تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

"حوار الطرشان" في الجزائر

الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة وهو يؤدي اليمين الدستورية يوم 19 أبريل 2004 في قصر الأمم بالجزائر العاصمة

(Keystone)

بعد مرور شهرين على فوز عبد العزيز بوتفليقة برئاسة البلاد إثر حملة انتخابية ضخمة، وُعد خلالها الجزائريون بالسلم والأمن والرخاء الاقتصادي، برزت على السطح تساؤلات جدية بشأن إمكانية تنفيذ هذه الوعود.

ويبدو أن حماس المكلّـفين بتنفيذ الإصلاحات، ممن جمعوا ملايين الأصوات لصالح الرئيس، قد تراجع بعد فوزه.

تُـشكّـل مسألتا الخصخصة والإصلاحات الاقتصادية مربط الفرس بالنسبة للحكومة الجزائرية التي أكّـدت مباشرة بعد فوز بوتفليقة الكاسح في بداية شهر أبريل الماضي، أن طريق الجزائر واضحة المعالم. فكل المؤشرات تسير وفق مخطط مدروس يؤدي بالضرورة إلى نمو اقتصادي هائل، هذا ما يؤكّـده رئيس الحكومة أحمد أويحي، الذي أمر الإدارة بتسهيل كل عمليات الخصخصة وبيع المؤسسات العمومية المفلسة لمن يمكنه تسييرها، سواء كان جزائريا أو أجنبيا.

ليس غريبا أن يأمر أويحيى بسياسة كهذه، لأنه هو الذي وقّـع بعد أن رفض الجميع، أغلب الاتفاقيات مع المؤسسات المالية العالمية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي بشأن السياسة الاقتصادية للدولة التي قلّـصت، بعد هذه الاتفاقات عامي 94 و95 من القرن الماضي، أغلب النفقات الاجتماعية مثل تلك المتعلقة بالصحة والتعليم.

والغريب في رأي المراقبين، هو تلك السرعة التي تنصلت بها رئاسة الجمهورية من كل تعهداتها بشأن السياسات الاجتماعية قبل الانتخابات الرئاسية، وكذلك سرعة تحول أويحيى من جامع لأصوات الناخبين إلى شخص غير آبه بها.

وقد يقع اللوم على رئيسي الجمهورية والحكومة لأنهما يُطبّـقان سياسة واقعية كان من المفروض أن يُـبلغا بها من صوّتوا لصالح برنامج عبد العزيز بوتفليقة، لأن ما يطبّـقانه حاليا يُمثل حلا منطقيا لمشكلات القطاع الخاص ونفاق القطاعين الجمركي والمصرفي اللذان لا يمثلان الاقتصاد الحر إلا على الورق.

قلق الاتحاد الأوروبي

ومن ناحيتها، علمت "سويس إنفو" أن حكومات عديدة داخل الاتحاد الأوروبي نالت مؤخرا قِـسطا وافرا من الشجاعة يجهل مصدره، وأضحت تُبلغ الرئيس الجزائري عن مدى قلقها من بطء الإصلاحات الاقتصادية وسطوة القطاع الموازي والسوق السوداء وسياسة "البازار" بشكل عام.

ويعتبر الفرنسيون عرابو هذا الاحتجاج ويتبعهم الإسبان وإلى حد ما الألمان، الذين أبدى بعض دبلوماسييهم يأسا كبيرا حيال سياسة الإصلاحات ووصفوها بأنها "لن تنجح إلا بعد جيلين أو ثلاثة".

لا علم للكثير من رجال الإعلام بمدى وعي بوتفليقة بهذه الانتقادات اللاذعة التي أصبحت قاسما مشتركا بين عدد من نواب البرلمان الأوروبي المنتقدين بطبعهم، وأصحاب الفعل السياسي داخل بعض حكومات الاتحاد الأوروبي الذين أظهروا صبرا مُـنقطع النظير في السنوات القليلة الماضية.

ويقودنا هذا التحدي الهائل الذي يواجه الرئيس إلى مسألة وضع الجزائر الدبلوماسي بعد إعادة انتخابه لفترة رئاسية ثانية تستمر خمسة أعوام.

فقد أثبتت السياسة الخارجية لواشنطن، بما لا يدع مجالا للشك، أن المملكة المغربية أهم - بالنسبة للإدارة الأمريكية - من الجزائر، بعد أن اعتبر الأمريكيون مؤخرا الجارة الغربية للجزائر "حليفا استراتيجيا خارج حلف شمال الأطلسي".

ونظرا لأن المغرب تملك أيضا علاقات دبلوماسية مميزة مع فرنسا، فإن ما أشيع من طرف الجهات الرسمية من أن الجزائر "بلد مهم، من الناحيتين الأمنية والجيو استراتيجية"، كلام يفتقر إلى الكثير من الجدية والصحة.

حرية الإعلام مهددة

ومن الناحية الحسابية، فقد تضطر الجزائر إلى "الاستجارة بالرمضاء من النار" مثلما يُقال، لأن ابتعاد الأمريكيين عن الجزائر بوصة واحدة يؤدي على الجهة الأخرى إلى الإقتراب ذراعا من فرنسا التي تربطها علاقات مثيرة بالجزائر تشبه تلك التي تربط "مطلقين يُـصران على الالتقاء بعد فسخ عقد قرانهما...".

وهناك احتمالات كثيرة تنتظر الجزائر بعد هذا الابتعاد الأمريكي إن تأكد، أهمها إيجاد قواسم مشتركة مع فرنسا التي يمكنها أن تدافع عن الجزائر داخل الاتحاد الأوروبي.

ولإحداث التوازن في مشتريات السلاح من الخارج، والتي أصبح المغرب أفضل المستفيدين منها بعد اختيارهم حليفا استراتيجيا من قبل الأمريكيين، قد يمكن للمغاربة الآن شراء ما يريدونه من السلاح، خلافا للجزائريين الذي قد يُضطرون إلى مواصلة التعامل مع شركائهم الحاليين، يمثلهم الروس ورثة الاتحاد السوفياتي السابق.

ومن الناحية الواقعية، لا يتحدث الجزائريون كثيرا عن حظوة المغرب لدى الولايات المتحدة، لأن هذا تهتم به طائفة من الجزائريين تتواجد غالبيتهم داخل الحكومة والرئاسة ووسائل الإعلام بشكل خاص، وقد يُخطئ من يعتقد أن اهتمام الحكومة ووسائل الإعلام بأمر كهذا يعني أن العلاقة بينهما سمن على عسل، بل العكس هو الصحيح.

مرد ذلك إلى قرار محكمة الجزائر بسجن محمد بن تشيكو، مدير يومية لوماتان الناطقة باللغة الفرنسية لمدة عامين بتهمة "تهريب وثائق مالية" إلى الخارج.

والكل يعرف أن المصطلح الذي استعملته المحكمة لا معنى له، لأن حمل شيكات جزائرية لا تقبل الصرف في البنوك الخارجية، ليس له أدنى أثر على الاقتصاد الوطني. غير أن سجن بن تشيكو دفع إلى طرح تساؤلات جدية بشأن حرية الإعلام ومدى واقعيتها خلال العهدة الرئاسية الثانية لبوتفليقة الذي أبدى رفضا مُـطلقا لفتح المجال أمام القنوات الإعلامية الخاصة، سواء كانت إذاعة أو تلفزيونا.

وعليه، ستبقى الصحف التي عارضت بوتفليقة خلال الحملة الانتخابية رهينة رغبات الرئيس الذي قال بأنه يريد استثمار حرية الإعلام النسبية لصالح البناء الديمقراطي، إلا أن همسا تحول استمراره ضجيجا، أشار إلى ضجر بوتفليقة من الحرية الكبيرة لبعض الصحفيين الذين لم يمدحوه على الإطلاق منذ أن تولى رئاسة البلاد.

"حـوار طـرشـان"؟

أمنيا، لا زال لغز الجماعة السلفية للدعوة والقتال التي يتزعمها نبيل صحرواي الذي عزل الأمير السابق الشهير حسن حطاب، لغزا محيرا. فعندما دعت الحكومة من تبقّـى في الجبال إلى النزول منها، عززت هذه الدعوة بحملة إعلامية ضخمة جاءت على صورة حرب نفسية، قيل خلالها بأن عشرات المسلحين ينوون العودة إلى بيوتهم وبأنهم تجمّـعوا في مراكز على سفوح الجبال، ينتظرون آخر التفاصيل الإدارية مع الجيش كي يتمكنوا من العودة إلى بيوتهم.

غير أن الفشل كان ذريعا، حيث لم ينزل إلا بعض المسلحين ممن ينتمون إلى الجماعة الإسلامية المسلحة ذات توجهات جماعة التكفير والهجرة، وهي جماعة اقتربت من الانقراض التام. في حين، لم تُعرض صور الذين استسلموا من الجماعة السلفية للدعوة والقتال ولم يتعرف أحد من رجال الإعلام عليهم، في المقابل، شاع خبر مقتل 11 من قوات الأمن في عملية مثيرة في بلاد القبائل قبل ثلاثة أسابيع كالنار في الهشيم، لأنها أظهرت أن الجماعة لا زالت قادرة على زعزعة الأمن في النواحي التي تنتشر فيها، مثل بلاد القبائل وبعض مناطق شرق البلاد.

ورغم إعلان الجيش الجزائري يوم الأحد 20 يونيو عن نجاحه في القضاء على نبيل صحراوي وعدد من أهم معاونيه إلا أن تحديات كثيرة لا زالت تنتظر بوتفليقة بعد أقل من مائة يوم عن بدء ولايته الثانية خصوصا وأنه تعهد في حملته الإنتخابية بأن أمامه "خمسة أعوام ليُظهر أن الجزائر قد وصلت إلى بر الأمان".

ومع وجود مشككين من داخل الاتحاد الأوروبي بإمكانية حصول تحول اقتصادي ضخم تحتاج إليه البلاد، قد يُـجبَـر بوتفليقة على لعب دور المصلح التاريخي، وهو في السابعة والستين من العمر، لأن تسيير الجزائر في الظرف الحالي وبطريقة عادية قد لا يفيد البلاد والعباد شيئا، هذا مع وضع شيء هام في الحسبان، ويتمثل في مدى فقه رئاسة الجمهورية لهَـمّ كهذا؟ لأن عدم وصول الفكرة، معناه أن الصورة تمثل بحق "حوار طرشان".

هيثم رباني - الجزائر


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك