تطور حرب المُسيرات في جنوب لبنان يخيم على آفاق السلام مع إيران
من مايا الجبيلي ومعيان لوبيل وكاترين كارتيه
بيروت/القدس 12 مايو أيار (رويترز) – في الوقت الذي يدور فيه جدال بين واشنطن وطهران بشأن اتفاق لوقف مهاجمة السفن في مضيق هرمز، تعمل إسرائيل و جماعة حزب الله، الحليف الأقوى لإيران، على تصعيد حرب الطائرات المسيرة في لبنان والموثقة باللقطات المصورة مما يعقد مسار السلام.
واستخدم حزب الله في الأسابيع القليلة الماضية طائرات مسيرة ملغومة ورخيصة وسهلة التجميع يتم التحكم بها عبر الرؤية المباشرة والتي تعرف باسم (إف.بي.في) ليغير مسار الحرب التي يخوضها منذ أن بدأ إطلاق النار على إسرائيل في الثاني من مارس آذار بعد أيام من بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
ويمكن لهذه المسيرات الموجهة عبر كابلات ألياف ضوئية، أن تتفادى تقنيات التشويش الإسرائيلية المتطورة وتستهدف القوات الإسرائيلية المتمركزة في جنوب لبنان، وذلك خلال وقف إطلاق نار هش أعلن عنه في 16 أبريل نيسان بعد أسبوع من بدء الهدنة مع إيران.
ونشر الحزب المدعوم من إيران مقاطع فيديو لأكثر من 45 هجوما بطائرات (إف.بي.في)، كان 28 منها في تقريبا الأسابيع الأربعة التي تلت وقف إطلاق النار الذي أوقف الهجمات الإسرائيلية على العاصمة اللبنانية قبل أن تعلن إسرائيل أنها استهدفت قياديا في حزب الله هناك يوم الأربعاء.
لكن قوات برية إسرائيلية ظلت خلال الهدنة تحتل ما يسمى بالمنطقة العازلة التي تمتد لمسافة تصل إلى 10 كيلومترات من الحدود في منطقة محددة يعرفها حزب الله جيدا، وهي عرضة لمثل هذه الهجمات.
وأظهرت كل مقاطع الفيديو، التي نشرت قبل إعلان وقف إطلاق النار، طائرات مسيرة تحلق فوق مواقع ثابتة أو مركبات من بينها دبابات وحفارات، لكن إسرائيل لم تبلغ عن تكبدها أي خسائر بشرية. وبدأ حزب الله استهداف مجموعات من الجنود منذ إعلان وقف إطلاق النار، وأعلن عن خمس هجمات. وقالت إسرائيل إن ثلاثة جنود إسرائيليين ومتعاقدا قتلوا.
وردت إسرائيل بشن هجومين على الأقل بطائرات مسيرة من نوع (إف.بي.في) ضد حزب الله في أبريل نيسان مما أسفر عن سقوط قتلى، ونشرت صورا التقطتها الطائرات المسيرة يقال إنها تظهر مقاتلي حزب الله عن قرب.
وبدأ استخدام هذه الطائرات على نطاق واسع في الهجمات منذ عدة سنوات وفي أوكرانيا على بعد آلاف الكيلومترات حيث تغطى شبكات خطوط الجبهة للحماية من الطائرات المسيرة الروسية، وحيث يراقب بعض مشغلي الطائرات المسيرة ما يفعله حزب الله.
وقال دميترو بوتياتا، وهو خبير في الحرب بالطائرات المسيرة ويعمل في لواء الأنظمة المسيرة الأوكراني “إنهم هواة، لكنهم يتعلمون”.
* لماذا تعتبر حرب الطائرات المسيرة في لبنان مهمة؟
تقول إيران وباكستان، التي تلعب دور الوسيط، إن أي اتفاق سلام بين واشنطن وطهران يجب أن يتضمن وقف الضربات الإسرائيلية في لبنان لمنع أي تصعيد هناك يؤدي إلى استئناف الحرب الأوسع نطاقا مع إيران.
ومن المقرر استئناف المحادثات المباشرة بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل بوساطة أمريكية يومي الخميس والجمعة، لكن التقدم بطيء إذ تصر إسرائيل على أن ينزع لبنان سلاح حزب الله، مما ينذر بتجدد الصراع في بلد عانى من حرب أهلية دارت بين عامي 1975 و1990.
وقال يوسف الزين رئيس العلاقات الإعلامية في حزب الله إن الجماعة ترى إن استمرار طائرات (إف.بي.في) في إسقاط ضحايا في صفوف القوات الإسرائيلية قد يجبر إسرائيل على الانسحاب بشكل أكثر فعالية من المفاوضات التي يعارضها حزب الله.
وأضاف أن القوات الإسرائيلية التي اجتاحت جنوب لبنان في الصراع الحالي تمثل فرصة وليست تهديدا لأن استهدافها أصبح أسهل.
وأردف يقول لصحفيين إن حزب الله على علم بتفوق إسرائيل، لكنه يعلم نقاط ضعفها أيضا ويستغلها لخلق هذا التوازن.
وقال قيادي في حزب الله إن وحدة متخصصة في الطائرات المسيرة تعمل مع فريق المشتريات التابع للجماعة لشراء قطع غيار من أسواق مختلفة.
وذكر مصدر عسكري لبناني مطلع على استخدام حزب الله للطائرات المسيرة أنه يتم فحصها للتأكد من عدم وجود أي اختراق أو تدخل إسرائيلي. والجماعة في حالة تأهب قصوى منذ أن زرعت إسرائيل متفجرات في آلاف أجهزة الاتصال التابعة لها وفجرتها في عام 2024.
ويظهر أول فيديو من حزب الله عن طائرات (إف.بي.في) هجوما بتاريخ 22 مارس آذار، أي بعد ثلاثة أسابيع من بدء الحرب على إيران. أما أول لقطات تظهر مكونات طائراته المسيرة، ومن بينها الرأس الحربي، كانت بتاريخ 11 أبريل نيسان.
وقال كونراد إيتوربي، وهو خبير طائرات مسيرة مقيم في إسبانيا ولديه خبرة في تحليق الطائرات الهليكوبتر الرباعية التجارية وتعديلها “تظهر كل الطائرات المسيرة الواردة في الصور أنظمة مجمعة من قطع غيار تصنعها عادة شركات صينية وتباع بحرية على الإنترنت”.
* كيف تعمل الطائرات المسيرة؟
يشير القيادي في حزب الله وخبير إسرائيلي في الطائرات المسيرة إلى أن تكلفة الطائرة المسيرة العادية أقل من 400 دولار. وحددت رويترز مواقع الهجمات في بلدات تمتد على طول الشريط الحدودي اللبناني، ما يُظهر مدى اتساع انتشارها.
وقال مصدر متخصص في تشغيل الطائرات المسيرة في أوكرانيا، رفض نشر اسمه لأسباب أمنية، ومسؤول أمني أجنبي يتتبع أنشطة حزب الله في الطائرات المسيرة إن لقطات تعود للحادي عشر من أبريل نيسان أظهرت تركيب رأس حربي روسي مضاد للدبابات شديد الانفجار من طراز بي.جي-7إل على الطائرة المسيرة.
وأضاف المسؤول الأجنبي أن ترسانة حزب الله تضم هذه الرؤوس الحربية بالفعل، لكن تركيبها على طائرة مسيرة جعلها سلاحا دقيقا بعيد المدى.
وردا على سؤال بشأن اعتماد حزب الله على الخبرة الروسية في مجال الطائرات المسيرة، قال الزين إن الجماعة لديها خبراء خاصين بها.
تأسس حزب الله في 1982 بدعم من الحرس الثوري الإيراني، ويمتلك عشرات الآلاف من الصواريخ والقذائف الدقيقة، وبدأ تطوير قدرات الطائرات المسيرة في 2004 واستخدمها في حربي 2006 و2024.
وقال المصدر المتخصص في تشغيل الطائرات المسيرة في أوكرانيا إن طواقم حزب الله لم تتدرب سوى لأسابيع قليلة على ما يبدو . وأضاف أن البكرة التي ظهرت في اللقطات التي تعود للحادي عشر من أبريل نيسان تتطابق مع حاوية تضم نحو 10 كيلومترات من أسلاك الألياف الضوئية، تستخدم لربط الطائرة المسيرة بمشغلها، وهو ربط قال القيادي في حزب الله إنه مهم.
وقال “الهدف هو أن تعجز أنظمة الرادار الإسرائيلية عن رصدها، وهو ما يعمي العدو فعليا”.
* ماذا تفعل إسرائيل حيال ذلك؟
أقر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن الطائرات المسيرة تشكل أزمة. وقال في الثالث من مايو أيار “قبل أسابيع قليلة، أمرت بإنشاء مشروع خاص لمواجهة خطر الطائرات المسيرة… سيستغرق الأمر وقتا، لكننا نعمل عليه”.
وأفاد الجيش الإسرائيلي بإطلاق طائرات مسيرة ملغومة بشكل شبه يومي على قواته في جنوب لبنان. وذكرت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن هذه الطائرات أسفرت عن إصابة ما يصل إلى 40 جنديا.
وقال مسؤول دفاعي إسرائيلي إن هذه الطائرات المسيرة يصعب رصدها وتحييدها لصغر حجمها، ولأن طواقم حزب الله التي تعرف تضاريس المنطقة جيدا تجعلها تحلق “على ارتفاع منخفض وبسرعة بطيئة”.
وقال مركز أبحاث ألما الإسرائيلي إن هجمات حزب الله خلال فترة وقف إطلاق النار اعتمدت في الغالب على الطائرات المسيرة، وإن نشر لقطات مصورة لها كان له “أثر نفسي كبير”.
ويقول منتقدون في إسرائيل إنه كان ينبغي إيجاد حلول منذ فترة. وقال المسؤول الدفاعي، الذي تحدث شريطة عدم نشر اسمه لتناوله مسائل حساسة، إنه لا يوجد حل سريع.
وأضاف أن المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية تدرس الوضع في أوكرانيا وخطر الطائرات المسيرة منذ أكثر من عام. ويمكن اتخاذ إجراءات دفاعية جديدة في غضون أسابيع أو أشهر.
وأشار المسؤول الدفاعي إلى أنه بينما يجري تطوير حلول عالية التقنية، سيتم نشر حلول منخفضة التقنية، مثل الشباك، ومن المتوقع أن تسهم التحسينات التي أدخلت على بنادق الجنود في إسقاط الطائرات المسيرة أيضا.
وأفاد مسؤول كبير في الجيش الإسرائيلي بأن الجيش يستخدم أيضا منظومة القبة الحديدية لاعتراض الصواريخ وعزز قدرات الكشف الراداري. وقال إن سلاح الجو اختبر نظاما جديدا لاعتراض الطائرات المسيرة في أبريل نيسان لكنه فشل.
وقال المسؤولان إن أفضل دفاع هو استهداف طواقم حزب الله التي تشغل الطائرات المسيرة. ونشرت إسرائيل مقطع فيديو في 13 أبريل نيسان يظهر هدفا يغطي وجهه لدى اقتراب طائرة مسيرة، وآخر في 29 أبريل نيسان يستهدف مقاتلا على دراجة نارية. ولم تنشر إسرائيل لقطات لطائراتها المسيرة.
وقال إيتوربي إن بعض طواقم حزب الله انتقلوا على ما يبدو من التحليق بزاوية ثابتة، وهو أسهل ولكنه أقل فعالية، إلى الانقضاض والتسارع وإصابة المركبات من الأعلى.
وأضاف “من الواضح استيعاب الدرس هنا”.
غير أن مقاطع الفيديو التي نشرها حزب الله تظهر أن الطائرات المسيرة تستهدف في الغالب المركبات المدرعة، لا الجنود، مع شن القليل من الهجمات المتتالية على الهدف نفسه، أو الإطلاق من طائرة مسيرة ثانية أو موقع مراقبة.
وقال وليام جودهيند المحلل الجنائي للصور “اللقطات الفردية لاستهداف المركبات مثالية لمقاطع الفيديو التي تنشر لأغراض سياسية، لكنها لا تترجم بالضرورة إلى تأثير عسكري”.
(إعداد نهى زكريا ومحمود سلامة للنشرة العربية – تحرير حسن عمار )