توبيخ ترامب لنتنياهو “المجنون” يضعف موقفه في مرحلة دقيقة
من ألكسندر كورنويل ورامي أيوب وستيف هولاند
القدس/واشنطن 5 يونيو حزيران (رويترز) – لطالما صور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه أمام الرأي العام المحلي بأن لديه قدرة فريدة على التعامل مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأن بوسعه كسب دعمه والحفاظ عليه.
لكن في مكالمة هاتفية عاصفة بينهما هذا الأسبوع، وصف ترامب نتنياهو بأنه “مجنون تماما”، وهي مكالمة سربت أولا إلى وسائل الإعلام ثم أكدها ترامب نفسه لاحقا، وكشفت النقاب عن التوتر الذي كان يظهر أحيانا بين الزعيمين.
وأقر مسؤولون إسرائيليون، طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم، بأنها كانت من أكثر المكالمات حدة بين نتنياهو وترامب. وقال أحد المسؤولين إن التسريب ألحق ضررا سياسيا بنتنياهو قبل الانتخابات المقررة هذا العام.
وكان السبق لموقع أكسيوس الأمريكي في نشر الخبر يوم الاثنين، وذكر أن ترامب تحدث بغضب إلى نتنياهو بسبب التهديدات الإسرائيلية باستئناف الضربات الجوية على الضاحية الجنوبية لبيروت. ونقل الموقع عن ترامب قوله “الجميع يكرهونك الآن. الجميع يكرهون إسرائيل بسبب هذا”.
وطلب الرئيس الأمريكي من نتنياهو ألا يستهدف بيروت بعد أن حذرت إيران من أن الضربات الإسرائيلية في لبنان تقوض المحادثات الرامية إلى إنهاء الحرب، التي بدأت بهجمات أمريكية إسرائيلية مشتركة ولا تحظى بتأييد يذكر بين الأمريكيين.
*رئيس مركز أبحاث: خلافات أمريكا وإسرائيل أصبحت علنية
قال مسؤول إسرائيلي كبير لرويترز إن نتنياهو أوضح لترامب أن أي تعليق للخطط الإسرائيلية لقصف بيروت لن ينجح إلا إذا توقفت جماعة حزب الله عن مهاجمة شمال إسرائيل. وقال المسؤول إن ترامب كان متقبلا لهذا الموقف.
وعقب مكالمتهما، قال ترامب إن إسرائيل وحزب الله وافقا على وقف تبادل الضربات، مما أثار اتهامات من خصوم نتنياهو السياسيين، وبعض أعضاء حكومته، بأنه تنازل عن سيادة إسرائيل للولايات المتحدة.
وقال زعيم المعارضة يائير لابيد إن الوضع أشبه “بوصاية كاملة”، ملمحا إلى أن نتنياهو وضع إسرائيل في موقف دولة تابعة لواشنطن.
ووقعت خلافات عديدة بين نتنياهو، أطول رئيس وزراء بقاء في السلطة في إسرائيل، والإدارات الأمريكية الجمهورية والديمقراطية. ومع ذلك، ظلت إسرائيل أقرب حليف لواشنطن في الشرق الأوسط.
وقال نمرود جورين رئيس ميتفيم، وهو مركز أبحاث إسرائيلي، إن “الخلافات باتت الآن علنية بشكل كبير”، على عكس الماضي عندما كانت تدار بهدوء عادة خلف أبواب مغلقة.
وقال ترامب لصحيفة نيويورك بوست يوم الأربعاء إنه “منزعج قليلا” من هجمات نتنياهو المستمرة على لبنان، لكنه أضاف “لقد عملنا معا بشكل جيد للغاية”.
ويبدو أن قرار ترامب الانضمام إلى إسرائيل في قصف إيران، ليس مرة واحدة بل مرتين في غضون عام واحد، شكل انتصارا كبيرا لنتنياهو، الذي أمضى عقودا في حث واشنطن على استخدام قوتها العسكرية لوقف برنامج طهران النووي.
لكن ترامب اتخذ أيضا سلسلة من الخطوات التي يعتبرها كثيرون في إسرائيل متعارضة مع مصالحها، مثل وقف الضربات الأمريكية على جماعة الحوثي اليمنية المدعومة من إيران، ورفع العقوبات عن الرئيس السوري أحمد الشرع، وإنهاء حرب إسرائيل التي دامت 12 يوما مع إيران في يونيو حزيران 2025.
* إسرائيل خارج محادثات السلام المباشرة بين واشنطن وطهران
رغم مشاركة الولايات المتحدة وإسرائيل معا في الحرب ضد إيران في فبراير شباط، ظلت إسرائيل خارج مسار المحادثات المباشرة بين واشنطن وطهران لإنهاء الحرب. وأجريت هذه المفاوضات عبر باكستان، التي اضطلعت بدور الوسيط رغم أنها لا تربطها علاقات دبلوماسية رسمية بإسرائيل.
وتحظى الحروب مع إيران وجماعة حزب الله بتأييد كبير في إسرائيل، حتى بين أنصار خصوم نتنياهو السياسيين. ويرغب كثير من الإسرائيليين في مواصلة القتال.
يتناقض ذلك مع الوضع في الولايات المتحدة، إذ يعارض العديد من الناخبين الحرب، بما في ذلك داخل القاعدة المحافظة لترامب.
وقال ترامب مرارا إن الولايات المتحدة على وشك التوصل إلى اتفاق مع طهران لإنهاء الحرب. في حين تصر الجمهورية الإسلامية على أن أي اتفاق يجب أن يتضمن وقف إسرائيل لهجماتها على حليفها حزب الله في لبنان.
وقال ميتشل باراك خبير استطلاعات الرأي الإسرائيلي “نحن مجبرون عمليا على التوقف… لم يعد لنا رأي في هذا الأمر”.
وفي مستهل الحرب مع إيران هذا العام، قال نتنياهو إن الحكومة الإيرانية ستسقط، وبرامجها النووية والصاروخية ستدمر. وشدد على ضرورة نزع سلاح جماعة حزب الله في جنوب لبنان بعد هجومها على إسرائيل في مارس آذار دعما لإيران. لكن حتى الآن، لم يتحقق أي من هذه الأهداف.
وأظهرت استطلاعات رأي حديثة مرارا أن حكومة نتنياهو الائتلافية، الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، لن تفوز بالأغلبية في الانتخابات المقبلة.
وقال جورين إن نتنياهو يسعى إلى تلبية مطالب ترامب، إدراكا منه لأهمية دعم الرئيس الأمريكي مع اقتراب الانتخابات. ويشمل ذلك احتمالات زيارة ترامب لإسرائيل. وقبل اندلاع الحرب مع إيران، كان من المتوقع على نطاق واسع في إسرائيل أن يقوم ترامب بزيارة في أبريل نيسان لتكريمه بأرفع وسام مدني إسرائيلي. وكانت آخر زيارة له في أكتوبر تشرين الأول.
* مستشار سابق: فكرة الخلاف بين ترامب ونتنياهو مبالغ فيها
قال جورين إن بعض الإسرائيليين لم يكونوا مرتاحين لحجم التأثير الذي يبدو أن ترامب قادر على ممارسته على القرارات العسكرية الإسرائيلية. وفي المقابل، يقول منتقدون لترامب في الولايات المتحدة إن نتنياهو يتمتع بنفوذ كبير على السياسة الخارجية الأمريكية.
وقال وزير الأمن الوطني الإسرائيلي إيتمار بن جفير أمس الخميس إن هناك أوقاتا يجب فيها على الزعيم الإسرائيلي أن يعرف كيف يقول “لا”، حتى لرئيس الولايات المتحدة.
وقال نداف شترويشلر، وهو مستشار سابق لنتنياهو، إن رئيس الوزراء يعول على دعم ترامب في الانتخابات.
وأضاف “طريقة انتهاء الحرب (مع إيران وحزب الله) ستؤثر، أكثر من أي شيء آخر، على نتيجة الانتخابات”.
وكثيرا ما أشاد ترامب بنتنياهو، وضغط علنا على رئيس إسرائيل للعفو عن رئيس الوزراء، الذي يُحاكم بتهم تتعلق بالفساد.
لكن ترامب شدد أيضا في مناسبات عامة على حاجة إسرائيل إلى واشنطن، واستخدم في السابق تعبيرات حادة عند الحديث عنها، إذ قال العام الماضي إن إسرائيل وإيران “لا تعرفان ماذا تفعلان”.
من جانبه، يصف نتنياهو ترامب بأنه “أعظم صديق حظيت به إسرائيل في البيت الأبيض”، وهو نوع من الثناء العلني الذي يلقى صدى لدى الرئيس الجمهوري، المعروف بتقديره للولاء الشخصي والتأييد.
ومنذ اندلاع الحرب مع إيران، قال نتنياهو في أحيان إنه يتحدث مع ترامب يوميا تقريبا، وغالبا ما يصور العلاقة أمام الرأم العام الإسرائيلي على أنها علاقة بين نظيرين يتخذان القرارات معا.
وعند سؤاله عن الاتصال خلال مقابلة مع قناة سي.إن.بي.سي يوم الأربعاء، قال نتنياهو إنه، كما يحدث في “أفضل العائلات”، كانت هناك أحيانا “خلافات تكتيكية” مع الرئيس الأمريكي.
وقال مسؤول أمريكي لرويترز إن الاتصال كان واحدا من عدة مكالمات كان فيها ترامب صريحا للغاية مع نتنياهو، لكنه أكد أن العلاقة بينهما لا تزال قوية وأنهما حليفان مقربان.
وأضاف المسؤول “محادثاتهما تتسم بقدر كبير من الصراحة”.
ونفى المسؤول، إلى جانب مصدر إسرائيلي مطلع على العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وجود أي تغير جوهري في العلاقة بين نتنياهو وترامب.
غير أن المصدر الإسرائيلي أقر بأن تسريب خبر المكالمة، وتأكيد ترامب لها لاحقا، لم يكن في مصلحة نتنياهو قبل انتخابات تشير استطلاعات الرأي إلى احتمال خسارته فيها.
وقال شترويشلر، المستشار السابق لنتنياهو، إن الانطباع بوجود خلاف مع ترامب مبالغ فيه، وإن الزعيمين لا يزالان متوافقين بشأن معظم القضايا الرئيسية.
لكنه أضاف أن إنهاء الحربين مع إيران وحزب الله بشكل مفاجئ قد يشكل “مشكلة كبيرة” لنتنياهو، إذ قد يرى كثير من الإسرائيليين أن ترامب أجبره على هذا المسار.
وقال “لا أحد هنا يريد أن يشعر بأننا مجرد نجمة أخرى على العلم الأمريكي… نريد أن نشعر بالاستقلالية”.
(شارك في التغطية مات سيبتالنيك – إعداد دعاء محمد وبدور السعودي وشيرين عبد العزيز للنشرة العربية – تحرير سها جادو)