وقود أخضر للطائرات: رهان سويسري باهظ الكلفة
تسعى شركة سويسرية ناشئة إلى إنتاج وقود طائرات أنظف من الميثانول المتجدّد. ورغم الاهتمام المتزايد بهذه التقنية، يبقى التحدي الأكبر هو إنتاج الوقود المستدام بكميات كافية وكلفة معقولة.
في الشهر الماضي، افتتح معهد بول شيرر (PSI) وشركة «ميتافيولز» (Metafuels) السويسرية الناشئة، في حرم المعهد بمدينة فيليغن بكانتون أرغاو، أول محطة تجريبية في العالم لتحويل الميثانول إلى وقود للطائرات.
وخلال حفل الافتتاح، قال سوراب كابور، الرئيس التنفيذي لشركة «ميتافيولز»: «يُعدّ وقود الطيران المستدام أهمّ وسيلة متاحة لنا لخفض انبعاثات الكربون في قطاع الطيران».
ويحوّل المصنع التجريبي الميثانول المتجدّد، المصنوع من الهيدروجين الأخضر وثاني أكسيد الكربون المحتجز، إلى وقود اصطناعي للطائرات. وقد حصل الوقود المنتج مؤخرًا على اعتماد لاستخدامه في قطاع الطيران، ويمكنه خفض الانبعاثات على امتداد دورة حياته، أي عند احتساب المراحل المختلفة لإنتاجه واستخدامه .
ويمكن لهذه التقنية خفض انبعاثات قطاع الطيران بنسبة تصل إلى 90% مقارنة بالكيروسين الأحفوري، كما يمكن استخدام الوقود الناتج عنها في الطائرات الموجودة حاليًا.
وحاليًا، لا ينتج المصنع سوى 50 لترًا يوميًا، مقارنة بنحو 4،000 لتر تستهلكها رحلة جوية بين لندن وزيورخ. لكن تأمل «ميتافيولز» إثبات المحطة جدوى التقنية، بما يساعدها على جذب التمويل اللازم لإنشاء منشآت أكبر.
وحتى وقت قريب، كان استخدام وقود الطائرات الاصطناعي مقتصرًا إلى حد كبير على المختبرات. أما اليوم، فقد بدأت أنواع معتمدة منه تدخل مجال الطيران التجاري.
وهذا يعني أنّ التحدي الأكبر الذي تواجهه الصناعة لم يعد إثبات فعالية التكنولوجيا، بل إنتاج الوقود بالكميات المطلوبة، وفي الوقت المناسب، وبتكلفة مقبولة.
لماذا النهج السويسري مختلف؟
يسهم قطاع الطيران بنحو 2 إلى 3% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية، ويُعدّ من أسرع مصادر انبعاثات غازات الدفيئة نموًا. ونظرًا إلى عدم إمكانيّة تشغيل الرحلات الجوية الطويلة بالكهرباء حتى الآن، يُنظر على نطاق واسع داخل قطاع الطيران إلى وقود الطيران المستدام (SAF)، ولاحقًا إلى الوقود الإلكتروني الاصطناعي مثل ذلك الذي تنتجه «ميتافيولز»، باعتباره من المسارات الرئيسية لخفض الانبعاثات. ويمكن لهذا الوقود الإسهام بما يصل إلى 65% من التخفيضات المطلوبة بحلول عام 2050.
وبحسب المنتدى الاقتصادي العالمي، تتصدر الولايات المتحدة نشر هذه التقنيات تجاريًا. بينما تعمل الصين على توسيع قدراتها بسرعة. في حين تحتل أوروبا موقعًا رياديًا في الابتكار المدفوع بالسياسات في مجال الوقود المتقدم.
ويمكن إنتاج وقود الطيران المستدام من مصادر متنوعة. ويأتي أكثر من 80% منه حاليًا من الزيوت والدهون المستعملة. لكن دفعت محدودية هذه الموارد إلى زيادة الاهتمام بوقود الطيران المستدام الإلكتروني (e-SAF)، المصنوع باستخدام الكهرباء المتجددة، والهيدروجين، وثاني أكسيد الكربون المحتجز.
وتجمع «ميتافيولز» بين الهيدروجين الأخضر، المُنتج عبر التحليل الكهربائي للماء باستخدام الطاقة المتجددة، وثاني أكسيد الكربون الملتقط من مصادر بيولوجية، مثل النباتات والخشب والنفايات أو مباشرة من الهواء، لإنتاج الميثانول الأخضر.
بعد ذلك، تُستخدم عملية تحفيزية لتحويله إلى كيروسين اصطناعي مطابق كيميائيًا لوقود الطائرات التقليدي.
وتقول كامي موتريل، خبيرة الطيران النظيف في منظمة «النقل والبيئة» غير الحكومية، التي تتخذ من بروكسل مقرًا لها، يتميّز وقود الطائرات المصنوع من الميثانول بإمكانية إنتاجه باستخدام الهيدروجين المتجدد، وثاني أكسيد الكربون المحتجز.
وهذا يعني عدم اعتماده على موارد محدودة، مثل الزيوت المستعملة أو المحاصيل الزراعية، ما يتيح، من حيث المبدأ، إمكانية إنتاجه على نطاق أوسع.
وقالت موتريل لسويس إنفو: «ليس تحويل الميثانول إلى وقود للطائرات حلًا سحريًا». لكنها تراه يمثل إحدى أكثر تقنيات الوقود الإلكتروني الواعدة لمساعدة قطاع الطيران على خفض انبعاثاته على المدى الطويل.
هل سيتمكن الإنتاج من مواكبة الطلب؟
تعمل «ميتافيولز» على إنشاء أول مصنع صناعي لها في ميناء روتردام الهولندي، بهدف إنتاج عشرة أطنان من الوقود يوميًا بحلول عام 2028، ثم رفع الإنتاج إلى 1،000 طن يوميًا بحلول منتصف العقد المقبل.
وبحلول عام 2050، من المتوقع أن يتطلب تحقيق هدف الوصول بقطاع الطيران إلى صافي انبعاثات صفري نحو 500 مليون طن من وقود الطيران المستدام سنويًا. ويقول الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا)، في غياب حوافز أقوى، من غير المرجّح تمكُّن المعروض من مواكبة الأهداف المناخية للقطاع.
ومن المتوقّع ألا يتجاوز الإنتاج العالمي 2،4 مليون طن في عام 2026. ووصف ويلي والش، المدير العام للاتحاد الدولي للنقل الجوي، أحجام الإنتاج في يونيو الماضي بأنها «مخيبة للآمال». إذ لا تزال أقل بكثير مما هو مطلوب لخفض انبعاثات الكربون من السفر الجوي.
وأرجع ذلك إلى ضعف السياسات الحكومية، وعدم كفاية استثمارات شركات النفط الكبرى.
ويحذر خبراء أيضًا من عدم وصول مشاريع عديدة معلن عنها إلى مرحلة الإنتاج أصلًا.
ويقول أليساندرو مارتولي: «من إجمالي طاقة إنتاج الوقود الصلب المُعلن أنها ستكون جاهزة للتشغيل بحلول نهاية عام 2026، أظهر تحليلنا الأخير اكتمال 24% منها فقط، في حين أُوقف 26% منها أو أُلغي».
وقال الباحث في اقتصاديات البيئة بجامعة هاسيلت لسويس إنفو، لا يُعد الإعلان عن المشاريع مؤشرًا موثوقًا على حجم الإمدادات المستقبلية، لعدم دخول العديد منها مرحلة التنفيذ أصلًا.
ويتوقف نجاح «ميتافيولز» أيضًا على قدرتها على تجاوز التحديات الأوسع المواجِهة للقطاع، وفي مقدمتها ارتفاع تكاليف الإنتاج والتمويل، والحصول على الطاقة المتجددة والمواد الأولية.
عقبات متعددة
لا يزال التوسع في استخدام وقود الطيران المستدام مقيدًا بارتفاع التكلفة، وضخامة احتياجاته من الطاقة والموارد. وحاليًا، يتراوح سعر هذا الوقود بين ضعفين وستّة أضعاف سعر الكيروسين الأحفوري، بحسب طريقة إنتاجه.
ويتطلب إنتاج الوقود الاصطناعي كميات هائلة من الكهرباء المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والمياه، وثاني أكسيد الكربون. ويشير تقرير صادر عن شركة الاستشارات «إرنست ويونغ» (EY) عام 2025، إلى ضرورة استثمار ما بين تريليون و1،5 تريليون دولار في إنتاج الوقود الاصطناعي المستدام بحلول عام 2050، للوصول إلى الحياد الكربوني.
وفي رأي موتريل لا يكمن أكبر عائق في التكنولوجيا نفسها، بل في ضعف التزام كبار موردي الوقود ومورِّداته.
وقالت: «من الواضح امتلاك قطاع النفط والغاز رأس المال اللازم. وهناك أكثر من 40 مشروعًا صناعيًا مخططًا له في أوروبا في مجال الوقود الإلكتروني المستدام. ومع ذلك، لم يصل أي منها إلى قرار الاستثمار النهائي».
وأضافت، كان موردو الوقود ومورداته، الملزمون بحصص محددة بموجب لائحة «ReFuelEU» التابعة للاتحاد الأوروبي، بطيئين وبطيئات في إبرام اتفاقيات شراء طويلة الأجل. وهي اتفاقيات ضرورية لمنح المستثمرين والمستثمرات الضمانات اللازمة للمضي في هذه المشاريع.
ويشير مارتولي إلى عقبات أخرى، منها ارتفاع تكاليف المشاريع، وضعف القدرة التنافسية لتقنيات الوقود الاصطناعي، ونقص المواد الأساسية، مثل الهيدروجين الأخضر منخفض التكلفة وثاني أكسيد الكربون من مصادر حيوية.
هل يسبق التنظيم الواقع؟
بدأت أكثر من 100 شركة طيران استخدام وقود الطيران المستدام. وحاليًا، تستخدمه الخطوط الجوية الدولية السويسرية (SWISS) بنسبة 0،9% من إجمالي استهلاكها. وهو مُنتج بالكامل من مخلفات بيولوجية، مثل زيوت الطهي المستعملة.
ولضمان الإمدادات المستقبلية، أبرمت «سويس» شراكات مع «ميتافيولز»، و«سينهيليون» (Synhelion). وهي شركة منبثقة عن المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ ومتخصصة بدورها في إنتاج الوقود الاصطناعي المستدام.
وقال ينس فيهلينغر، الرئيس التنفيذي لشركة «سويس»، للحضور خلال حفل افتتاح منشأة «ميتافيولز» ومعهد بول شيرر: «بصفتنا عملاء، نحن جاهزون وجاهزات تمامًا، ويمكننا إحداث تغيير جذري غدًا إذا توفرت كميات كافية من الوقود المستدام بالسعر المناسب».
المزيد
شركة سويسرية تريد تشغيل الطائرات باستخدام وقود صديق للبيئة
وبموجب قوانين الاتحاد الأوروبي، يتعين على شركات الطيران زيادة استخدام وقود الطيران المستدام تدريجيًا، لتصل نسبته إلى 70% بحلول عام 2050. وقد واءمت سويسرا قانونها المعدل بشأن ثاني أكسيد الكربون مع الأهداف نفسها.
ويخشى بعض المراقبين والمراقبات في قطاع الطيران فرضَ الجهات التنظيمية خفض انبعاثات الكربون بوتيرة أسرع من قدرة الإنتاج على مواكبتها، ما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار تذاكر السفر.
وتقول ماري أوينز تومسن، نائبة الرئيس الأولى للاستدامة وكبيرة الاقتصاديين والاقتصاديات في الاتحاد الدولي للنقل الجوي: «أهداف المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي لعام 2030 بشأن وقود الطيران المستدام الإلكتروني غير واقعية على الإطلاق».
يأتي مشروع وقود الطيران المستدام الإلكتروني الذي تطوره «ميتافيولز» في معهد بول شيرر بعد سنوات من العمل، ويواصل مسارًا سبق أن سلكته شركة «سينهيليون» (Synhelion) السويسرية الناشئة والمتخصصة فيه، والمنبثِقة من أبحاث أُجريت في المعهد التقني الفدرالي العالي في زيورخ (ETH Zurich).
وتسعى سويسرا إلى ترسيخ مكانتها مركزًا متقدمًا لأبحاث الجيل الجديد من الوقود، مستفيدة من التمويل المتاح ومؤسساتها البحثية الرائدة. وقد حصلت «ميتافيولز» على تمويل بقيمة 4،4 مليون فرنك من المكتب الفدرالي السويسري للطاقة.
وبموجب قانون ثاني أكسيد الكربون الجديد، خصصت الحكومة السويسرية 390 مليون فرنك حتى عام 2030 لدعم مشاريع مستقبلية تهدف إلى خفض انبعاثات غازات الدفيئة في قطاع الطيران، مع التركيز على وقود الطيران الاصطناعي المتجدد.
وتقول فرانسين زيمرمان، المديرة العامة للمكتب الفدرالي السويسري للطيران المدني (FOCA): «لن تكون سويسرا منتجًا لكميات كبيرة من وقود الطيران المستدام. لكننا المكان الذي تُبتكر فيه هذه التكنولوجيا، وتُخفّض مخاطرها، ثم تُصدَّر. وهذا يخلق قيمة مناخية واقتصادية».
ويشير الاتحاد الدولي للنقل الجوي إلى حاجة الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، إلى نحو 0،6 مليون طن من هذا الوقود بحلول عام 2030. بينما لا تتجاوز الطاقة الإنتاجية الحالية، سواء التشغيلية أو قيد الإنشاء، 0،02 مليون طن.
وقال مارتولي: «بالنسبة إلى الجزء غير الإلكتروني من متطلبات وقود الطيران المستدام التي يفرضها الاتحاد الأوروبي، قد تكون القدرات الإنتاجية المعلنة كافية، من حيث المبدأ، بحلول عام 2030». لكن لا يزال وقود الطيران المستدام الإلكتروني مصدر قلق كبير. فمع وصول نسبة ضئيلة فقط من مشاريع الإنتاج المقترحة في الاتحاد الأوروبي إلى مرحلة اتخاذ قرار الاستثمار النهائي، تصبح أهداف الإمدادات المستقبلية مهددة.
ورغم هذه المخاوف، لا تزال الأهداف، في رأيه، قابلة للتحقيق إذا عملت الحكومات على تقليص مخاطر الاستثمار، وقدمت دعمًا طويل الأجل، ووفرت قدرًا أكبر من الاستقرار للمستثمرين والمستثمرات، كما فعلت سابقًا مع طاقتي الرياح والشمس.
ويقول الاتحاد الدولي للنقل الجوي، سيتطلّب تسريع اعتماد وقود الطيران المستدام عملًا منسقًا لتوسيع إنتاج الطاقة المتجددة وإمدادات المواد الأولية اللازمة له، وضمان الوصول المفتوح إلى بنيته التحتية ، وتعزيز أطر السياسات والاستثمار، فضلًا عن إنشاء سوق عالمية له.
ومع ذلك، لا يزال هذا الوقود محدود الانتشار. ولن تكون التكنولوجيا وحدها، في رأي بعض الخبراء، كافية لمواكبة النمو المتواصل في السفر الجوي.
وقال ماركو رانوكياري، رئيس قسم تكامل أنظمة الطاقة في معهد بول شيرر: «أظهرت دراساتنا في المعهد أنّ وقود الطيران المستدام لن يكون كافيًا؛ علينا تقليل عدد الرحلات الجوية أيضًا».
ومع تسابق شركات مثل «ميتافيولز» لزيادة إنتاج الوقود الاصطناعي، ستكشف السنوات القليلة المقبلة ما إذا كانت السياسات، والتكنولوجيا، والاستثمارات قادرة على سد الفجوة بين الطموحات المناخية وواقع النمو المتواصل في قطاع الطيران.
تحرير: غابي بولار/ فيرونيكا ديفور
المزيد
ترجمة من الإنجليزية: عبد الحفيظ العبدلّي
التدقيق اللغوي: لمياء الواد
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.