The Swiss voice in the world since 1935
موجز شخصي

سجّل الدخول لإضافة مواضيع إلى موجزك.

سجل الآن
قائمة المفضلة

سجّل الدخول لإضافة مقالات إلى قائمتك المحفوظة.

سجل الآن
أهم الأخبار
أهم الأخبار
نقاشات
أهم الأخبار
النشرة الإخبارية

عالمة سويسرية تطوّر وقودًا اصطناعيًّا لإزالة الكربون من السيارات والطائرات

تعمل أليسيا سيزاريني، المهندسة الكيميائية السويسرية، على تطوير بنزين اصطناعي «قابل للاستخدام المباشر» يمكن استخدامه في أي مركبة مزودة بمحرك احتراق داخلي.
تعمل أليسيا تشيزاريني، المهندسة الكيميائية السويسرية، على تطوير بنزين اصطناعي "جاهز للاستخدام" يمكن استخدامه في أيّ مركبة مزوّدة بمحرّك احتراق داخلي. Michele Andina / SWI swissinfo.ch

لعقود مقبلة، ستظلّ ملايين محركات الاحتراق الداخلي مستخدمة في تشغيل الآلات، والمركبات، والطائرات. وبدلَ استبدالها، تعمل مهندسة كيميائية سويسرية على تطوير بديل أقلّ تلويثًا، وقود اصطناعي يمكن استخدامه مباشرة في المحركات والبنية التحتية الحالية، دون الحاجة إلى أيّ تعديلات تقنية.

داخل مختبرها المتشعّب في المختبرات الفدرالية السويسرية لعلوم وتكنولوجيا المواد «إمبا» (Empa)، في دوبندورف، تملأ المكان أصداء شبكة أنابيب، ووحدات مصمّمة خصيصًا لمشروعها. هناك، تستعرض المهندسة الكيميائية، أليسيا تشيزاريني، النموذج الأولّي لوحدة إنتاج الوقود الاصطناعي، “إي-فيول” (E-fuel). وقد استغرق تطويره عامين.

وتطمح تشيزاريني إلى تحويل هذا الابتكار إلى مشروع تجاري يقدّم بديلًا عمليًّا للوقود الأحفوري التقليدي. وتقول: “لا تزال أنظمة كثيرة تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي. والفكرة هي توفير حلّ يُنتج محليًا، ويكون أقل تلويثًا للبيئة”.

وفي سويسرا، يستأثر قطاع النقل بنسبة 47% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربونرابط خارجي المرتبطة بالطاقة. أما عالميًا، فلا تتجاوز النسبة نحو 25%.ووفقًا لدراسة سويسريةرابط خارجي، ستظل نحو مليوني مركبة بمحركات الاحتراق الداخلي تجوب البلاد بحلول عام 2040. وعالميًّا، تتوقع “بلومبرغ” رابط خارجيأنّ 55% من المركبات ستظل تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي بحلول ذلك التاريخ.

ولا تقتصر الحاجة إلى بدائل الوقود الأحفوري على السيارات. فستعتمد القطاعات صعبةُ خفض الانبعاثات، كالطيران، بدرجة كبيرة على الوقود المتجدّد لإزالة الكربون على المدى الطويل.

وتصف تشيزاريني نهجها بالبسيط. وتقول: “الهدف هو تطوير حلّ يعمل مع المركبات والبنية التحتية الحالية، ويكون مستدامًا بيئيًا واقتصاديًا”.

ويشهد مجال أبحاث الوقود الاصطناعي نموًّا متسارعًا، لا سيّما في الصين، والولايات المتحدة، وأوروبا. ففي عام 2025، أدرج المرصد الدولي للوقود الاصطناعيرابط خارجي أكثر من 120 مشروعًا واسع النطاق في 28 دولة. ومع ذلك، لا يزال المجال في مراحله الأولى، ويتركّز نشاطه في عدد محدود من الجهات. لكنه ينتقل بوضوح من العمل التصوّري إلى المشاريع الصناعية التجريبية.

وتسعى سويسرا إلى ترسيخ مكانتها كمركز عالمي متقدّم للأبحاث، يجمع بين ثاني أكسيد الكربون، والهيدروجين الأخضر،   والكيمياء المبتكرة لإنتاج وقود منخفض الانبعاثات الكربونية.

وضمن هذا المسار، يركّز مشروع تشيزاريني على مجال متخصّص. فيبدأ بإنتاج بنزين”جاهز للاستبدال المباشر”، باستخدام محّفزات عالية الكفاءة في استهلاك الطاقة. وفي مرحلة لاحقة، تسعى الباحثة إلى توسيع التقنية لتشمل وقود الطائرات.

وفي المقابل، يتجه كثير من الباحثين والباحثات في هذا المجال مباشرة إلى تطوير وقود الطيران، أو إلى تقنيات إنتاج الوقود السائل باستخدام الطاقة الشمسية (Sun-to-Liquid).

بناء الهيدروكربونات على طريقة الليغو

داخل المختبر، ترفع تشيزاريني قارورتين فيهما سائل مائل إلى الصفرة. وتسأل مبتسمةً: “هل يمكنك ملاحظة الفرق؟”

تنبعث من القارورتين رائحة البنزين الحادة نفسها. لكن تحتوي إحداهما بنزينًا تقليديًا بدرجة أوكتان 95، بينما تحتوي الأخرى النسخةَ الاصطناعية التي طورتها.

ويكمن جوهر ابتكار تشيزاريني في عملية كيميائية تُعرف باسم “الأوليغومَرة”. وتحوّل هذه العملية جزيئات الإيثيلين أو البروبيلين إلى وقود سائل، يماثل البنزين التقليدي إلى حدٍّ كبير. ومن مزايا هذه العملية أيضًا إمكانية توسيع نطاق الإنتاج ليشمل مركبات الكيروسين، ما قد يفتح المجال مستقبلًا لإنتاج وقود للطائرات.

>> في هذا الفيديو القصير، تشرح الباحثة السويسرية، أليسيا تشيزاريني، طريقة صنع الوقود الاصطناعي الذي طوَّرته:

وتبدأ الدورة باستخلاص ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الحيوي أو من الغلاف الجوي، ثم تحويله إلى كحولات، مثل الميثانول والإيثانول. وبعد ذلك، يُزال الماء من هذه المركبات عبر تفاعل “نزع جزيئات الماء” (Dehydration). وبهذه الطريقة، تتحوّل المركبات الكحولية إلى الإيثيلين، والبروبيلين.

بعد ذلك، تُنقل هذه الغازات إلى مفاعل كيميائي. وهناك، يفكّك المحفِّز الجزيئات ويعيد تركيبها في سلاسل هيدروكربونية أطول. وهكذا، يتكوّن وقود اصطناعي يمكن استخدامه مباشرة في السيارات، والطائرات، وغيرها من الآلات.

وتقول: “نبدأ بجزيئات صغيرة جدًا، يمكن تشبيهها بقطع ليغو صغيرة. فعندما نستخدم الليغو، نبني نموذجًا ذا شكل محدّد انطلاقًا من تلك القطع. وينطبق الأمر نفسه على إنتاج الوقود. نبدأ بجزيئات صغيرة، ثم نجمعها في مزيج مصمَّم بعناية من جزيئات أطول. ويتولى المحفِّز هذه المهمّة بدقّة”.

المحفِّز السري

يشكّل المحفِّزُ المكوِّنَ السري في هذه التقنية. ولا تستطيع تشيزاريني الإفصاح عن الكثير بشأنه، سوى اختلافه عن المحفِّزات الأخرى. فهو يربط “لبنات البناء” الجزيئية بطريقة تنتج وقودًا بخصائص محدّدة سلفًا، ويمكن استخدامه مباشرةً، دون الحاجة إلى أي تعديلات في المحرك أو نظام الوقود.

وترى أنّ ذلك يمّثل ميزة تنافسية كبيرة. فقد أظهرت اختبارات مستقلة تحقيق وقودها الاصطناعي بالفعل رقم الأوكتان البحثي البالغ 95، المعيار المرجعي الرئيس للبنزين الخالي من الرصاص المستخدم في معظم السيارات. كما تشير التقديرات الأوّلية إلى أنه قد يصبح منافسًا للبنزين الأحفوري من حيث التكلفة، عند إنتاجه على نطاق صناعي.

أظهرت الاختبارات المستقلة أن الوقود الاصطناعي الذي طورته يصل بالفعل إلى رقم أوكتان بحثي (RON) يبلغ 95، وهو معيار رئيسي للبنزين الخالي من الرصاص القياسي.
أظهرت الاختبارات المستقلّة وصول الوقود الاصطناعي الذي طوّرته، بالفعل إلى رقم أوكتان بحثي يبلغ 95، المعيار الرئيسي للبنزين الخالي من الرصاص القياسي. Michele Andina / SWI swissinfo.ch

وتوضح قائلة: “ليست هناك حاجة إلى إجراء تعديلات مكلفة على المحركات أو المركبات. فما عليك سوى استبدال الوقود الأحفوري، وسيعمل المحرك بالكفاءة نفسها”.

ورغم وصف مختبر إمبا (Empa) هذا الوقود بالصديق للمناخ، لم تكتمل البيانات الدقيقة الخاصّة بانبعاثاته بعد. ولذلك، لا يزال تحديد مقدار الخفض الفعلي في الانبعاثات مبكّرًا.

وتوضّح تشيزاريني قائلة: “يعتمد مقدار خفض الانبعاثات على مصدر ثاني أكسيد الكربون المستخدم في إنتاج الوقود. فمن الناحية النظرية، قد يصل الخفض إلى 100%. أما في التطبيقات العملية، فمن المرجّح تراوحه بين 90 و 95%”.

ويرى يورغ زاور، الباحث الألماني البارز في مجال الوقودرابط خارجي، أن مشروع تشيزاريني “يكتسب أهمية خاصة”. وفي حديثه مع سويس إنفو (Swissinfo)، يوضح تركيز معظم أبحاث “الأوليغومَرة” الحديثة على وقود الطيران المستدام. في حين ستظلّ أنواع الوقود الشبيهة بالبنزين ضرورية لتشغيل ملايين المركبات خلال السنوات المقبلة.

لكن يشدّد زاور، رئيس معهد أبحاث وتكنولوجيا التحفيز في معهد “كارلسروه” للتكنولوجيا (KIT)، على أنّ ضمان الالتزام الصارم بمعايير الجودة سيكون عاملًا حاسمًا في نجاح هذه التقنية.

استراتيجية تبدأ بقطاع الغابات

بدأت تشيزاريني أبحاثها في مجال الوقود الاصطناعي في المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ (ETH). وهناك، شاركت في مشاريع تُعنى بتطوير مواد كيميائية مستدامة، ووقود للطائرات. لكن دفعتها إجراءات الاعتماد الدولية الصارمة في قطاع الطيران إلى تعديل استراتيجيتها. ففي كثير من الأحيان، قد تستغرق هذه الإجراءات أكثر من عقد كامل. لذلك، قرّرت التركيز أولًا على إنتاج وقود للنقل البري، حيث تكون الموافقة أسرع وتخضع لتنظيم وطني.

وعلى مقربة من مختبرها، يعمل أيضًا نموذج تجريبي أكبر حجمًا، قادر على إنتاج نحو 10،000 لتر من الوقود الاصطناعي سنويًّا.

وبفضل حصولها على زمالة برنامج “إمبا” لريادة الأعمال (Empa Entrepreneur Fellowship)، تعمل الباحثة المنحدرة من كانتون تيتشينو، على توسيع نطاق المشروع وإطلاق شركة ناشئة.

وتعلّق مبتسمة: “يبدو أن أطروحة الدكتوراه تحولت إلى شركة. إنه أشبه بتعلّم لغة جديدة.”

وستبدأ التطبيقات الأولى لهذا الوقود المستدام في قطاع الغابات، لحاجة آلياته ومعدّاته إلى كميات محدودة من الوقود. كما تتيح طبيعة تشغيل معدّاته اختباره في ظروف يمكن التحكّم فيها، ما يجعل تقييم أدائه قبل طرحه على نطاق واسع أكثر سهولةً. أما المرحلة التالية، فستتمثل في رفع الإنتاج إلى مليون لتر سنويًّا، تمهيدًا للانتقال إلى الإنتاج الصناعي التجاري.

المجهولات المجهولة

ويقرّ قسم البحث في “إمبا” بأن توسيع نطاق الإنتاج وطرح هذا الوقود في الأسواق سيمثل تحديًا كبيرًا. إذ قد تظهر عقبات لم تكن في الحسبان، عند الانتقال من المختبر إلى الإنتاج الصناعي.

وتقول ناتالي كاساسرابط خارجي، رئيسة قسم الطاقة والتنقّل والبيئة في “إمبا”: “عند الانتقال إلى الإنتاج واسع النطاق، قد تظهر مشكلات لم تكن في الحسبان. وهذا نسميه “المجهولات المجهولة”، أي التحديات غير المتوقّعة التي لا يمكن استشرافها مسبقًا”.

ويتفق زاور مع هذا الرأي. ويؤكد ضرورة ربط المرحلة التجريبية التالية بعملية إنتاج واضحة المعالم، تقوم على مدخلات دقيقة ومخرجات كيميائية محددة. وبذلك، يمكن الربط مباشرة بين ظروف التشغيل وجودة المنتج النهائي.

وسيتطلّب الانتقال إلى الإنتاج الصناعي استثمارات كبيرة، قد تصل إلى عشرات الملايين من الفرنكات السويسرية. لكن سيستفيد مشروع تشيزاريني الناشئ من تصاميم مفاعلات صناعية قائمة بالفعل، ما قد يساعد على خفض بعض تكاليف التطوير.

وتقول كاساس: “هناك جهات استثمارية كثيرة حول العالم مستعدّة لتمويل هذا النوع من التقنيات الصديقة للبيئة. لكن العالم يتغير، كما أصبحت بيئة الاستثمار أكثر صعوبةً وتعقيدًا مما كانت عليه”.

وترى أن الدور المحتمل لسويسرا يتمثّل في تطوير هذه الابتكارات، وتصديرها إلى العالم. وتضيف: “تتميّز سويسرا بقدرة كبيرة على الابتكار، وبشركات قادرة على تحويل هذه الابتكارات إلى منتجات تنافس في الأسواق العالمية. فليست مشكلة الوقود محلية، بل عالمية. وإذا تمكّنت سويسرا من مساعدة العالم على إزالة الكربون من الوقود، فستكون تلك إحدى أبرز نقاط قوتها”.

ويوافقها زاور الرأي، مؤكدًا منح هذه الأبحاث سويسرا فرصة لترسيخ ريادتها التقنية بفضل “أبحاثها الأساسية المتميزة والرائدة عالميًّا، والمقترنة بقدرتها على تحويل نتائج البحث العلمي إلى تطبيقات عملية”.

بيئة تنافسية

ورغم التحديات التي لا تزال تواجه المشروع، فإن تشيزاريني واثقة من أنّ الطلب على هذا الوقود والاستثمارات اللازمة لتطويره، سيواصل النمو. وتؤكد أن أمن الطاقة، إلى جانب الاستدامة، أصبح أحد أبرز الدوافع وراء الاهتمام بهذا النوع من الوقود، وهو توجُّه تشير إليهرابط خارجي باستمرار الوكالة الدولية للطاقة (IEA).

وتقول: “تزداد الحاجة الملحّة إلى استبدال الوقود الأحفوري، ما يدفع الجهات الصناعية والجهات الفاعلة في السوق، إلى استكشاف فرص هذا التوجه، وكيفية إقامة شراكات تعاون محتملة”.

فمتى سيتمكّن السائقون والسائقات أخيرًا من شراء هذا البنزين الصديق للمناخ والبيئة، من محطات الوقود السويسرية؟

وتجيب مبتسمة: “في أقرب وقت ممكن”. ثم تضيف أنّ هدفها هو خفض الانبعاثات ابتداءً من اليوم، قائلةً: “في كلّ مرة نملأ فيها خزانات الوقود، نستخدم الوقود الأحفوري. وهذا ما نريد تغييره”.

تحرير: غابي بولار وفيرونيكا دي فور

ترجمة: جيلان ندا

مراجعة: ريم حسونة

التدقيق اللغوي: لمياء الواد

قراءة معمّقة

الأكثر مناقشة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية