صانور المستوطنة التي يعود إليها إسرائيليون بعد عشرين عاما على تفكيكها
في منزله الجاهز المسبق الصنع في مستوطنة صانور في الضفة الغربية المحتلة، يقول مئير غولدمينتز إن العودة الى هذه المستوطنة هو “حُلم عمره عشرون عاما تحقّق”.
وتقع المستوطنة الإسرائيلية الصغيرة قرب قرى فلسطينية في شمال الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل منذ العام 1967. في العام 2005، فُكّكت مع ثلاث مستوطنات أخرى، بالإضافة إلى مستوطنات في قطاع غزة حين انسحبت منه إسرائيل. وتحمل عودة المستوطنين اليها دلالة رمزية كبيرة.
ويرى منتقدو التوسّع الاستيطاني أن هذه العودة مؤشر على تراجع جهود السلام وتقلل فرص إقامة دولة فلسطينية.
في المقابل، يرى غولدمينتز وجيرانه الذي يسكنون اليوم في بيوت بيضاء جاهزة (كرافانات) متشابهة، أن عودتهم للمستوطنة هو “تصحيح تاريخي”، مؤيدين بذلك العبارة التي أطلقها وزير المال اليميني المتطرف بتسلئيل سموطريتش.
ويقول غولدمينتز إن شقيق سموطريتش “يسكن في المنزل المجاور لنا”، وكذلك رئيس مجلس مستوطنات الضفة الغربية يوسي داغان الذي كان من بين من أُخرجوا من المستوطنة قبل 20 عاما.
وتمكّن صحافيو وكالة فرانس برس الأسبوع الماضي من الوصول إلى المستوطنة عبر مسلك ترابي يخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي الذي نصب حاجزا في منتصف الطريق.
وتعتبر المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي، ويتعامل المستوطنون بحذر مع وسائل الإعلام الأجنبية التي يرون أنها معادية لهم.
– “أرض يهودية” –
ويقول غولدمينتز، وهو معلّم في مدرسة يهودية والوحيد الذي وافق على التحدّث إلى وكالة فرانس برس، “لا أريد أن يعتقد الناس أنني شخص مميز، قصتي الشخصية لا تهم، القصة الحقيقية هي عودة الشعب اليهودي”.
عند الانسحاب من المستوطنة في العام 2005، لم يكن غولدمينتز يسكن هناك، لكنه انضم إلى التظاهرات التي نظمها مستوطنون متشدّدون يدعون إلى إقامة “إسرائيل الكبرى” حيث لا مكان للفلسطينيين ولا حتى لاسم فلسطين.
ولا يلفظ هذا المُدرّس ذو اللحية الكثيفة والذي يعتمر القلنسوة، كلمة فلسطينيين، بل يقول إن “العرب” لا مكان لهم في المنطقة.
وما زالت المستوطنة قيد الإنشاء، ويعكف العمال على تجهيز أعمدة الكهرباء، فيما تشقّ الجرافات الطريق، ويمتد شارع معبّد بمحاذاة نحو عشرة منازل جاهزة لونها أبيض.
خارج أبواب المنازل، دراجات هوائية لأطفال وغسيل منشور وأرجوحة معلقة وموقد شواء وألعاب.
أما المنازل من الداخل فهي بسيطة.
ويقول غولدمينتز إن مساحة المنزل “تسعون مترا مربعا”، مشيرا إلى أنه أصغر بكثير وأقل راحة من منزله السابق في مستوطنة أخرى.
ويعيش المستوطن مع زوجته وسبعة من أطفاله الثمانية، إذ إن ابنته الكبرى متزوجة، وتزيّن صورها بابي الثلاجتين الموجودتين في البيت.
لا توجد أي زينة على الجدران، فقط رفوف مليئة بالكتب الدينية، وبيانو مغطى بغطاء بلاستيكي، وأريكة.
من النافذة، يمكن رؤية بيوت حجرية وبساتين زيتون تغطي التلال المحيطة.
ويقول “كلها قرى عربية، لا أعرف لماذا هم هنا، هذه أرض يهودية”. على جدار مهجور في الجوار، كُتبت عبارات “فلسطين”، و”المقاومة ستعود”.
– نبش قبور الموتى –
في الضفة الغربية التي تتآكل مساحتها يوما بعد يوم جراء الاستيطان ومصادرة الأراضي، يعيش أكثر من نصف مليون إسرائيلي بين ثلاثة ملايين فلسطيني على أرض يطمح الفلسطينيون أن تكون دولتهم المستقبلية.
لكن المستوطنات والبؤر الاستيطانية والطرق الالتفافية حوّلتها إلى بقعة مجزأة من المناطق الخاضعة بدرجات متفاوتة للسيطرة الإسرائيلية، ما يضعف أكثر فأكثر إمكانية التوصل إلى حلّ تفاوضي قائم على حلّ الدولتين.
في السنوات الأخيرة، ارتفعت وتيرة المصادقة على مستوطنات جديدة بشكل كبير في ظل الحكومة الحالية برئاسة بنيامين نتانياهو التي تُعد من أكثر الحكومات يمينية في تاريخ إسرائيل.
وبحسب منظمة “السلام الآن” الإسرائيلية غير الحكومية، ارتفع عدد المستوطنات الجديدة التي نالت موافقة، من ثلاث فقط بين عامي 2013 و2022، إلى 54 مستوطنة في العام 2025، و34 أخرى منذ مطلع العام الحالي.
وقال وزير المال سموطريتش الشهر الماضي “نحن … ندفن فكرة الدولة الفلسطينية”.
ومع ذلك، يصرّ غولدمينتز على أن أحدا في المنطقة لا يُظهر العداء لهم.
ويستذكر كيف قام شبان فلسطينيون قبل أيام بمساعدته عندما تعطلت مركبته خارج المستوطنة.
لكن مقطع فيديو صوّره فلسطينيون في اليوم التالي لزيارة صحافيي وكالة فرانس برس يروي قصة مختلفة.
فعلى تخوم المستوطنة، داخل مقبرة قرية العصاعصة، يظهر رجال يحملون جثمانا مكفنا بالأبيض ويغادرون، وخلفهم مستوطنون يحملون بنادق على أكتافهم، إلى جانب جنود إسرائيليين.
وكان الجثمان لرجل مسنّ توفي في ذلك اليوم.
ويقول محمد عصاعصة، نجل المتوفى، لوكالة فرانس برس “بينما كنا ندفنه، بدأ المستوطنون من فوق باستفزازنا، لكننا لم نرد وأكملنا مراسم الدفن”.
ويضيف أنه بعد مغادرته للمكان، اتصل به الأهالي وأخبروه أن المستوطنين ما زالوا هناك قرب القبر.
وبحسب عصاعصة، فإنه وعندما عاد إلى المقبرة، وجد أن المستوطنين “نزلوا إلى المقبرة وبدأوا بنبش قبر الحاج”، أي والده.
تعليقا على هذا الحادث، قال الجيش الإسرائيلي في بيان إن مراسم الدفن كانت قد نُسقت مسبقا مع قوات الأمن.
وأضاف أنه لم يُصدر أي أوامر بإخراج الجثمان، مشيرا إلى أن قواته صادرت أدوات الحفر التي كانت بحوزة المستوطنين.
وأكد الجيش إدانته “لأي محاولة للتصرف بطريقة تمس بالنظام العام وسيادة القانون وكرامة الأحياء والأموات”.
لكن عصاعصة نقل جثمان والده وقام بدفنه في مقبرة ثانية في قرية مجاورة. ويقول “حتى اللسان عاجز… هذا حدث جلل”.
م د/جد/ها/خلص/رض