Navigation

"طمأنينة غير إستراتيجية" في دمشق؟

تزينت المدن السورية يوم 8 مارس 2006 في مناسبة مرور 43 عاما على وصول حزب البعث الحاكم إلى السلطة في أعقاب انقلاب عسكري Keystone

"جبهة الإنقاذ الوطني" التي أعلنها مؤخرا عبد الحليم خدام، النائب السابق للرئيس السوري، وعلي صدر الدين البيانوني، المراقب العام لجماعة الأخوان المسلمين السوريين، لم تثر قلقاً عميقاً لدى أوساط النظام السوري.

هذا المحتوى تم نشره يوم 24 مارس 2006 - 07:01 يوليو,

ويبدو أن سبب "الإطمئنان" السوري مرتبط هذه المرة بمبررات دولية وإقليمية..

"جبهة الإنقاذ الوطني" التي أعلنها الأسبوع الماضي عبد الحليم خدام، النائب السابق للرئيس السوري، وعلي صدر الدين البيانوني، المراقب العام لجماعة الأخوان المسلمين السوريين، لم تثر قلقاً عميقاً لدى أوساط النظام السوري.

السبب؟ ليس فقط ما ذكره المعارض السوري والمتحدث بإسم اللجنة العربية لحقوق الأنسان هيثم المناع، من أن "المجتمع السوري يكره خدام ولا يثق بصدقيته، ولذا هذه الجيهة ولدت ميتة"، بل أيضاً لمبررات أهم وأقوى. مبررات دولية وإقليمية هذه المرة.

فعلى الصعيد الدولي، إلتقطت دمشق بعض أنفاسها ليس الأن بل قبل نحو أربعة أشهر، حين علمت أن تقريراً خطيراً رفع إلى مجلس الأمن القومي الاميركي (بشكل مشترك بين إستخبارات البنتاغون والموساد الإسرائيلي، على ما يقال)، يدعو إلى التخلي عن فكرة تغيير النظام لصالح نهج تغيير سلوكياته، بعد أن تبّين أن بديله "سيكون أسوأ منه بكثير".

ثم جاءت التطورات الأقليمية المتسارعة لتعزز هذا التغيير المفاجيء في نهج واشنطن، في مقدمها: تفاقم الصراع الاميركي-الإيراني (برغم الإتفاق مبدئياً مؤخراً بين الطرفين على "التحادث" حول العراق)؛ وصول حركة "حماس" إلى السلطة في فلسطين؛ إستعادة شيء من توازن القوى في لبنان بين محوري "واشنطن- باريس" و "طهران- دمشق" بعد مرحلة الخلل فيه مع إنسحاب القوات السورية من بلاد الأرز؛ واخيراً إستبدال المحقق الألماني ميليتس الكاره للنظام السوري بالمحقق البلجيكي المهني برامرتس في قضية إغتيال رفيق الحريري.

اللوحة الإستراتيجية

إرتياح دمشق، إذاً، له ما يبرره. لكن، هل هذا يعني أن النظام تجاوز مرحلة الخطر وبات في وسعه إستنئاف العمل كالمعتاد؟
كلا!

لماذا؟ لأن مصيره الخاص ما زال مرتبطاً بالمصير العام للصراع الشامل الذي يدور رحاه الأن بين واشنطن وطهران في طول منطقة الشرق الاوسط وعرضها، والتي تشّكل فيه سوريا(كما سنرى بعد قليل) واسطة العقد وحجر الزاوية.

آثار أقدام هذا الصراع لا تقود فقط إلى الملف النووي العسكري الإيراني وإلى الإضطرابات السياسية والأثنية الداخلية الإيرانية "التي تتم بتحريض من الغرب" (كما تقول طهران)، بل إلى كل مكان تقريباً في المنطقة:

- ففي أريحا، يؤكد فلسطينيو أبو مازن و"فتح" أن إيران تتدخل، وبكثافة "لصالح الإسلاميين الفلسطينيين". وهم إتهموا مؤخراً منظمة "الجهاد الإسلامي" الفلسطينية بأنها "تنفذ أجندة إيرانية" وتتلقى تعليماتها من حزب الله والحرس الإيراني الثوري في لبنان.

واللبنانيون، أو نصفهم على الأقل، واثقون بأن الازمة الكبرى الراهنة بين الحكومة والاكثرية النيابية وبين حزب الله، لم تكن لتنشب لولا إنتقال إيران من الاعتدال إلى التطرف في علاقتها مع الغرب، بعد وصول أحمدي نجاد إلى الرئاسة. كما انهم واثقون أيضاً بأن صواريخ الكاتيوشا التي أطلقت قبل فترة على الشمال الأسرائيلي ذات "هوى إيراني".

أما العراقيون فيتحدث بالنيابة عنهم العديد من المسؤولين العرب، الذين نجحوا مؤخراً في "تخويف" الامريكيين من تنامي النفوذ الأيراني في بلاد العباسيين، خاصة في البصرة والمناطق الجنوبية الأخرى.

أما في الأردن، فالمجابهة مع إيران تأخذ أبعاداً أخطر بكثير، حيث يتزعم الملك عبد الله الثاني حملة التنظير ضد "الخطر الأيراني- الشيعي الزاحف". فقد كان هو الذي اطلق تعبير "الهلال الشيعي" الشهير، الذي يفترض أن يتشكل من تحالف إستراتيجي بين شيعة جنوب العراق وسوريا ولبنان، إضافة بالطبع إلى إيران.

وفي ربيع العام 2005، وحين أجرى معه "مجلس العلاقات الخارجية الاميركي" مقابلة مطّولة حول هذه المسألة، لم يتردد الملك في القول أنه "يخشى أن يتوقف الصراع الفلسطيني- الأسرائيلي عن كونه جوهر الصراع في الشرق الاوسط، وأن يتمحور حول إيران، في إطار صراع مرعب داخل الإسلام: صراع سنّي- شيعي سيكون مدمّراً في هذا الجزء من العالم".

خيوط متشابكة

الخيوط، إذا، واضحة، وهي تقود كلها إلى بيت العنكبوت: مواجهة شاملة بين إيران وأميركا، عبر "حروب بالواسطة" يشنها الطرفان في منطقة الهلال الخصيب العربي أساساً. إلا أنها (أي المواجهة) يمكن أن تصل إليه في أية لحظة إلى إنفجار مباشر.

كيف ذلك؟

مثلاً، عبر عمليات عسكرية ضخمة تشنها إسرائيل أو أمريكا، أو إسرائيل وأمريكا معاً، ليس فقط ضد منشآت إيران النووية، بل أيضاَ ضد بناها التحتية العسكرية الأقتصادية بهدف خلخلة نظامها وتفجير تناقضاته. أو العكس: عبر مبادرة إيران إلى الهجوم، سواء في مياه الخليج أو على شواطيء البحر المتوسط على يد حلفائها من العرب . وكلا الاحتمالين واردان.

كتبت دورية "ميدل إيست كوورترلي" الامريكية في عددها الأخير: "البرنامج النووي الإيراني وصواريخ حزب الله في لبنان تهدد المصالح الأميركية في المنطقة وتعقّد جهود واشنطن لمنع إنتشار أسلحة الدمار الشامل ومواصلة الحرب على الإرهاب".

والحل؟ أنه برأيها يكمن في شن هجوم إستباقي إسرائيلي أو اميركي على إيران، يسبقه أو يرافقه هجوم بري إسرائيلي على جنوب لبنان بهدف تحييد صواريخ حزب الله، خاصة منها "فجر-3" و "فجر-5" التي يتراوح مداها بين 30 إلى 45 ميلاً، والتي تستطيع، بالتالي، ضرب مدينة حيفا مقر وادي سيليكون التكنولوجيا المتطورة الإسرائيلية.

طهران وواشنطن لم تصلا بعد إلى مرحلة الصدام المباشر. ولذا فهما ستواصلان، حتى إشعار آخر، شن الحروب بالواسطة في الشرق الأوسط: صليل صواريخ في لبنان، يقابلها هدير "أكثريات" سياسية. عمليات إستشهادية في قلب إسرائيل، يرد عليها بعمليات تدميرية في غزة. تعزيز مواقع إيران في العراق، يُواجه باقتحامات سنية مدعومة عربياً واميركياً لهذه المواقع. والاهم : سباق مرير على إلتقاط "الثمرة السورية اليانعة" (على حد تعبير مسؤول أمريكي).

لكن، هل الصدام حتمي بين الطرفين؟ ألا يحتمل أن يؤدي تقاطع المصالح، كما حدث عشية حربي العراق وأفغانستان، إلى إقتطاع مشترك مجدداَ بينهما لكعكة النفوذ، في بعض أرجاء الشرق الأوسط؟

هذا ما يروّج له الان بعض المحللين الذين يرون في الإتفاق المبدئي بين واشنطن وطهران على "التحادث" حول العراق، مؤشراُ على تجدد هذا الإقتطاع الذي يتكرر إلى درجة الملل بين الطرفين منذ العام 1979 وحتى الان: من صفقة إيران- كونترا 1980، إلى صفقات رهائن لبنان 1983-1984 ، مروراً بتبادل أوراق المصالح والمنافع تحت الطاولة عشية غزو أفغانستان 2001 وفوق الطاولة غداة الحرب على العراق 2003.

مصير سوريا

كل هذه التطورات تعني شيئاً واحداً: المجابهة الإيرانية- الاميركية ستتوالى فصولاً حتى تصل إلى خواتيمها الحاسمة بإنتصار فريق وهزيمة آخر. وهذا برغم الصفقات التكتيكية والهدنات التي قد تحدث بين الطرفين بين الفينة والأخرى. فالنفط، الذي سيصبح قبل العام 2012 على الأرجح، أخطر عملة نادرة في التاريخ، لا يحتمل سيادة سيدين!

وهنا تطل سوريا برأسها بصفتها "بيضة القبان" التي ستمكّن من يمتلكها من حسم الامور بسرعة لصالحه. فإذا ما نجحت طهران في مواصلة الأمساك بالورقة السورية، فإنها ستعزز مواقع هجومها في "هلال" يمتد من لبنان إلى العراق مروراً بسوريا والأردن وفلسطين، وستدفع أميركا إلى مواقع الدفاع. إما إذا ما تمكنّت واشنطن إما من إستبدال النظام السوري أو تغيير سلوكياته(والأمر سيان)، فستنسف بسرعة النفوذ الإيراني في لبنان، وتحاصره في فلسطين، وتهدده في العراق، وصولاً في النهاية إلى خنق النظام الإيراني نفسه في طهران.

سوريا، في مرحلة الصراع الراهنة، لن تستطيع البقاء طويلاً على الحياد بين الطرفين. ففي لحظة ما(وهي لن تكون بعيدة على الأرجح)، سيكون عليها الإختيار نهائياً بين الفرس واليانكي، إلا بالطبع إذا ما حدثت معجزة ما وتوّصل الامريكيون إلى "تغيير سلوكيات" النظام الإيراني بالتي هي أحسن. وهذا ما لا يبدو وارداً حتى الان.

دمشق كانت على حق حين استقبلت بإستخفاف بالأمس جبهة خدام- البيانوني الإنقاذية. لكن أي تسخين جديد للمجابهات الإستراتيجية بين أمريكا وطهران، سيجعل من أي معارضة سورية، مهما تضأءل حجمها، خطراً مستطيراً على النظام، بسبب الدعم الهائل الذي ستتلقاه من العوامل الخارجية.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الأخوان المسلمين السوريين، بالمناسبة، ليسوا البتة "معارضة ضئيلة".

تـوجّـه لـلـحـسـم

هدف المقايضة البراغماتية المحتملة الجديدة: قيام طهران بمساعدة واشنطن على الخروج من المستنقع العراقي، في مقابل مساعدة واشنطن لطهران على عدم الغرق كلياُ في مستنقع مجلس الامن الدولي.

بيد أن الطرفين يعلم أن عمر مثل هذا الإتفاق (في حال التوصل إليه) قد يكون من عمر الزهور، لكنهما معاً، وبسبب إرثهما الطويل في مجال الصفقات التكتيكية، مستعدتان لشكر الله على منحهما خبزهما كفاف يومهما. إنه الدهاء (يصر البعض على وصفه بالخبث) التاريخي الفارسي الطويل وقد أنس التزاوج مع النزعة البراغماتية-النفعية الامريكية المتطرفة. والعكس صحيح بالطبع. ومن رحم هذا الغرام المحرّم والعجيب، ولد، وسيولد أكثر، الكثير من إناث العقارب المستعدة دوماًُ لالتهام من يحتضنها، سواء أكان أمريكياً أو إيرانياً.

لكن، إلى متى يمكن ان تستمر لعبة الخبث هذه؟

إلى ان يقرر أحد العقربين أن مرحلة الهدنات التكتيكية إنتهت وأزفت مرحلة الحسم الإستراتيجي. وهي، بالنسبة لأمريكا على الأقل، مرحلة آتية لا ريب فيها. إذ هي لن تستطيع لا الأن ولا غداً تحّمل وجود قوة إقليمية تقليدية إيرانية اليوم، قد تصبح نووية غداً، تمسك بمنطقة الخليج العربي من خناقها. وهذا في وقت تحّول فيه الصراع على موارد الطاقة بين الدول الكبرى القديمة والجديدة، أو يكاد، إلى حرب باردة كبرى جديدة.

لا بل ثمة ما هو أخطر: إن أي تراخ أمريكي "إستراتيجي" مع إيران، سيعني سيطرة هذه الأخيرة على الدويلة الشيعية التي أقامتها في جنوب العراق والتي تسيطر بدورها على معظم ثاني أكبر إحتياطي نفطي في العالم. وهذا بالطبع سيكون إنتحاراً حقيقياً للزعامة الاميركية في العالم.

وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الامريكي الجديدة ألمحت إلى أن لحظة الحسم مع إيران، ستأتي "إذا ما فشلت الجهود الدبلوماسية الجديدة. إذ حينها لن يكون ثمة مجال لتجنّب المجابهة"!!. وهي (أي الوثيقة) صنّفت الجمهورية الإسلامية الإيرانية على انها "الخطر الأكبر على الخطط الامريكية في العالم". وهذا ما دفع الكاتب فيليب ستيفن إلى الأستنتاج بأن واشنطن لا تريد ان تكون الجهود الدبلوماسية "أكثر من تمهيد للعمل العسكري".

وفي المقابل، كان علي لاريجاني، الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني، يؤكد وجود هذا التوّجه للحسم، ويتهم واشنطن بأنها "في صدد القيام بممارسات أخرى ضد إيران، هدفها القضاء على نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية".

سعد محيو- بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.