارعات؛ آفاق اقتصادية أوضح، وإجراءات إدارية أقلّ. باختصار، مال أكثر، ورقابة أقلّ.

فقد أدّت الإصلاحات الأخيرة إلى إغراق المزارعين والمزارعات بأعداد هائلة من الاستمارات لتعبئتها، مصحوبة بالعديد من الإجراءات البيروقراطية.

وقال هاب: “حوّلت الدولة المزارعين والمزارعات إلى متلقّي أوامر. وقد حان الوقت لعودتهم.نّ إلى كونهم.نّ أصحاب أعمال وصاحباتها». وأضاف ممثّل حزب الشعب السويسري: “نحن بحاجة الآن إلى سياسة زراعية تضمن تحديد الأهداف بدلًا من إملاء الإجراءات”.

ومع ذلك، يرى كيليان باومان بعض المزايا في النظام الحالي. ويقول: “ترتبط المدفوعاتُ الحكومية المباشرةُ بالأداء، مثل رفاهية الحيوانات، والمعايير البيئية العالية”. وبذلك تتبع سويسرا استراتيجية الجودة، وتنتج دائمًا منتجات أفضل من الدول الأخرى.

ويضيف: “هكذا تمكَّنت الحكومة حتى الآن من تبرير المليارات التي أنفقتها أمام الشعب”. إذ تحوِّل الحكومة السويسرية 2،8 مليار فرنك سنويًّا كمدفوعات مباشرة إلى المزارعين والمزارعات.

لا يمكن الاستغناء عن أموال الدولة

رحّب السياسيان المعنيان بقطاع الزراعة، برغبة اتحاد المزارعين والمزارعات في تحقيق مبيعات أكبر بالسوق السويسرية في المستقبل. ويرى كلٌّ من باومان وهاب، وجود إمكانات لتقصير مسافات نقل المنتجات، وتعزيز طابعها على الصعيدين المحلي والإقليمي.

ويتفق كلاهما على عدم إمكانية الاستغناء عن المدفوعات الحكومية المباشرة، حتى مع تعزيز دور ريادة الأعمال والسوق مستقبلًا. فلولا هذه الأموال الحكومية، لاضطرّ اليوم أكثر من نصف المزارع السويسرية، وعددها نحو 45 ألف مزرعة، إلى الإغلاق.

سويسرا تنتج كميات كبيرة من الحليب: أبقار في مرج في روتنبورغ، كانتون لوزيرن.
سويسرا تنتج كميات كبيرة من الحليب: أبقار في مرج في روتنبورغ، كانتون لوزيرن. Keystone / Urs Flueeler

وقال هاب: “نحصل على التعويضات المباشرة مقابل استيفائنا للمعايير الدنيا لمنتجات تعكس هويتنا السويسرية. وتتضمن هذه المعايير رفاهية الحيوانات، ومعايير الزراعة، وحماية البيئة”.

لكنه شدّد على إهمال الجانب الاقتصادي للمزارعين والمزارعات. ويضيف: “لقد عملنا على تعزيز التنوع البيولوجي لمدة 25 عامًا، وحققنا الكثير في هذا المجال. وهذا يكفي”.

المبيدات الحشرية من أجل الاكتفاء الذاتي

بالنسبة إلى هاب والاتحاد السويسري للمزارعين والمزارعات، الأمر واضح. فهناك الكثير من الاعتبارات البيئية المُعيقة للإنتاجية. ويتجلّى ذلك في قضية المبيدات الحشرية. فمراعاةً للنحل والمسطّحات المائية، لا تسمح سويسرا باستخدام بعض المواد الفعّالة، أو تسمح باستخدامها في حالات استثنائية فقط، بموجب تصاريح خاصة. بيد أنّ نقص هذه المبيدات أدّى مؤخرًا إلى تضرّر إنتاج البنجر السكري، واللفت.

وهذان المحصولان مهمّان لتحقيق الاكتفاء الذاتي في سويسرا تحديدًا؛ إذ يُقاس معدّلُ الاكتفاء الذاتي لأي بلد بعدد السعرات الحرارية المنتَجة. ويوفر البنجر السكري واللفت تحديدًا، أكبر قدر من الطاقة على مائدة الطعام لكل متر مربع من المساحة المزروعة.

وأكد هاب: “لدينا مشكلات مع هذه المحاصيل عالية السعرات الحرارية”. وقال، أسهم ذلك في تراجع معدّل الاكتفاء الذاتي في سويسرا من 60 إلى 40 في المئة خلال 15 عامًا. لكنه لم يذكر مسؤولية النمو السكاني أيضًا عن هذا الانخفاض.

سويسرا تنتج فائضاً من لحم الخنزير: نظرة على حظيرة في كانتون لوزيرن.
سويسرا تنتج فائضاً من لحم الخنزير: نظرة على حظيرة في كانتون لوزيرن. Keystone / Urs Flueeler

وأشار باومان إلى إنتاج القطاع الزراعي السويسري من الحليب، ولحم الخنزير، والنبيذ أكثر مما يستطيع السوقُ المحليُّ استيعابه. أي بالفعل، يوجد فائضٌ في الإنتاج في بعض القطاعات نتيجةً للحوافز السياسية الخاطئة. وقال: “يؤدّي هذا إلى انخفاض أسعار المنتجات، وبالتالي أرباح المنتجين والمنتجات، ويخلق مشكلات بيئية، وتكاليف مرتفعة على السكان؛ من العبث المطالبة الآن بزيادة الإنتاج”.

الرسوم الجمركية والتجارة الحرة

تحمي سويسرا إنتاجها المحلي، باهظ الثمن، من الواردات الرخيصة بكل قوّتها. وعلّق هاب على ذلك قائلًا: “النظام الجمركي لدينا أهمّ للقطاع الزراعي، من المدفوعات الحكومية المباشرة”.

لكن، توصّلت الحكومة السويسرية حاليًا إلى اتفاقٍ جمركي مع الولايات المتحدة يتضمّن حصصًا لواردات من لحم الدجاج، ولحم البقر. كما وقّعت مع تكتّل ميركوسور (السوق المشتركة لدول أمريكا الجنوبية) اتّفاقيةَ تجارةٍ حرّةٍ تنصّ على استيراد اللحوم والنبيذ.

فما تأثير هذه الاتفاقيات على الزراعة في سويسرا؟ أجاب هاب: “ما دُمنا نتحكّم في نظام الاستيراد من خلال منظمة “بروفيند” (Proviande)، فلن تُثقل الكميات المعفاة المتفق عليها، كاهل الزراعة السويسرية”.

جدار الحماية الخفي للمزارعين

وبذلك، يشير عضوُ البرلمان إلى حاجزٍ جمركيٍّ ثانٍ وخفيٍّ، أقامه القطاعُ الزراعي السويسري خلف الحواجز الجمركية الحكومية. فمنذ زمن، نظّم نفسه من خلال منظّماتٍ قطاعيةٍ مرتبطةٍ بالزراعة. فلا تُجرى طلباتُ الاستيراد من الخارج، إلا عند عدم كفاية الإنتاجِ المحلي.

وغالبًا ما تُحدَّد الأسعار، فيدفع المستهلكون.ات في المتاجر أسعارًا سويسريةً باهظةً مقابل سلعٍ مستوردةٍ أرخص ثمنًا، كما هو الحال دومًا. ومن ثمّ، تشير التوقّعات إلى أنّه لن يدخل سويسرا مستقبلًا إلا ما يطلبه السوق، ولا ينافس المزارعين.ات المحليين.ات، وذلك بأسعارٍ سويسرية.

ومع ذلك، ينتاب باومان شك، وحذّر قائلًا: “تمارس الكميات المعفاة من الرسوم الجمركية ضغطًا غير مباشر على الإنتاج المحلي”. وأشار إلى الأسعار الترويجية التي تطرحها سلاسل التوزيع الكبرى لقطع لحم فاخرة من أمريكا الجنوبية، ما يخلق لدى المستهلكين.ات تصوّرات غير واقعية عنها. وأضاف: “يمكننا استيراد المنتجات المطلوبة من الدول المجاورة؛ فالمسافات أقصر، ويمكن الرقابة بشكل أفضل”.

المواءمة مع الاتحاد الأوروبي

يرتبط القطاع الزراعي السويسري ارتباطًا وثيقًا بنظيره الأوروبي، لا في مجال البذور وأنواع المحاصيل فحسب، بل أيضًا في مسألة المبيدات الحشرية المسموحة، وهي قضية تزداد إلحاحًا. ويناقش البرلمانرابط خارجي حاليًا ما إذا كان ينبغي لسويسرا السماح باستخدام مبيدات حشرية أجازتها دول الاتحاد الأوروبي المجاورة، مثل هولندا أو بلجيكا.

ويؤيّد مجلس النواب السويسري ذلك بالفعل؛ إذ يرى أنّ من شأنه اختصار إجراءات الاعتماد المعقّدة في سويسرا. لكن يحذّر المنتقدون.ات من إمكانية فتح ذلك الباب أمام مبيداتٍ حشريةٍ قديمةٍ، وشديدةِ الضرر بالبيئة. ولا يزال الموضوع في حاجة إلى موافقة الغرفة الأعلى في البرلمان السويسري، أي مجلس الولايات.

وقال هاب: “لا ينبغي النظر إلى الاتحاد الأوروبي في مجال المبيدات الحشرية فحسب، بل في مجال تقنيات التربية الجديدة أيضًا، لأن زراعة النباتات عملية عابرة للحدود”. وأشار إلى إمكانية تعديل الجينات باستخدام “المقص الجيني”، وهو أمر ما يزال محظورًا في سويسرا حتى الآن.

ويعلّق باومان، المدافع عن الزراعة المستدامة، هو الآخر آمالًا على الاتحاد الأوروبي، قائلًا: “تحرز البلدان المجاورة تقدمًا في مجال تقليص استخدام المبيدات الحشرية. فإذا أراد قطاع الزراعة السويسري الحفاظ على مصداقيته، يجب ألّا نتراجع عن معايير الاتحاد الأوروبي”.

سويسرا تنتج فائضاً من النبيذ: حصاد النبيذ العضوي على ضفاف بحيرة جنيف.
سويسرا تنتج فائضاً من النبيذ: حصاد النبيذ العضوي على ضفاف بحيرة جنيف. Keystone / Jean-Christophe Bott

وهناك كذلك اتفاقيةُ الأغذية المتفاوَض عليها مع الاتحاد الأوروبي، جزءُ المرحلة الثالثة من الاتفاقات الثنائية، لكنها لا تزال معلّقة. وكما هو حال مع جميع الاتفاقيات الجديدة مع الاتحاد الأوروبي، هذه الاتفاقية غيرُ مقبولةٍ بالنسبة إلى عضو البرلمان عن حزب الشعب السويسري، مارتن هاب. وقال: “ربما لا تختلف المعايير الحالية جوهريًا. لكن في المستقبل، لن يكون لسويسرا دورٌ في اتخاذ القرارات بسبب التغيّرات الديناميكية في القوانين”.

 ووصف كيليان باومان التعاون مع الدول المجاورة بالضروري، خاصةً لاعتماد سويسرا على واردات الأغذية والأعلاف، من الدول الأوروبية بسبب العادات الغذائية الحالية القائمة على تناول اللحوم. وقال: “هدفي المحافظة على مصداقيتنا في المستقبل، عندما نقول إننا ننتج بطريقة أكثر استدامة من الدول الأخرى”.

تحرير: سامويل جابيرغ

ترجمة: أحمد محمد

مراجعة: ريم حسونة

التدقيق اللغوي: لمياء الواد

قراءة معمّقة

الأكثر مناقشة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية