الملاحة في القطب الشمالي: ماذا بعد ذوبان الجليد البحري؟
يكتسب القطب الشمالي أهمية متزايدة بوصفه مسارًا بديلًا للملاحة التجارية، بعدما أسهم تغير المناخ في ذوبان الجليد البحري وفتح المجال أمام حركة السفن. ويأتي ذلك في وقت تبحث فيه شركات الشحن العالمية عن مسارات بحرية بديلة، في ظل الأزمة المستمرة في الشرق الأوسط. فهل تُسرّع حركة السفن المتزايدة ذوبان الجليد في القطب الشمالي؟ هذا ما تبحث فيه دراسة سويسرية حديثة.
في الأصل، كانت جوليا شمالي وبنيامين هوتي يعتزمان دراسة موضوع مختلف. فقد انصبّ اهتمام الأستاذة في المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان (EPFL) وطالب الدكتوراه، على الجسيمات والقطيرات الطبيعية العالقة في هواء القطب الشمالي. وسعى كلاهما إلى فهم كيفية تكوّنها، وحركتها، وتأثيرها في تشكّل السحب، وانعكاسات ذلك على المناخ.
ولهذا الغرض، أمضى فريق البحث عامًا كاملًا على متن سفينة أبحاث في المحيط المتجمد الشمالي. لكنه واجه مشكلة تمثلت في عوادم السفينة، وما تحمله من جسيمات دقيقة ناتجة عن الاحتراق وتظل عالقة في الهواء. فمعظم الوقت، كانت الرياح تهب من الاتجاه نفسه، فتدفع هذه العوادم مباشرة نحو أجهزة القياس.
وقالت جوليا شمالي: «اعتقدنا أن أمامنا فرصة لا تتكرر كثيرًا. فالأمر أشبه بتجربة يمكن التحكم في ظروفها». ويعود ذلك إلى أنّ تلوث الهواء في القطب الشمالي يكاد ينعدم حاليًا خلال فصل الصيف. وهو ما أتاح للفريق دراسة تأثير الجسيمات الدقيقة، والملوثات المنبعثة من سفينة واحدة في تكوّن السحب بدقة.
وتؤدي السحب دورًا مهمًا في مناخ القطب الشمالي. فهي تعكس جزءًا من أشعة الشمس إلى الفضاء، وفي الوقت نفسه، تعيد جزءًا من الحرارة المنبعثة من الأرض نحو سطحها.
لكن لا يكون هذا التأثير بالدرجة نفسها دائمًا. وأوضحت شمالي أنّ السحابة كلما زاد محتواها من الماء السائل، أصبحت أشبه بـ«غطاء» يعيد جزءًا من الحرارة المنبعثة من الأرض نحو سطحها. وهذا ما يساعد على الاحتفاظ بالحرارة حتى في الظروف شديدة البرودة.
ولهذا، تؤثّر السحب المحتوية على قطرات ماء أكثر، بدلَ بلورات الجليد الصغيرة، بدورها في مدى ذوبان الجليد.
وبحسب التقديرات الأولية للفريق البحثي، يمكن لتأثير الملوّثات الصادرة عن سفينة واحدة فيها، ضمن نطاق يبلغ 100 متر، أن يؤدّي إلى زيادة ذوبان الجليد بنحو مليمتر واحد يوميًا. وذلك عندما تكون السحابة فوق الجليد.
أما إذا كانت السحابة فوق سطح الماء، فيحدث العكس تمامًا؛ إذ تعمل على تبريد المنطقة بدلًا من تدفئتها.
وتمثّل هذه الدراسة جزءًا صغيرًا من الصورة الأكبر، المتعلقة بكيفية تشكّل السحب وتأثيرها في المناخ. ولذلك، يظل نطاق الاستنتاجات الممكن استخلاصها منها محدودًا. ومع ذلك، يبقى السؤال الأوسع مهمًا، هل تؤثر عوادم السفن في القطب الشمالي في تكوّن السحب، وبالتالي في ذوبان الجليد؟
المسار الملاحي عبر القطب الشمالي يجذب اهتماما متزايدا
يتراجع الجليد البحري الصيفي في القطب الشمالي بنحو 13% كل عقد منذ تسعينات القرن الماضي، وفقًا لمعهد ألفريد فيغنررابط خارجي. وتشير بيانات الأقمار الاصطناعية إلى أن القطب الشمالي قد يشهد أول صيف خالٍ من الجليد بحلول عام 2030رابط خارجي.
ومع استمرار هذا التراجع، تتحول المسارات صعبة الإبحار فيها في الماضي، تدريجيًا إلى طرق نقل بحرية تكتسب أهمية متزايدة في حركة الملاحة العالمية.
ووفقًا لمجلس القطب الشمالي، زادت حركة الملاحة البحرية في المنطقة بنسبة 40%رابط خارجي خلال الـ12 عامًا الماضية. وتسعى دول عدة إلى استكشاف المسارات البحرية الجديدة تمهيدًا لاستخدامها على نطاق أوسع في المستقبل. وفي مقدمة هذه الدول الصين، التي تعتبر المنطقة القطبية الشمالية جزءًارابط خارجي من «مبادرة الحزام والطريق» الخاصة بها. كما تسعى بكين، في إطار استراتيجيتها للمناطق القطبية حتى عام 2035، إلى ترسيخ موقعها بوصفها رابط خارجيرابط خارجي«دولة قريبة من القطب الشمالي»رابط خارجي.
وقال أناستاسيوس ليونبورغ، القبطان السابق والمستشار الحالي للمخاطر البحرية لدى شركة «أليانز» للتأمين في ألمانيا: «تريد الصين أن تصبح القوة الرائدة في القطب الشمالي».
ولهذا الغرض، تعمل الصين منذ سنوات على تعزيز حضورها في المنطقة؛ إذ تتمتع بصفة مراقب في مجلس القطب الشمالي منذ عام 2013، كما توسّع شراكتها مع دول المنطقة القطبية الشمالية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك روسيا، حيث تستثمر الصين في مشروع منشأة الغاز الطبيعي المسال «يامال إل إن جي» (Yamal LNG)، الواقعة في شبه جزيرة يامال.
ومن جانبها، أعلنت روسيا عزمها استثمار400 مليار دولار أمريكيرابط خارجي في البنية التحتية على امتداد الممر القطبي الممتدّ بمحاذاة سواحلها ويربط أوروبا بشرق آسيا.
ولا يقتصر الاهتمام بالقطب الشمالي بوصفه طريقًا تجاريًا مستقبليًا على الصين وروسيا. ففي أغسطس الماضي، أرسلت كوريا الجنوبية أول سفينة تجارية في رحلة تجريبيةرابط خارجي عبر المنطقة القطبية الشمالية.
الجغرافيا السياسية ترسم أيضًا ملامح مستقبل القطب الشمالي
لا يعود ذلك إلى كون منطقة القطب الشمالي أصبحت أكثر قابلية للملاحة التجارية خلال أشهر الصيف بسبب ذوبان الجليد فقط. بل يرتبط ذلك أيضًا بالوضع الجيوسياسي الراهن، بحسب ليونبورغ، الذي يضيف: « يشكّل ما يحدث في مضيق هرمز ومضيق باب المندب، عاملًا محفزًا لزيادة عدد السفن المارّة عبر القطب الشمالي».
وفي سبتمبر 2026، سيطرت جماعة الحوثي على مدينة المخا اليمنية القريبة من مضيق باب المندب، ما زاد المخاوف من احتمال إغلاق هذا الممر البحري الحيوي للتجارة العالمية. وقبل ذلك، كان الحوثيون قد هاجموا سفنًا مرتبطة بالسعودية. وقال ليونبورغ: «ولهذا تختار بعض السفن الطريق الأطول حول إفريقيا».
وبالمقارنة، يمكن للمرور عبر القطب الشمالي قصر مدة الرحلة بين شرق آسيا وأوروبا إلى النصف، بحسب ليونبورغ، ما يجعله مسارًا جذابًا لشركات الشحن. فاختصار المسافة لا يوفر الوقت والوقود فحسب، بل قد يخفّض أيضًا ما تدفعه الشركات من رسوم أو ضرائب مرتبطة بالانبعاثات. إذ يتعين على السفن التي ترسو في موانئ الاتحاد الأوروبي شراء شهادات تغطي انبعاثاتها من ثاني أكسيد الكربون. كما أقرت المنظمة البحرية الدولية (IMO) في أبريل 2025، حدًا أدنى للضريبة على هذه الانبعاثات في قطاع الشحن البحري العالمي. ومن المقرر دخول القرار حيز التنفيذ عامَ 2028 على أقرب تقدير.
لكن يتأثّر سباق الاستفادة من المسار القطبي أيضًا بعامل جيوسياسي آخر، هو الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية المفروضة على روسيا. وقال ليونبورغ: «قبل عام 2022، كانت شركات الشحن الأوروبية هي المختبِرة لهذا المسار في الغالب»، أما الآن فتواجه مشكلة. فإذا تعطلت إحدى السفن أو احتاجت إلى كاسحة جليد أثناء الرحلة، فسيكون عليها الحصول على هذه الخدمة من روسيا المجاورة، وهو أمر غير ممكن بسبب العقوبات. وبذلك، قد تمنح العقوبات الغربية الصين ميزة تنافسية.
المزيد
سويسرا تتحرّك لمنع صراع علمي في القطب الشمالي وسط تصاعد توتر عالمي
وتتباين التقديرات بشأن مستقبل حركة الملاحة في القطب الشمالي. وقال أريل مو، من معهد «فريتيوف نانسن» النرويجي، المتخصص في دراسة قطاع الطاقة الروسي والملاحة في القطب الشمالي، لا تزال أجزاء واسعة من طريق بحر الشمال مغطاة بالجليد معظم أشهر السنة، ولا تصبح صالحة للملاحة التجارية إلا خلال فترة محدودة من الصيف. و«بصورة عامة، لا يزال القطب الشمالي يمثل جزءًا صغيرًا فقط من حجم التجارة العالمية».
ويرى إمكانية ازدياد أهمية القطب الشمالي للملاحة التجارية على المدى الطويل، لكنه يشدّد: «في الوقت الراهن، تظلّ أي توقعات في هذا الشأن مجرد تكهنات». ويضيف أنّ ذوبان الجليد، بالنسبة إلى روسيا، يثير مخاوف أمنية أيضًا، لجعله سواحلها الشمالية أكثر انكشافًا وعرضة للخطر.
أما ليونبورغ، فيبدو أكثر تفاؤلًا بمستقبل المسار الملاحي عبر القطب الشمالي. وقال: «لا أريد أن أبدو مفرطًا في التفاؤل، لكن الملاحة البحرية نشاط تجاري. وإذا رأت شركات الشحن أنّ شركات أخرى تستخدم مسار القطب الشمالي بصورة متزايدة، فستحاول هي الأخرى فعل الشيء نفسه حتى تظل قادرة على المنافسة».
أثر الملاحة في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لا يزال غير واضح
لا يبشّر تزايد حركة السفن بخير بالنسبة إلى تلوث الهواء في القطب الشمالي، شأنه في ذلك شأن أثر الملاحة البحرية العالمية في المناخ. ومع ذلك، من المشكوك فيه أن تكون لزيادة عوادم السفن في القطب الشمالي آثار كبيرة في ذوبان الجليد القطبي. وفي رأي كريستيان هاس، رئيس قسم فيزياء الجليد البحري في معهد «ألفريد فيغنر»، يظلّ تأثير الملاحة البحرية في ذوبان الجليد ضئيلًا.
لكنه يرى تركيز الدراسة التي أجراها باحثون وباحثات من المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان على تكوّن السحب، من نقاط قوّتها. وقال: «تؤدي السحب دورًا رئيسيًا في ذوبان الجليد بسبب تأثيرها في الإشعاع، لكنها في الوقت نفسه تمثّل أكبر مصدر لعدم اليقين».
ويرجع ذلك إلى صعوبة دراسة السحب؛ إذ لا تتحدد خصائصها بتركيبتها فحسب، بل بعوامل أخرى مثل ارتفاعها، فضلًا عن تغيّرها باستمرار. وقال هاس، يثير احتمال زيادة حركة الملاحة التجارية في القطب الشمالي قلقه، خصوصًا بسبب التلوث وما قد يترتب عنه من آثار في النظام البيئي. وأضاف: «كارثة ناجمة عن تسرّب نفطي، على سبيل المثال، ستكون عواقبها هنا أشد بكثير منها في مناطق أخرى، لأن التحلل الميكروبي يحدث بوتيرة أبطأ بكثير بسبب البرودة».
ومن ناحية أخرى، يرى إمكانية القول قد يؤدّي قِصر المسار الملاحي عبر القطب الشمالي إلى خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن الملاحة البحرية. وهو ما قد يكون إيجابيًا بالنسبة إلى المناخ العالمي. لكن من غير الواضح ما إذا كان ذلك سيحدث بالفعل، أم ستواصل حركة الملاحة البحرية الازدياد إجمالًا.
وبالمثل، لا تزال آثار كثيرة لتغير المناخ في القطب الشمالي غير مدروسة. ومنذ يوليو، عادت جوليا شمالي، من المعهد التقني الفدرالي العالي في لوزان، في مهمة بحثية تستمر ثمانية أشهر خلال الشتاء القطبي، لجمع العينات واستخلاص مزيد النتائج.
تحرير: بنيامين فون فيل
المزيد
نشرتنا الإخبارية المتخصصة في الشؤون الخارجية
ترجمة: أحمد محمد
مراجعة: عبد الحفيظ العبدلي
التدقيق اللغوي: لمياء الواد
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.