"الإصلاح الديني والسياسي" .. وجهان لعملة واحدة؟

الدكتور سعد الدين إبراهيم رئيس مركز بن خلدون بالقاهرة swissinfo.ch

نظم مركز ابن خلدون مؤتمرا مصغرا بالقاهرة يومي 5 و6 أكتوبر 2004، تحت عنوان "الإسلام والإصلاح" ناقش فيه عشرون باحثا من جنسيات مختلفة، ثلاثة محاور مثيرة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 12 أكتوبر 2004 - 08:43 يوليو,

أولها، "الإسلام والإصلاح"، وثانيها يتعلق بإشكالية "دمج الجماعات الإسلامية في النظام الديمقراطي"، وأخيرا "السياسة الأمريكية في مجال دعم البراعم الديمقراطية في العالم العربي".

كاد هذا اللقاء الفكري أن ينتهي بشكل عاديٍ بعد أن أصدر في نهاية أعماله بيانا ختاميا، لكن ما حدث خلال المؤتمر الصحفي من هرج ومرج، وهجوم صاعق على أصحاب المبادرة ومنظميها والمشاركين فيها، أضفى ظلالا خاصة على بعض ما يجري في مصر، وربما خارج مصر.

فبعض السائلين، ومن بينهم أشخاص ليسوا بصحفيين، احتجوا على المطالبة بإدماج الحركات الإسلامية في النظام الديمقراطي، وآخرون اعترضوا بطريقة غوغائية على الدعوة التي أطلقتها الورشة فيما يتعلق بضرورة إحداث مراجعة جذرية في علوم الثقافة الإسلامية، بما فيها علوم التفسير والحديث والفقه أو ما سماه محمد شحرور (مفكر سوري) بـ "اختراق الثوابت".

وهناك من احتج على غياب شيوخ الأزهر "باعتبارهم حماة الإسلام"، ومن تساءل عن خلفية عدم مشاركة الإخوان المسلمين في أعمال المؤتمر، رغم أنهم أعلنوا في شهر مارس الماضي عن مبادرة تعكس وجهة نظرهم في الإصلاح الديمقراطي.

لكن، تصاعُـد الأصوات والنوايا المبيتة للبعض، وحالة تشابك الأيدي وتوزيع الاتهامات بالكفر والعمالة للصهيونية وأمريكا، حالت دون توضيح بعض المسائل.

دعوة إلى الإصلاح الديني

يبدو أن عودة سعد الدين إبراهيم إلى الساحة المصرية بعد خروجه من السجن، ورغم تبرئته من قبل القضاء، لم تدفع خصومه إلى وضع حد للاشتباك معه والسماح له بالنشاط والتعبير دون مضايقات أو تهديد.

فالرجل لم تضعفه محنة السجن، رغم آثارها البينة على صحته، حيث يواصل انتقاداته القوية للأوضاع المصرية، ويتمسّـك بأسلوبه في إثارة القضايا الحرجة في المراحل الحرجة.

لقد كان أول من نظم مؤتمرا عن "قضية الأقليات في مصر والعالم العربي"، ودخل في اشتباك شهير مع حسنين هيكل الذي انتقد بشدة إثارة موضوع الأقليات، وإن عاد خلال الحلقات التلفزيونية التي قدمها مؤخرا عبر قناة الجزيرة وأكّـد بأن "من بين أهم ما يهدد المنطقة إشكالية الأقليات".

وها هو سعد الدين إبراهيم يدافع بحرارة عن موضوعة الإصلاح الديني، ويعلن أن مركز ابن خلدون قد وضع برنامجا طموحا لتجسيد تلك الدعوة، ويقول: "لم يكن الإسلام أبَـدا هو المشكلة، ولكن فهم وممارسة النصوص المقدسة في ظروف دنيوية متغيرة".

لذلك دعا سعد الدين إلى "إنهاء حالة التهميش التي فُـرضت على المجتهدين المسلمين، سواء بواسطة حكوماتهم أو بواسطة المؤسسة الدينية الرسمية التي تحوّلت إلى مؤسسة كهنوتية، أو بواسطة الغلاة الذين تطرفوا وتعصبوا واختطفوا الإسلام وحولوه إلى أدوات للرعب والإرهاب" حسب قوله.

كما تحدث في مداخلته عن الحوارات التي أجراها داخل زنزانته بسجن "طره" مع سجناء ينتمون إلى حركة الإخوان المسلمين أو بعض الجماعات الأخرى، وقد استمرت هذه المحاولات بعد مغادرته السجن من أجل إقامة حوار مباشر بين بعض هذه الجماعات والجهات الأمريكية والغربية.

"الصدأ العقلي" ..

أما الشخصية الثانية التي تتعرض للهجوم والتشكيك خلال الحقبة الأخيرة، فتتمثل في رجل تقدمت به السن، لكنه بقي منسجما مع نفسه يعيش في تواضع شديد، ويحمل نفس الزي ونفس النظارات وعلى وجهه ترتسم نفس الابتسامة، إنه شقيق مؤسس حركة الإخوان "جمال البنا"، هذا الرجل الذي يصح وصفه بالمثقف البروليتاري، أسس مع شقيقته "فوزية" وقفية تحمل إسمهما، ويعيش لوحده في شقة بحي شعبي من أحياء القاهرة، يتنفس فيها رائحة آلاف الكتب والدوريات التي جمعها ووضعها على ذمة الباحثين.

إنه يعيش من أجل الكتابة، حيث أصدر ما لا يقل عن عشرين عنوانا على نفقته الخاصة، ويتولى توزيعها بنفسه، ولكنها كتابات أزعجت ولا تزال من يعتبرونه غير مؤهل للمساهمة في عملية تجديد الفكر الإسلامي.

وخلافا لخصومه الذين يحاولون محاصرته، حيث صادر الأزهر أحد كتبه رغم أنها منشورة منذ التسعينات، يعتقد بأن "أمة محمد قد أعطت إجازة عقلها ألف عام"، ويقول أنه "التقى بمئات من الأفراد لها عقول لا تفضل عقول الأنعام، ولا تريد أن تفكر وتسأل.. وتتحير أمام ما تعده مشاكل، وهو ما لا يقف الطفل الأوروبي الصغير أمامه"، ويعتقد بأن "الصدأ العقلي هو سبب تأخر المسلمين"، ولهذا يعطي الأولوية للإصلاح الديني على الإصلاح السياسي، مثلما كان الشأن في التاريخ الأوروبي. ومن هنا، كان هو وراء هذه المبادرة التي تبناها مركز ابن خلدون، وليست جهات أمريكية كما روّج لذلك البعض.

دمـج الإسلاميين...

لم يكن موضوع الإصلاح الديني، هو القضية الشائكة الوحيدة التي تناولها المؤتمر، حيث ثار جدل قوي حول مسألة إدماج الإسلاميين في النظام الديمقراطي.

وهناك، من تساءل "هل النظام الديمقراطي موجود حتى يجري الحديث عن إدماج الجماعات الإسلامية في صلبه"؟ في إشارة إلى أزمة الشرعية التي تعاني منها أنظمة عربية كثيرة.

لكن هناك من اعتقد بأن عملية الدمج هذه مستحيلة، لأن الإسلاميين مطلقا، ليست لديهم القابلية بمقومات المنظومة الديمقراطية. لكن مع أهمية هذا التباين، فضّـلت الأغلبية دمج الحركات الإسلامية السلمية التي قبلت بأسس النظام الديمقراطي، بل وذهبوا إلى حد الدعوة إلى حوار ينتهي إلى وضع آجندة مشتركة للعمل في إطار مبادرة شعبية مدنية للإصلاح في العالم العربي.

كما تفاوتت وجهات النظر عند الحديث عن السياسة الخارجية الأمريكية المتجهة نحو ما سُـمي بدعم "البراعم الديمقراطية في العام العربي"، إذ شكك البعض في نوايا الإدارة الأمريكية منتقدا بشدة أداءها في الملفين الفلسطيني والعراقي، ودعا آخرون إلى ضرورة عدم الخلط بين هذه الإدارة والشعب الأمريكي أو بينها وبين الغرب عموما، واتجه رأي الأغلبية نحو أهمية فتح قنوات الحوار.

إن ردود البعض عن مثل هذه القضايا الشائكة التي تُـطرح في ظل أوضاع سياسية وثقافية ودينية متوترة، تكشف عن جوانب من المأزق الذي يمر به الهرب حاليا.

فهُـم بقدر احتياجهم لمناقشة كل القضايا التي يشبّـهها البعض بعملية تفكيك الألغام، هم في حاجة أشد لأدوات تحميهم من شظايا هذه الألغام. ومن تلك الأدوات التسلح بالتسامح وسماع رأي المخالف، وتجنب لغة التكفير والتخوين، والإيمان بحق الآخر وبحق الاختلاف، لهذا رأى بعض المشاركين أن الإصلاح السياسي والإصلاح الديني هما وجهان لعملة واحدة.

صلاح الدين الجورشي – القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة