Navigation

Skiplink navigation

"إخوان مصر" .. بين الإقصاء والإدماج

رغم حجب الشرعية القانونية عن "الإخوان المسلمين" تمكن عدد من أعضائها من دخول البرلمان المصري في الفترات النيابية الأخيرة swissinfo.ch

وفقا للتوصيف الرسمي، فإن جماعة الإخوان المسلمين المصرية، أقدم الجماعات الدينية في مصر والمظلة الروحية لنظيراتها في العالم وأكثرها إثارة للجدل .. غير شرعية!

هذا المحتوى تم نشره يوم 30 سبتمبر 2004 - 15:46 يوليو,

ويعني هذا أنه لا يوجد غطاء قانوني لها، كما أنها تُـعـد في نظر الكثيرين من الباحثين فى شؤون النظام السياسي المصري جماعة "محجوبة عن الشرعية".

الفارق بين التعبيرين كبير. الأول، ينفي الحق في الوجود وفي العمل القانوني، والثاني، يعترف بالوجود الفعلي ويفترض أن الشرعية الشعبية موجودة، ولكن منزوع عنها قسرا أي أساس قانوني شكلي.

في كلتي الحالتين، فإن الجماعة تُـعد رقما صعبا في الحياة السياسية المصرية. فبالرغم من كل الضربات الأمنية على مدى خمسين عاما، والتي تعرّضت لها الجماعة، فما زالت موجودة من الناحية التنظيمية والواقعية، وبين الحين والآخر، يمكن لأعضاء منها أن يخترقوا كل القيود والمضايقات، وينالوا شرف تمثيل الأمة في مجلس الشعب المصري أو في مجلس نقابة مهنية أو جمعية أهلية ذات صيت.

ومثل هذا الوضع، يعني أن الجماعة ما زالت قادرة على المناورة، وعلى تجنيد أعضاء جدد ومن أجيال جديدة. وكثير منهم لا يُـظهر انتماءه للجماعة إلا في لحظات معينة محسوبة سياسيا أو نقابيا وبتعليمات عليا، وعادة ما يكون لخبر كهذا، وقع الصاعقة الكبرى على المحيطين الذين يجهلون انتماء العضو للجماعة من قبل.

هذا الوضع تُـدركه المؤسسات الرسمية باعتباره دليلا على أن الجماعة إذا ما رُفع عنها الحظر القانوني، وأتيح لها العمل بحرية، تستطيع أن تخترق وتُـهيمن على نسبة عالية من حركة الشارع السياسي، وبما يربك كل الخطط والسياسات إرباكا كاملا، ويضر بالمجتمع ككل، وفي المقدمة النخبة الحاكمة.

ولمدة طويلة مضت، كان التبرير الرسمي وما زال، لإبطاء الإصلاح السياسى بما يعنيه من تخفيف القيود على حركة الأحزاب وإجراء انتخابات برلمانية نزيهة، هو الخوف من قوى الظلام ـ في إشارة تعني الجماعة المحظورة ـ أن تُـسيطر على المؤسسات الرسمية كمجلس الشعب، ومؤسسات المجتمع المدني، كالنقابات والجمعيات الأهلية، إضافة إلى نسبة لا بأس بها من النشاط الاقتصادي، وهو تبرير يراه البعض يتضمّـن اعترافا غير مباشر بأن كل القوى والأحزاب الشرعية، بما فيها الحزب الحاكم والتيارات السياسية البديلة، لا تستطيع أن تجاري الحركة المحظورة، رغم كل القيود المفروضة عليها، وأن الأخيرة ما زال لها نفوذ كبير فى المجتمع.

تبريرات مضادة

هذا التبرير، ووفقا لمفردات السياسة المصرية، ليس مقبولا من كافة القوى السياسية. وهنا نلاحظ مؤيّـدين لإضفاء المشروعية القانونية على الجماعة ولكل منهم تبرير معين.

أحد التبريرات يرى أن تحفظات الدولة ورفضها قبول الجماعة كتيار سياسي شرعي نوع من المبالغة في قوة الجماعة، وهي مبالغة مقصود بها مخاطبة الولايات المتحدة والغرب، واستقطاب تأييدهم في كبت الجماعة وحظرها، باعتبارها تحمل فكرا إسلاميا متطرفا سوف يوجه سهامه إلى المصالح الغربية ككل، إذا ما تمكن من عملية صنع القرار. وفي المقابل، التغاضي عن شعارات حقوق الإنسان والإصلاح السياسي، وترك الحبل على الغارب بالنسبة للإجراءات الأمنية التي تُـتخذ بحق الجماعة وأعضائها.

ويقول التبرير الثاني، إن الإصلاح السياسي الحقيقي لن يكتمل إلا بإتاحة الحريات الأساسية لكل التيارات، بما فيها التيار الإسلامي، سواء عبرت عنه الجماعة أم غيرها من تنظيمات أخرى قد تنشأ فى المستقبل، وأن مثل هذا الوضع هو الاختبار الحقيقى لمدى إيمان النخبة الحاكمة بالإصلاح السياسي المنشود والمتكامل.

أما التبرير الثالث، فيرى أن إضفاء المشروعية القانونية على الجماعة المحظورة سوف يكون له أكثر من فائدة للوطن ككل. فمن ناحية سيؤدى بالجماعة إلى العمل السياسى المشروع بكل ما فيه من طرح برامج وليس مجرد شعارات فضفاضة، وأنه لن يكون بمقدورها حينئذ أن تدعي احتكار الإسلام أو تقديم الرؤية الوحيدة الصحيحة له، وأن عملها فى النور سيكشف حقيقة تغلغلها فى المجتمع، وسيضع كل ما تقوله أمام اختبار حقيقي على أرض الواقع، شأنها في ذلك شأن الأحزاب الأخرى.

كما أنه سيقود بالجماعة إلى تطوير فكرها، وعدم الانغلاق على تفسيرات لم تعُـد ذات صلة بالحياة الحديثة. باختصار سيؤدّي بالجماعة إلى التغيير الشامل، وأن تكون مجرّد حزب من بين أحزاب عديدة سوف تتنافس جميعها على نسبة محدودة جدا من التأثير على صنع القرار.

حزب واحد واتجاهان

المثير في الأمر، أن في بعض الأحزاب المشروعة قانونا، يوجد انقسام حول حق الجماعة في العمل القانوني، والمثل الأبرز هنا حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي يمثل وعاء لليسار المصري، الشيوعي سابقا والمناصر للديمقراطية والحريات حاليا.

ففي الحزب يقف رئيسه د. رفعت السعيد مناهضا بقوة لكل من يقول بحق الجماعة في الوجود الشرعي، ويرى أن الجماعة شأنها شأن الجماعات "المتأسلمة" تمثل خطرا عارما على المجتمع وعلى الدولة، وأنها هي التي أفرزت تنظيمات العنف الإسلامية بفكرها وشعاراتها الدينية المختلفة، وأنه لا يمكن لأحد أن يقبل سياسيا بمن يدعي احتكار الدين الصحيح، وينظر للآخرين نظرة شك في معتقداتهم الدينية.

وقد وصل السعيد بتحليلاته إلى حد التحذير من مغبّـة قيام تحالف بين الإخوان، رغم الحظر القانوني، والولايات المتحدة، لأن الأيدي تمتـد، كما يقول، بين الطرفين، ولأن الولايات المتحدة تريد حكومة إسلامية على النمط التركي، "يعني النمط الموالي لأمريكا وإسرائيل، ويسمح بقواعد أمريكية عسكرية، وحليف لإسرائيل ويسمح بمناورات عسكرية معها"، وهي وجهة نظر لا تجد التأييد الكامل من بعض قيادات الحزب الأخرى، والذين يؤيدون انفتاحا مدروسا على الجماعة، ويؤيدون حقها في العمل تحت مظلة القانون، ويعتبرون أنها تعبّـر عن تيار أصيل موجود في الوطن، غير قابل التشكيك فى وطنيته، رغم الاختلاف مع كل ما يطرحه سياسيا.

البحث عن نقطة ضوء

الجدل حول حق الجماعة في العمل العلني أو نفي هذا الحق، يمثل جانبا من الصورة، وهو الجانب الأهم الذي يرتبط بمستقبل الجماعة المحظورة من جهة، وبحالة الإصلاح السياسي المرتقبة في مصر من جهة أخرى.

كما أنه يثار في وقت لم تيأس فيه الجماعة من البحث عن نقطة ضوء في آخر النفق، كما يقال، نقطة ضوء تسمح لها بإثبات الذات وبالقدرة على خدمة الوطن من وجهة نظرها.

وعدم اليأس هذا يظهر في أكثر من ملمح. فالجماعة في سياق الأفكار والمبادرات الخاصة بالإصلاح الشامل في المنطقة لم تتوانَ عن طرح مشروع خاص بها تضمن عدة مبادئ لم تختلف في جوهرها عن مُـجمل ما يُـطرح بشأن الإصلاح في مصر والعالم العربي.

فبعد أن تم إقصاء الجماعة عن المشاركة في أعمال لجنة الدفاع عن الديمقراطية، التي تشكلت في أكتوبر 2003 بين عدد من الأحزاب والجمعيات الأهلية، طرحت الجماعة رؤيتها للإصلاح تحت عنوان "الإعلان الرئيسي لبرنامج الإخوان للإصلاح الشامل"، وتضمّـن شقين: تناول الأول "بناء الإنسان المصري"، وتناول الثاني "الإصلاح السياسي".

وفي مجال الإصلاح السياسي، أكّـد البرنامج على تمسّـك الجماعة "بنظام الدولة، نظاما جمهوريا، برلمانيا، دستوريا وديمقراطيا في نطاق مبادئ الإسلام". وأيّـد البرنامج دعوة الرئيس مبارك لإعداد ميثاق وطني ينظم العلاقة بين الأحزاب.

واقترحت الجماعة في برنامجها ميثاقا وطنيا تمثلت أهم بنوده في الإقرار التام بأن الشعب هو مصدر جميع السلطات، بحيث لا يجوز لأحد أو حزب أو جماعة أو هيئة أن تزعم لنفسها حقا في تولي السلطة أو الاستمرار في ممارستها، إلا استمدادا من إرادة شعبية حرة وصحيحة، والالتزام واحترام مبدأ تداول السلطة عبر الاقتراع العام الحر النزيه، والتأكيد على حرية الاعتقاد الخاص، وتأكيد حرية إقامة الشعائر الدينية لجميع الأديان السماوية المعترف بها، وتأكيد حرية الرأي والجهر به، والدعوة السلمية إليه في نطاق النظام العام والآداب العامة والمقومات الأساسية للمجتمع، وتأكيد حرية تشكيل الأحزاب السياسية، وألا تكون لأية جهة إدارية حق التدخل في هذا التشكيل، وأن تكون السلطة القضائية المستقلة هي المرجع لتقرير ما هو مخالف للنظام العام والآداب العامة أو المقومات الأساسية للمجتمع، وضرورة تمثيل الشعب عبر مجلس نيابي منتخب انتخابا حرا ولمدة محدودة، وإبعاد الجيش عن السياسة ليتفرغ للدفاع عن أمن الدولة الخارجي، وإلغاء قانون الطوارئ، وقانون الأحزاب، وغيرها من القوانين المقيدة للحريات.

ومع أن كثيرا من هذه النقاط، بغض النظر عن الصياغة اللفظية لبعضها، وردت في مشروعات ونداءات الإصلاح السياسي التي قالت بها الأحزاب المعارضة والمنظمات الأهلية ووثيقة مكتبة الإسكندرية، إلا أن بيان الإخوان وُوجِـه بانتقادات شديدة من قبل سياسيين محسوبين على الحكومة، وآخرين محسوبين على حزبي الوفد والتجمع المعارضين، وكان جوهر الانتقاد أن برنامج الجماعة المحظورة يغازل الولايات المتحدة، ويتماهى مع مطالبها لغرض في نفس يعقوب!

جهود في كل اتجاه

يتجلى عدم يأس الجماعة أيضا في تلك الجهود التي تبذلها الآن بُـغية المشاركة في أحد أمرين: إقامة جبهة بين الأحزاب المعارضة لغرض تعبئة الشارع وراء مطالب الإصلاح السياسي، وهى الجبهة التي تُـعرف باسم الأمانة العامة للقوى الوطنية المعارضة، أو التنسيق مع أحد الأحزاب المشروعة من أجل انتخابات البرلمان المقبلة في أكتوبر 2005، وكلا الأمرين يجدان معارضة وتحفظا قويا من حزبي الوفد والتجمع، بينما يميل الحزب العربي الناصري إلى إتاحة فرصة للحوار مع الجماعة والاستفادة من قدرتها على التأثير شفى جزء من المجتمع، وذلك جنبا إلى جنب، حسب قول ضياء الدين داوود رئيس الحزب، كل القوى والأحزاب السياسية، بما في ذلك التي لم تتم الموافقة على تأسيسها، والأحزاب التي صدرت قرارات بتجميدها، لأن استبعاد أي حزب، يضر بعمل هذا التجمع ولا يحقق أهدافه.

ولكن هذا الميل الناصري الذي يعكس اتفاقا استراتيجيا بين القوى القومية والقوى الإسلامية على مواجهة الضغوط الخارجية، يبدو أقل كثيرا من القدرة على إقناع الأحزاب الأخرى التي ترفض فتح أي نافذة للحوار مع الجماعة، في الوقت التي تنتظر ما سيقدمه الحزب الوطني الحاكم من تسهيلات بشأن الانتخابات المقبلة، جنبا إلى جنب الحوار معه بعد قراراته الأخيرة بشأن الإصلاح السياسي، وتغيير بعض القوانين المتعلقة بالأحزاب والانتخابات.

التفافا على هذه العقبات من قبل الأحزاب القانونية، وجدت الجماعة ضالّـتها في التوافق مع عدد من قوى المعارضة التي لم تنتظم بعد في صورة حزب قانوني، من بينهم جماعة الاشتراكيين الثوريين، وحركة 20 مارس، والحزب الشيوعي المصري، وحزب الغد، وحزب الكرامة تحت التأسيس، وغيرهم وعدد من المثقفين ومنظمات المجتمع المدني، حيث شكّـلوا معا ما يسمى بـ "الحملة الشعبية من أجل التغيير"، والتي أصدرت بيانا بعنوان "لا للتجديد لا للتوريث.. نعم لانتخاب رئيس الجمهورية بين أكثر من مرشح".

مثل هذه التحركات هنا وهناك، تقول إن الجماعة أكثر تصميما على تجسيد نوع من الشرعية الشعبية، لعلها تُـفيد في جلب شرعية قانونية لاحقا.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة